هل تأثر فقهاء الإمامية في تبويب الفقه بالتأليف السني؟

السؤال: هل تأثّر الإماميّة في التبويب بالتأليف السنيّ؟ فقد ورد في كتاب [المذاهب الإسلاميّة الخمسة ص184]: (وإذا رجعنا إلى تاريخ دخول التبويب القديم إلى مجال التأليف الإماميّ، فإنّنا سنرى أنَّه جاء عن طريق التأثّر بالتأليف الفقهيِّ السنيِّ).

:  الشيخ أمير الخزاعي

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

أمّا فيما يتعلّق بادّعاء تأثّر الفقه الشيعيِّ في تبويبه بالفقه السنيِّ، فإن أراد التبويبَ الفقهيَّ المرسومَ من الكتب الفقهيّة أي الطهارة إلى الديّات، فإنَّ الظاهر خلاف ذلك تماماً عند التتبّع في المصادر؛ إذ تكشف هذه المصادر عن وجود تبويبٍ فقهيٍّ شيعيٍّ سابقٍ زمنيّاً على نشوء المدارس الفقهيّة السنيّة، فأقدم مَنْ عُرف بتدوين الفقه وتقسيمه إلى أبوابٍ هو ابن أبي رافع، كاتب وصحابي أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو متقدّمٌ تاريخيّاً بفارقٍ كبيرٍ على أبي حنيفة، ومالك، والشافعيّ، وسائر من عُدّوا من أوائل المدوّنين في الفقه السنيِّ.

وقد صرّح النجاشيُّ في ترجمته بأنّه (جمع كتاباً في فنونٍ من الفقه: الوضوء، والصلاة، وسائر الأبواب)، وذكر بعد سرد بعض طرقه: (عن أمير المؤمنين (ع)، وذكر أبواب الكتاب) [رجال النجاشيِّ ص65]، وهذا ما يدلّ بوضوحٍ على حضور التبويب المنهجيِّ في الوسط الشيعيِّ منذ القرن الأوّل الهجريِّ، ويبيّن أنَّ أصل الكتابة في الفقه، فضلاً عن تبويبه، لا يمكن جعله من المنجزات التي انتقلت لاحقاً إلى الفقه الإماميِّ بل العكس تماماً.

كما تُظهر المصادر أنَّ التبويب كان راسخاً في آثار أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) بصورةٍ واسعةٍ، حيث نجد أمثلةً متعدّدةً لمصنّفاتٍ مبوّبةٍ في العبادات والمعاملات، فمن ذلك كتاب «الجامع» لظريف بن ناصح من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)، وقد اشتمل على جميع أبواب العبادات والمعاملات، وكذلك نجد غياث بن إبراهيم الأسديَّ – وهو من أصحاب الصادق والكاظم (عليهما السلام) -، ومحمد بن علي بن أبي شعبة – وهو من أصحاب الصادقَينِ (عليهما السلام)، وكلاهما ألّف كتباً فقهيّةً مبوّبةً، كما ألّف وهَيب بن حفص، وهو من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم (عليهما السلام)، كتاباً في «الشرائع» قائماً على التبويب.

ثمّ تتجلّى مرحلةٌ أكثر نضجاً في أعمال الحسين بن سعيد الأهوازيِّ، من أصحاب الرضا والجواد والهادي (عليهم السلام)، حيث صنّف ثلاثين كتاباً فقهيّاً، كلُّ كتابٍ منها يمثّل باباً من أبواب الفقه المعروفة، وهو التقسيم الذي سار عليه لاحقاً عليُّ بن مهزيار – وهو من أصحاب الرضا والجواد والهادي (عليهم السلام) أيضاً -، الذي بنى مؤلّفاته على النموذج نفسه [ينظر: الشيعة وفنون الإسلام ص243-248]، وهذا يدلّ على تشكّل بنيةٍ فقهيّةٍ متكاملةٍ ومستقرّةٍ داخل الوسط الإماميِّ.

ثمّ في مرحلةٍ متأخّرةٍ بعد عصر الحضور، نجد في التراث الشيعيِّ المتقدّم مؤلّفاتٍ كبرى ذات تبويبٍ واضحٍ ومنهجيٍّ، مثل «الفقه الرضويّ»، و«المقنع» و«الهداية» للشيخ الصدوق، و«المقنعة» للشيخ المفيد، فضلاً عن الموسوعة الفقهيّة الكبيرة لابن الجنيد، حيث اعتمدت جميعها تقسيم الفقه إلى كتبٍ وأبوابٍ ككتاب الطهارة والصلاة وغيرها إلى الديّات.

هذا كلّه إنْ أُريد به تبويب الكتب الفقهيّة من كتاب الطهارة إلى كتاب الديات، فقد اتّضح أنَّ للشيعة أقدميّةً ظاهرةً في هذا النمط من التبويب، وأنَّ هذا الأسلوب كان حاضراً في مصنّفاتهم منذ القرون الأولى، قبل تشكّل المدارس الفقهيّة السنيّة المعروفة.

