بقاء الأنبياء والأوصياء (ع) في قبورهم
السؤال: روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «ما من نبيٍّ ولا وصيٍّ يبقى في الأرض بعد موته أكثر من ثلاثة أيامٍ حتَّى ترفع روحه وعظمه ولحمه إلى السماء، وإنَّما تؤتى مواضع آثارهم، ويبلغهم السلام من بعيدٍ، ويسمعونه في مواضع آثارهم من قريبٍ...»، فهل هذا يشمل كلَّ الأنبياء والأوصياء؟ ثمَّ ماذا عن الروايات المنافية لها والتي تتحدَّث عن نقل بعض عظام الأنبياء من مكانٍ لآخر كيوسف وغيره؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
الملاحَظ في السؤال المذكور أنَّه يشتمل على أمرين اثنين، الأوَّل: هل رفع الأجسام شاملٌ للأنبياء والأئمَّة ككلٍّ؟ والثاني: بعد التسليم برفع الجميع، أفلا ينافي ما روي من نقل عظامهم من مكانٍ إلى آخر كما في يوسف (عليه السلام) وغيره؟ ولبيان الحال في ذلك يقع الكلام في أربع نقاطٍ، فنقول ومن الله تعالى التوفيق.
النقطة الأولى: ما دلَّ على رفع الأجسام الشريفة: ومنها:
1ـ ما رواه جماعةٌ من مشايخنا المتقدّمين (طاب ثراهم) بإسنادٍ معتبرٍ عن زياد بن أبي الحلال عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ما من نبيٍّ ولا وصيِّ نبيٍّ يبقى في الأرض بعد موته أكثر من ثلاثة أيامٍ حتَّى تُرفع روحه وعظمه ولحمه إلى السماء، وإنَّما تؤتى مواضع آثارهم، ويبلغهم السلام من بعيدٍ، ويسمعونه في موضع آثارهم من قريبٍ» [بصائر الدرجات ص465، الكافي ج4 ص٥٦٧، كامل الزيارات ص544، من لا يحضره الفقيه ج2 ص578، المزار للمفيد ص220، التهذيب ج6 ص106].
2ـ وما رواه الشيخان (طاب ثراهما) بالإسناد عن عطية الأبزاريّ قال: سمعتُ أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «لا تمكث جثة نبيٍّ ولا وصيِّ نبيٍّ في الأرض أكثر من أربعين يوماً» [المزار للمفيد ص220، التهذيب ج6 ص106].
3ـ وما رواه الشيخ الكراجكيّ (طاب ثراه) عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال: «أنا أكرم عند الله من أنْ يدعني في الأرض أكثر من ثلاثٍ» [كنز الفوائد ص258]. وكذلك الأوصياء، لأنَّهم مع الأنبياء حيث كانوا، كما ورد في الأخبار.
بل ورد رفع الأنبياء بعد مماتهم حتَّى في تراث العامَّة، كما في الفتاوى الحديثيَّة لابن حجرٍ، ووفاء الوفاء للسمهوديّ، روح المعاني للآلوسيّ، وغيرها من مصادر أهل العامَّة [يُنظر: مقتل الحسين للسيِّد المقرَّم ص131 الحاشية].
ومن خلال ما تقدَّم: يتَّضح الحال في جواب الشق الأوَّل من السؤال، وهو أنَّ رفع الأجسام الشريفة شاملٌ للأنبياء والأئمَّة جميعاً.
النقطة الثانية: ما دلَّ على بقاء الأجسام الشريفة: ومنها:
1ـ ما رواه المشايخ الثلاثة (طاب ثراهم) بالإسناد عن المفضَّل بن عمر عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، وفيه: «إذا أردت زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) فاعلم أنَّك زائر عظام آدم، وبدن نوحٍ، وجسم علي بن أبي طالبٍ (عليه السلام). قلتُ: إنَّ آدم هبط بسرنديب في مطلع الشمس، وزعموا أنَّ عظامه في بيت الله الحرام، فكيف صارت عظامه بالكوفة؟ قال: إنَّ الله (تبارك وتعالى) أوحى إلى نوحٍ (عليه السلام) وهو في السفينة أنْ يطوف بالبيت أسبوعاً، فطاف بالبيت كما أوحى الله إليه، ثمَّ نزل في الماء إلى ركبتيه فاستخرج تابوتاً فيه عظام آدم، فحمل التابوت في جوف السفينة حتَّى طاف بالبيت ما شاء الله تعالى أنْ يطوف، ثمَّ ورد إلى باب الكوفة في وسط مسجدها... فأخذ نوح التابوت فدفنه في الغري... إلى قوله: فإذا زرت جانب النجف فزر عظام آدم، وبدن نوحٍ، وجسم علي بن أبي طالبٍ (عليه السلام)، فإنَّك زائر الآباء الأوَّلين ومحمَّداً (صلَّى الله عليه وآله) خاتم النبيين وعلياً سيد الوصيين، فإنَّ زائره تفتح له أبواب السماء عند دعوته، فلا تكن عن الخير نوَّاماً» [كامل الزيارات ص89، المزار للمفيد ص20، التهذيب ج6 ص22].
