قصة تيه بني إسرائيل

السؤال: ما هو التيه الذي عاقب الله به بني إسرائيل، وهل كان موسى وهارون (عليهما السلام) معهم فيه؟

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم – أيَّدك الله – أنَّ تيه بني إسرائيل في سيناء أربعين سنةً بعد خروجهم من مصر مع موسى وهارون (عليهما السلام)، كان عقوبةً لهم لتمرُّدهم على الأمر الإلهيّ بدخول الأرض المقدَّسة (أورشليم)، وقد ورد في القرآن الكريم السبب الذي استحقَّ من أجله بنو إسرائيل التيه في الأرض، وهو معصيتهم لله ورسوله موسى الكليم (عليه السلام) فإنَّهم رفضوا الأمر بالدخول إلى الأرض المقدَّسة كما جاء ذلك في قوله تعالى: {يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ} إلى قوله: {قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ} [المائدة: 21].

إذْ ورد عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «لما انتهى بهم موسى (عليه السلام) إلى الأرض المقدَّسة، قال لهم: {ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ولا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ}، وقد كتبها الله لهم، {قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ * قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ * قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ}، فلما أبوا أنْ يدخلوها حرَّمها الله عليهم، فتاهوا في أربع فراسخ {أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِين}، فمكثوا بهذا أربعين سنةً، ونزل عليهم المنُّ والسلوى حتى هلكوا جميعاً، إلَّا رجلين: يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا وأبناؤهم. وكانوا يتيهون في نحوٍ من أربع فراسخ، فإذا أرادوا أنْ يرتحلوا يبست ثيابهم عليهم وخفافهم -قال -وكان معهم حجرٌ إذا نزلوا ضربه موسى (عليه السلام) بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، لكلِّ سبطٍ عينٌ، فإذا ارتحلوا رجع الماء إلى الحجر، ووضع الحجر على الدابَّة» [الاختصاص ص265].

وقد كانت حجَّتهم في رفضهم الدخول إلى الأرض المقدَّسة: أنَّ فيها قوماً جبَّارين كما في قوله تعالى: {قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ ..} [المائدة: 21].

قال علي بن إبراهيم القمّيّ: (قال لهم موسى: اهبطوا مصراً فإنَّ لكم ما سألتم، فقالوا: إنَّ فيها قوماً جبارين وإنَّا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإنْ يخرجوا منها فإنَّا داخلون، فنصف الآية ههنا، ونصفها في سورة البقرة، فلما قالوا لموسى: إنَّ فيها قوماً جبارين، وإنَّا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، قال لهم موسى: لابدَّ أنْ تدخلوها، فقالوا له: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ}) [تفسير القمّيّ ج1 ص152].

وقال: (فأخذ موسى بيد هارون وقال كما حكى الله {إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي} يعني هارون {فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ}، فقال الله: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً} يعني مصراً لن يدخلوها أربعين سنةً {يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ}، فلما أراد موسى أنْ يفارقهم فزعوا وقالوا: إنْ خرج موسى من بيننا نزل علينا العذاب. ففزعوا إليه وسألوه أنْ يقيم معهم ويسأل الله أنْ يتوب عليهم، فأوحى الله إليه قد تبتُ عليهم على أنْ يدخلوا مصراً وحرَّمتها عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرض عقوبةً لقولهم: اذهب أنت وربك فقاتلا..) [تفسير القمّيّ ج1 ص152].

ومن باب الاستئناس، فإنَّ التوراة تتوافق مع ما جاء في القرآن الكريم في ذكر سبب التيه، إذْ ورد فيها: «فحمي غضب الربِّ على إسرائيل وأتاههم في البريَّة أربعين سنةً، حتّى فني كلُّ الجيل الذي فعل الشرَّ في عيني الربِّ» [سفر العدد 32: 13]. وجاء أيضاً في التوراة: «وقد رأينا هناك الجبابرة بني عناق من الجبابرة» [سفر العدد: 13-31].

ولما عصوا الأوامر دعا موسى (عليه السلام) أنْ يفرِّق بينه وبينهم كما في قوله تعالى: {قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ} [سورة المائدة: 21].

ومن هنا يظهر: أنَّ موسى وهارون (عليهما السلام) ومن معهما من الصالحين بقوا مع بني إسرائيل بناءً على طلبهم؛ لأنَّهم كانوا يعلمون أنَّ فراقهم يعني نزول العذاب عليهم، وتوفّي النبيُّ هارون (عليه السلام) أوَّلاً، وبعده بفترةٍ قصيرةٍ توفّي موسى (عليه السلام) قبل انتهاء الأربعين عاماً، ولم يتمكنا من دخول الأرض المقدَّسة (أورشليم)، فكان تيه بني إسرائيل في سيناء لمدة أربعين سنةً بعد خروجهم من مصر عقوبةً لتمرُّدهم على أمر الله بدخول الأرض المقدَّسة، ولم يكن موسى ومن معه قد شملتهم العقوبة.

نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أوَّلاً وآخراً.