وأمّا إن أُريد بالتبويب التقسيم الكليُّ للفقه إلى عباداتٍ ومعاملاتٍ، فإنَّ هذا المعنى أيضاً يتبيّن ثبوته في التراث الإمامي المبكّر من خلال ما تقدّم ذكره؛ إذ إنَّ هذا التقسيم هو بعينه تقسيم الكتب الفقهيّة نفسها حيث إنَّها تبدي من العبادات إلى المعاملات، غاية الأمر أنَّ التعبير الاصطلاحيَّ بلفظ «العبادات والمعاملات» لم يكن مصرّحاً به على نحوٍ لفظيٍّ، وإنْ كان مضمون التقسيم حاضراً بوضوحٍ في البناء الفقهيِّ.

ثمّ إنَّ هذا الترتيب نفسه لم يبقَ جامداً داخل الفقه الإماميِّ، بل شهد تطوّراتٍ لاحقةً، كما يظهر في صنيع سلار الديلميِّ حيث اعتبر الرسوم الشرعيّة تنقسم قسمين: عبادات ومعاملات، والمعاملات عقود وأحكام [ينظر: المراسم العلويّة ص28]، ثمّ طوّر هذا التقسيم المحقّقُ الحليُّ حين قسّم الفقه في كتابه «شرائع الإسلام» إلى أربعة أقسام: العبادات والعقود والإيقاعات والأحكام، وتأثّر به مَن جاء بعده، ممّا يدلّ على أنَّ التبويب كان أداةً قابلةً للتطوير والتعديل بحسب الحاجة العلميّة، وغرض الفقيه، ويؤيّد ذلك ما نقله الشيخ كاشف الغطاء: من أنَّ المصنّفات الفقهيّة على أنحاءٍ عشرة من حيث الترتيب و التبويب وغيرها.

ومن اللافت أنَّ هذا النمط الخاصَّ من التقسيم البنيويِّ للفقه لم يكن معروفاً عند فقهاء أهل السنة في تلك العصور المبكرة، وإنْ وُجِد عندهم على تقسيمٍ مشابهٍ فهو متأخّرٌ جداً، وهذا يكشف عن سبقٍ شيعيٍّ واضحٍ في هذا المجال أيضاً.

وبناءً على مجموع هذه الشواهد التاريخية، يتبيّن أنَّ تبويب الفقه في المدرسة الإمامية لم يكن نتيجة تأثّرٍ بالفقه السنيِّ، إن لم نقل بالعكس، بل كان أداةً تنظيمّيّةً داخليّةً نشأت منذ عصر الأئمة (عليهم السلام)، وتطوّرت تدريجيّاً استجابةً لحاجة تنظيم الروايات والأحكام.

وعليه، فإنَّ دعوى دخول التبويب إلى الفقه الإماميِّ عبر التأثّر بالفقه السنيِّ، كما جاء في كتاب «المذاهب الإسلاميّة الخمسة»، دعوى لا يعضدها الدليل التاريخيُّ، بل تصطدم بمعطياتٍ واضحةٍ تدلّ على السبق الزمنيِّ والاستقلال البنيويِّ للفقه الإماميِّ في هذا المجال.

وللمزيد من البحث ينظر: الشيعة وفنون الإسلام للسيد حسن الصدر ص243-253، أدوار علم الفقه وأطواره للشيخ عليِّ كاشف الغطاء، تاريخ الفقه الإسلاميِّ وأدواره للشيخ جعفر السبحانيِّ، مدخل إلى علم الفقه عند المسلمين الشيعة للشيخ عليِّ خازم، وغيرها.

وختاماً، لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ ما ورد في كتاب «المذاهب الإسلاميّة الخمسة» في بيان هويّة مذهب الإماميّة من حيث النشأة والأصول والمرتكزات، ليس دقيقاً في تمثيل مذهب الإماميّة؛ وذلك لأنَّه كُتب في أجواءٍ علميّةٍ غلبت عليها نزعة التقريب بين المذاهب الإسلاميّة، حيث سعى المؤلّف فيه إلى إبراز المشتركات والتقاطعات بين المدارس الفقهيّة، ومحاولة تصوير نوعٍ من التداخل العلميِّ والثقافيِّ بينها، وهذا السياق التقريبي انعكس بوضوحٍ على بعض أطروحاته، بحيث لا يمكن التسليم بصحّة كلِّ ما نقل فيه في هذا الإطار على نحوٍ مطلقٍ، حيث إنَّ الدافع التقريبي قد يؤدّي أحياناً إلى نوعٍ من المحاباة أو التساهل، ومن ذلك: دعوى تأثّر الفقه الإماميِّ بتبويب الفقه السنيِّ، فإنَّها أقرب إلى المجاملة التقريبيّة منها إلى الاستناد التاريخيِّ الدقيق.