2ـ وما رواه الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بسندٍ معتبرٍ عن الحسن بن علي بن فضَّالٍ، عن أبي الحسن (عليه السلام) أنَّه قال: «احتبس القمر عن بني إسرائيل فأوحى الله (جلَّ جلاله) إلى موسى (عليه السلام) أنْ أخرج عظام يوسف من مصر، ووعده طلوع القمر إذا أخرج عظامه، فسأل موسى عمَّن يعلم موضعه، فقيل له: ههنا عجوزٌ تعلم علمه، فبعث إليها فأتي بعجوزٍ مقعدةٍ عمياءٍ... فدلَّته عليه فاستخرجه من شاطئ النيل في صندوق مرمرٍ، فلما أخرجه طلع القمر، فحمله إلى الشام، فلذلك يحمل أهل الكتاب موتاهم إلى الشام» [الخصال ص205، علل الشرائع ج1 ص296، عيون أخبار الرضا ج1 ص235].
3ـ وما رواه قطب الدين الراونديّ (طاب ثراه) عن علي بن الحسن بن سابورٍ، وفيه: «قُحِط الناس بسرَّ من رأى في زمن الحسن الأخير (عليه السلام)... إلى قوله: فخرج الجاثليق في اليوم الرابع إلى الصحراء، ومعه النصارى والرهبان، وكان فيهم راهبٌ، فلما مدَّ يده هطلت السماء بالمطر ... إلى قوله: ففعل وأخذ من بين سبابته والوسطى عظماً أسود، فأخذ الحسن (عليه السلام) بيده ثمَّ قال له: استسقِ الآن؟ فاستسقى، وكانت السماء متغيمةً فتقشعت وطلعت الشمس بيضاء، فقال الخليفة: ما هذا العظم يا أبا محمَّدٍ؟ فقال (عليه السلام): هذا رجلٌ مرَّ بقبر نبيٍّ من أنبياء الله، فوقع في يده هذا العظم، وما كشف عن عظم نبيٍّ إلَّا هطلت السماء بالمطر» [الخرائج والجرائح ج1 ص441]. إلى غيرها من الأخبار الكثيرة ـ بل المتواترة ـ الواردة في هذا المعنى [يُنظر: روضة المتَّقين للمجلسي الأوَّل ج5 ص362].
النقطة الثالثة: كلمات الأعلام في المسألة:
اختلفتْ كلمات الأعلام في هذه المسألة، إذْ رجَّح بعضهم الروايات الدالَّة على الرفع بينما رجَّح الآخرون الروايات الدالَّة على البقاء. فقد رجَّح المحدِّث البحرانيّ (طاب ثراه) روايات الرفع إلى السماء بعد تأويله لروايات البقاء في القبر بما ورد من الأخبار الدالَّة على أنَّ دفن الميت إنَّما يقع في موضع تربته التي خُلق منها [يُنظر: الدرر النجفيَّة ج3 ص158 وما بعده].
بينما اختار البقاء في القبر وأصرَّ عليه السيِّد محمود الحسينيّ الكاظميّ (طاب ثراه)، وذلك بعد تأويل الأخبار الدالَّة على الرفع، كما سنذكر ذلك بعد قليلٍ إنْ شاء الله تعالى.
النقطة الرابعة: ما ذكر من وجوهٍ للجمع بين ذلك:
لقد ذكر الأعلام بعض الوجوه الدالَّة على الجمع بين هذه الأخبار المتعارضة، نذكر بعض ما عثرنا عليه منها.
1ـ الأجساد المثاليَّة:
فقد حمل الفيض الكاشانيّ (طاب ثراه) الرفع على الأجساد المثاليَّة البرزخيَّة، حيث قال: (يحتمل أنْ يكون المراد باللحم والعظم المرفوعين المثاليين منهما، أعني البرزخيَّين. وذلك لعدم تعلقهم بهذه الأجساد العنصريَّة، فكأنَّهم وهم بعد في جلابيب من أبدانهم قد نفضوها وتجرَّدوا عنها فضلاً عما بعد وفاتهم... إلى قوله: فلولا أنَّ الأجسام العنصريَّة منهم تبقى في الأرض لما كان لاستخراج العظام ونقلها من موضعٍ إلى آخر بعد سنين مديدةٍ معنىً...) [الوافي ج14 ص1338، وينظر أيضاً: الأنوار الساطعة ج1 ص375].
