هل تتعارض آية التحريم مع عصمة النبي (ص)؟

السؤال: كيف نجمع بين الآيتين التاليتين: ﴿وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحيٌ يوحى﴾ التي تُفهم بأنَّها تثبت أنَّ كلام النبيّ ص وفعله وحيٌ من الله، وقوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الذي يتضمّن عتاباً للنبيّ على تصرّفٍ معينٍ؟ فلو كان كل ما يصدر عنه (ص) وحياً، فكيف يُعاتبه الله تعالى على هذا الفعل؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

يقوم هذا الإشكال على افتراض أنَّ قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1] يتضمن توبيخاً للنبيّ (ص) على فعلٍ خاطئٍ أو تصرّفٍ نابعٍ من الهوى، ومن هنا نشأ توهّم التعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: 3] التي تدلُّ على العصمة المطلقة للرسول (ص)، غير أنَّ هذا الفهم لا يصمد أمام التدقيق في سياق سورة التحريم ومجموع آياتها، إذ يتبيّن بوضوحٍ أنَّ الآية لا تأتي في مقام الإدانة، بل في مقام الدفاع عن النبيّ (ص)، ورفع الحرج عنه، وتصحيح وضعٍ وجد نفسه فيه نتيجة تضييق بعض زوجاته عليه، لا بسبب خطأٍ صدر منه ولا تصرّفٍ مخالفٍ لمقامه.

فالتحريم الوارد في الآية لا يعني أنَّ النبيَّ (ص) شرّع على نفسه حكماً في مقابل حكم الله، ولا أنَّه جعل الحلال حراماً، فهذا ما يستحيل تصوره، وإنَّما المقصود أنَّه امتنع عن أمرٍ مباحٍ، وألزم نفسه بتركه بالحلف، تحمّلاً منه على نفسه مراعاةً لبعض زوجاته، وهو سلوكٌ لا يُفهم إلا في ضوء ما عُرف عن النبيّ (ص) من سموّ الخلق وعلوّ المقام، وقد عبّر القرآن عن جهة هذا الفعل بقوله تعالى: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: 1]؛ ولهذا نجد أنَّ سياق الآيات التي جاءت بعد هذه الآية يكشف بوضوحٍ عن الجهة المسؤولة عمّا جرى، وهي أنَّ بعض زوجات النبيّ (ص) آذينه وضيّقن عليه، وحملنه على ما ليس لهن بحقٍّ. فجاء التدخل الإلهيّ لا لإقرار هذا الضغط عليه، بل لرفعه عنه ووضع حدٍّ له.

ومن هنا توجّه الخطاب الإلهيّ إليهن مباشرةً، وبلهجةٍ واضحةٍ وحاسمةٍ، فقال تعالى: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: 4]. فبيّن سبحانه أنَّ النبيَّ (ص) ليس وحده في هذا الموقف، بل الله هو مولاه وناصره، ومعه جبرائيل وصالح المؤمنين والملائكة جميعاً.

ثم صعّد الخطاب أكثر، ملوّحاً بعاقبة الاستمرار في هذا المسلك، فقال تعالى: ﴿عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: 5]. وكأنَّ الخطاب يقول له: لا تُلزِم نفسك بما لا نريده لك، فنحن أولى بك، وأعلم بمقامك، وأحكم في رعايتك. وبذلك يتضح أنَّ الآيات لا تحمل أيَّ توبيخٍ للنبيّ (ص)، بل تكشف أنَّ اللوم موجَّهٌ إلى من ضيّق عليه، وأنَّ الله تعالى تولّى الدفاع عنه ونصرته.

وبذلك يتضح أنَّ التحريم الوارد في الآية ليس تشريعاً ولا معصيةً، ولا خروجاً عن العصمة، بل هو موقفٌ إنسانيّ نبيلٌ تحمّل فيه النبيُّ (ص) الأذى مراعاةً للآخرين، فجاء الوحي ليمنع تثبيت هذا التنازل بوصفه مساراً دائماً، وليعيد الأمور إلى ميزانها العادل.

ومن هنا يتضح أنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ باقٍ على إطلاقه، دالٌّ على عصمة الرسول (ص) المطلقة، وأنَّ آية التحريم لا تناقضها لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ، بل تؤكد أنَّ النبيَّ حتى في تنازله عن حقه المباح كان واقعاً تحت رعاية الله ونصرته.