«الكوفة لا يريدها جبار بسوء إلا قصمه الله»

السؤال: عن أحدهم (عليه السلام) أنَّه قال: «ما أراد بالكوفة جبّارُ سوءٍ إلاّ ابتلاه اللّهُ بشاغلٍ أو رماه بقاتلٍ» هل تحقق ذلك عبر التاريخ بحيث كانت الكوفة محصنةً من الفتن والكربات؟

:  الشيخ محمد باقر آل حيدر

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم أخي السائل أنَّ للكوفة مكانةً مهمةً في التاريخ، ولها منزلةٌ لدى أهلِ البيتِ (عليهمُ السلام)، فهي مقرُّ شيعتهم حيث روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «هذه مدينتنا ومحلّنا ومقرُّ شيعتنا» [بحار الأنوار ج57 ص210]، وأنَّ «أهل الكوفة جبهةُ الأنصارِ وسنامُ العربِ» [نهج البلاغة ج3 ص2]، ودعا لها إمامنا الصادقُ (عليه السلام) قائلاً: «الكوفة تربةٌ تحبّنا ونحبّها، اللهم ارمِ مَن رماها، وعادِ مَن عاداها» [بحار الأنوار ج57 ص210]، فمن الطبيعيِّ أن تكثر مصاعبُ هذه المدينةِ بكونها معدن الشيعةِ كما كثرت مصاعبُ أهلِ البيتِ (عليهمُ السلام) وشيعتهم أينما كانوا.

ففي الخبر أنَّ أميرَ المؤمنين (عليه السلام) خاطبها قائلاً: «كأنّي بكِ - يا كوفة - تمَدّين مدَّ الأديمِ العكاظيِّ، تعركين بالنوازلِ وتركبين بالزلازلِ، وإنّي أعلم أنَّه ما أراد بكِ جبّارُ سوءٍ إلا ابتلاه اللهُ بشاغلٍ ورماه بقاتلٍ» [نهج البلاغة ج1 ص97]، وفي نسخةٍ أخرى: «أو رماه بقاتلٍ» [شرح النهج ج3 ص197]. وروى قريبٌ منه ابنُ الفقيهِ الهمدانيُّ – وهو أقدم من الشريفِ الرضيِّ – في [البلدان ص201]، وروى مثله الزمخشريُّ في [ربيع الأبرار ج١ ص٢٥٢].

وقولُه (عليه السلام): «تمدين مدَّ الأديمِ العكاظيِّ»، كنايةٌ عن الحوادثِ الأليمةِ التي ستقع في هذه المدينةِ، كما صرّح به أكثرُ شرّاحِ النهجِ، ويشهد له: قوله: «تعركين بالنوازلِ وتركبين بالزلازلِ». فهذا تنبؤٌ منه (عليه السلام) لما سيكون على الكوفةِ من المصاعبِ والمتاعبِ والمآسي. ثمَّ قوله (عليه السلام): «وإنّي لأعلم أنَّه ما أراد بكِ جبّارٌ سوءاً..»، قد يُتصوّر منافاتُها للعبارة اللاحقةِ؛ إذ كيف تصيبها المصاعبُ والمتاعبُ، ومع ذلك لا يهمُّ بها جبّارٌ إلّا ابتلاه اللهُ بشاغلٍ وقاتلٍ؟

نقول: يحتمل أنْ يكون المعنى أحدَ أمرين، ولا إشكال في قبول أيٍّ منهما:

الأول: أن يكون قصده (عليه السلام) أنَّ الكوفةَ تصاب بابتلاءاتٍ شديدةٍ، لكن لا يصيبها الفجائعُ الكبيرةُ، أعني فجائعَ الإبادةِ، كما أصاب المدينةَ المنورةَ في وقعةِ الحرةِ، وغيرها.

والثاني: أنَّها تصيبها النوازلُ والابتلاءاتُ، لكن من يكون من الجبارين سبباً يبتليه اللهُ بشاغلٍ وقاتلٍ.

وقد وردت في ذلك أخبارٌ أخرى تفيد هذا المعنى:

منها: ما رواه الشيخُ الكلينيُّ بإسناده إلى حسانِ بنِ مهران، قال: سمعت أبا عبدِ اللهِ (ع) يقول: قال أميرُ المؤمنين (ع): «مكّة حرمُ الله، والمدينة حرمُ رسولِ اللهِ (ص)، والكوفة حرمي، لا يريدها جبّارٌ بحادثةٍ إلّا قصمه اللهُ» [الكافي ج4 ص563].

منها: ما رواه الشيخُ الصدوقُ بالإسناد إلى الإمام الرضا (ع)، عن آبائه (ع)، قال: «ذكر عليٌّ (ع) الكوفة فقال: يُدفَع البلاءُ عنها كما يُدفَع عن أخبيةِ النبيِّ (ص)» [عيون أخبار الرضا ج2 ص291].

منها: ما رواه الشيخُ الطوسيُّ بالإسناد إلى أمير المؤمنين (ع) -في حديثٍ طويلٍ -: أنَّ الخضر قال له: «إنَّكَ في مدرّةٍ لا يريدها جبّارٌ بسوءٍ إلّا قصمه اللهُ» [الأمالي ص51].

وقد روى المخالفون نحو ذلك عن حذيفةَ بنِ اليمانِ وسلمانَ الفارسيِّ [ينظر: الطبقات الكبرى ج8 ص129، مصنف ابن أبي شيبة ج18 ص178ـ179، وغيرها].

قال بعضُ الباحثين: (ولم يقتصر هذا المعنى على حذيفة، وإنَّما ذكره سلمان أيضاً (رض)، وهذا يدلُّ على أنَّ له حكم الرفع)، وذكر في الهامش: (تذكّر قول حذيفة: «قام فينا رسول الله (ص) مقاماً، فحدَّثنا بما هو كائن إلى قيام الساعة، فحفظه مَن حفظه، ونسيه مَن نسيه» أخرجه البخاريّ..) [العراق في أحاديث وآثار الفتن ج1 ص327].

وقد ذكر العلماءُ تحقّق هذه النبوءةِ، قال ابنُ أبي الحديدِ في هذا الشأن: (فأمّا ما همَّ به الملوكُ وأربابُ السلطانِ فيها – الكوفة -من السوء، ودفاع الله تعالى عنها، فكثيرٌ) [شرح نهج البلاغة ج3 ص198].

وممن دفعهم اللهُ عن هذه المدينةِ المقدسةِ:

1ـ زياد بن أبيه: حيث رُوي أنَّه لمّا حصب أهلُ الكوفةِ زياداً وهو يخطب، قطع أيدي ثمانين منهم، وهمّ أن يخرّب دورهم فجمعهم حتّى ملأ بهم المسجدَ والرحبةَ ليعرضهم على البراءة من عليٍّ (ع)، وعلم أنَّهم سيمتنعون فيحتجُّ بذلك على استئصالهم، وإخراب بلدهم. قال عبدُ الرحمنِ بنُ السائبِ الأنصاريُّ: فإنّي لمع نفرٍ من قومي والناسُ يومئذٍ في أمرٍ عظيمٍ إذ هوّمت تهويمةً، فرأيت شيئاً أقبل طويل العنقِ مثل عنقِ البعيرِ، أهدر أهدل، فقلت: ما أنت؟ قال: أنا النقّاد ذو الرقبةِ بعثت إلى صاحبِ هذا القصرِ. فانتبهت فزعاً، فقلت لأصحابي: هل رأيتم ما رأيت؟ قالوا: لا فأخبرتهم، وخرج علينا خارجٌ من القصرِ، فقال: انصرفوا فإنَّ الأميرَ يقول: إنّي عنكم اليوم مشغولٌ. وإذا الطاعون قد ضربه، فكان يقول: إنّي لأجد في جسدي حرَّ النارِ حتّى مات [شرح نهج البلاغة ج1 ص286، وينظر: مروج الذهب ج3 ص26، تاريخ اليعقوبي ج2 ص235]، وقيل: أصيب بالفالج [ينظر: المحاسن والمساوئ ص24].

2ـ يوسف بن عمر وهو ابن عمِّ الحجاجِ: حيث روي عن أبي مخنف: لمّا قتل يوسفُ بنُ عمر زيدَ بنَ عليٍّ أقبل حتّى دخل الكوفةَ، فصعد المنبرَ، فقال: يا أهل المدرةِ الخبيثةِ إنّي واللهِ ما تقرن بي الصعبةُ، ولا يقعقع لي بالشنانِ، ولا اخوّف بالذئبِ، هيهات حبيت بالساعد الأشدّ، أبشروا يا أهل الكوفةِ بالصّغارِ والهوانِ، لا عطاء لكم عندنا ولا رزقٌ، ولقد هممت أنْ أخرب بلادكم ودوركم وأحرمكم أموالكم، أم واللهِ ما علوت منبري إلاّ أسمعتكم ما تكرهون عليه، فإنَّكم أهل بغيٍ وخلافٍ، ما منكم إلاّ من حارب اللّهَ ورسوله إلاّ حكيمَ بنَ شريكٍ المحاربيَّ، ولقد سألت الخليفةَ أن يأذن لي فيكم، ولو أذن لقتلت مقاتلتكم، وسبيت ذراريكم [تاريخ الطبري ج5 ص507].

وقال أبو هاشم: بعث يزيدُ بنُ خالدٍ مولاه أبا الأسد، فدخل السجنَ، فضرب عنق يوسفَ بنِ عمر سنة سبعٍ وعشرين ومائة، وقيل: رموه قتيلاً، فشد الصبيانُ في رجله حبلاً، وجروه في أزقة دمشق [سير أعلام النبلاء ج5 ص443].

3ـ أبو جعفر المنصور الدوانيقيُّ: فإنَّه كاد يقع على الكوفةِ البلاءُ في أيام حكم الدوانيقيِّ العباسيِّ، لكن حكمة إمامنا الصادقِ (ع) حالت بينه وبين الكوفةِ، حيث روى ابنُ أبي الحديدِ: أنَّ الدوانيقيَّ قال لإمامنا الصادقِ (ع): إنّي قد هممتُ أنْ أبعث إلى الكوفة مَن ينقض منازلها، ويجمر نخلها [أي يقطعها]، ويستصفي أموالها، ويقتل أهل الريبة منها، فأشر عليَّ!

فقال (ع): «يا أمير المؤمنين، إنَّ المرء ليقتدي بسلفه، ولك أسلافٌ ثلاثة: سليمان أُعطي فشكر، وأيوب ابتُلِي فصبر، ويوسف قدر فغفر، فاقتدِ بأيِّهم شئتَ» فصمتَ قليلاً، ثم قال: قد غفرت [شرح نهج البلاغة ج3 ص198].

وقد ذكرت كتب التاريخِ غير هذه الأسماء، من أمثال: عبيد الله بن زياد، الحجاج بن يوسف، عمرو بن هبيرة، ابنه يوسف، خالد القسري، مصعب بن الزبير، يزيد بن المهلّب، وغيرهم [ينظر: شرح نهج البلاغة للبحراني ج2 ص124، منهاج البراعة ج4 ص266، تاريخ الكوفة ص71].

وهكذا بقيت الكوفة المشرّفةُ، يدفع اللهُ عنها، وينتقم ممّن أضرّ بها وبأهلها، وغير بعيدٍ زمن الطاغيةِ صدام، فكم أضرّ بها وبأهلها، وكم توعّدهم، وإذا بالكوفةِ باقيةٌ عامرةٌ بأهلها، وصار مَن هدّدها في عداد المنسيّين، أجارنا اللهُ وجميع المؤمنين في جميع أصقاع المعمورةِ.

ثم إنَّه لا يخفى أنَّ هذه القضية من الإخبارات الغيبيّةِ، ولابنِ أبي الحديدِ كلامٌ طويلٌ في إخبارِ أمير المؤمنين (ع) بالمغيّباتِ، قال في مطلعه: (ولقد امتحنا إخباره فوجدناه موافقاً، فاستدللنا بذلك على صدقِ الدعوى المذكورةِ، كإخباره عن الضربةِ التي يضرب بها في رأسه فتخضب لحيته، وإخباره عن قتل الحسين ابنه (ع)، وما قاله في كربلاء حيث مرّ بها، وإخباره بملك معاوية الأمر من بعده...). وساق أكثر من عشرين مورداً، ثم قال: (وكم له من الأخبار عن الغيوبِ الجاريةِ هذا المجرى، ممّا لو أردنا استقصاءه لكسرنا له كراريس كثيرةً، وكتب السيرِ تشتمل عليها مشروحةً) [شرح النهج ج7 ص48ـ50].

والحمد لله رب العالمين، ودمتم في رعايةِ اللهِ سالمين.