2ـ التقية:
وحمل السيِّد محمود الحسينيّ الكاظميّ (طاب ثراه) الروايات الدالَّة على رفعهم الى السماء على التقية خوفاً من نبشها من قبل الظالمين، فقال ما نصُّه: (...أنْ نحملها على ضربٍ من التقية، خوفاً من بني العبَّاس وبني أمية من أنْ ينبشوا قبورهم أو يستخفُّوا بآثارهم، كما فعله داوود العبَّاسيّ بقبر عليّ (عليه السلام) وما فعله المتوكِّل بقبر الحسين) [رسالة في إثبات الأنبياء والأوصياء في قبورهم (مخطوط) الورقة 8].
3ـ الرفع ثمَّ العود:
وحمل السيِّد محمود الحسينيّ الكاظميّ (طاب ثراه) ـ أيضاً ـ الروايات الدالَّة على رفعهم إلى السماء على رفعهم أوَّلاً ثمَّ عودهم إلى قبورهم الشريفة لمصلحةٍ من المصالح، فقال ما نصُّه: (...أنْ نحملها على أنَّ رفعهم إلى السماء إنَّما كان لمصلحةٍ اقتضتها الحكمة، وذلك لا يمنع من رجوعهم الى الأرض وبقائهم فيها، ويؤيده تلك الروايات المتقدِّمة الدالَّة على وجودهم (عليهم السلام) في الأرض) [رسالة في إثبات الأنبياء والأوصياء في قبورهم (مخطوط) الورقة 8].
ونتيجة الحمل في جميع هذه الوجوه، أنَّ الصحيح في هذه المسألة هو بقاء الأبدان الشريفة للأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام) في الأرض وعدم رفعها إلى السماء. إمَّا لأنَّ المرفوع هو البدن المثاليّ، أو لأنَّ ما دلَّ على رفعها كان للتقية والتمويه لا أكثر؛ ولذلك ينحصر الدليل فيما دلَّ على البقاء فقط، لكونه المراد الجدِّيّ للمعصوم (عليه السلام). أو لكون الرفع حدث أوَّلاً ثمَّ العود والاستقرار في القبر الشريف، وعلى جميع التقادير تكون النتيجة لصالح البقاء في الأرض، كما هو واضحٌ وبيِّنٌ.
وقد يؤيَّد هذا القول أيضاً ـ أي البقاء في قبورهم ـ: ما ورد من أنَّ الله تعالى حرَّم عظامهم من أنْ تأكلها الأرض، وحرَّم لحومهم على الدود [يُنظر: من لا يحضره الفقيه ج1 ص191]، وكذلك بما ورد من أنَّ النبيَّ الأعظم وأمير المؤمنين أوَّل من تنشق الأرض عنهما [يُنظر: الخصال ص314]، وكذلك بما ورد في قصَّة نبش المتوكِّل (لعنه الله تعالى) لقبر الإمام الحسين (عليه السلام) ووجود بدنه الشريف والبارية التي لُفَّ فيها [الأمالي للطوسيّ ص326]، وكذلك ما ورد عن إمامنا الرضا (عليه السلام) حيث رفع جثمانه الطاهر إلى السماء ثمَّ أعيد إلى مكانه [يُنظر: عيون أخبار الرضا ج2 ص271]، وغيرها.
بقي شيءٌ:
تقدَّم في الطائفة الأولى المصرِّحة برفع الأجسام الشريفة أنَّ الرفع بعد ثلاثة أيامٍ، وفي بعضها أربعين يوماً، وقد يُقال في توجيه ذلك:إنَّه ناظرٌ إلى اختلاف المقامات والرُّتب، فإنَّ نبيَّنا الأعظم أشرف الأنبياء وأكملهم، كما أنَّ أهل البيت يتلونه بالفضل، ومن ثمَّ سائر الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام جميعاً).
قال السيِّد المقرَّم (طاب ثراه) في هذا المقام: (والاختلاف بينهما، إمَّا لبيان الغاية في القلَّة والكثرة أو للاختلاف في مراتبهم، وفي شرح الأربعين للمجلسيّ ص 76 جمعٌ آخر بين الخبرين، وهو أنَّ بعضهم يُرفع بعد الثلاثة وبعضهم بعد الأربعين) [مقتل الحسين ص131 الحاشية].
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ ما ورد في روايات الرفع شاملٌ للأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام)، وأنَّ الأرجح في هذه المسألة ـ بعد الجمع بينها ـ أنَّهم يُرفعون أوَّلاً ثمَّ يعودون إلى قبورهم الشريفة، والله العالم.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق