فضل الفرس في مصادر العامة
هل وردت رواياتٌ في كتب المخالفين عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) في مدح بلاد فارس؟
بسم الله الرحمن الرحيماعلم – أيّدك الله – أنَّ الوارد في مصادر العامَّة من أحاديث تضمّنت إشاراتٍ ذات دلالاتٍ تاريخيَّةٍ تتعلّق بمستقبل الإسلام وانتشاره بين الأمم والشعوب. ومن جملتها ما ورد في فضل الفرس وبلاد فارس، حيث ورد في كتب الحديث، رواياتٌ نبويَّةٌ تشيد بدور أبناء فارس في نصرة الدين وحمل معارفه، وما سيكون لهم من نصيبٍ في العلم والإيمان، وهو ما صدّقه الواقع التاريخيّ؛ إذ ظهر من أبناء فارس في القرون الإسلاميَّة المتعاقبة عددٌ كبيرٌ من أعلام الحديث والفقه والتفسير والكلام، والنحو والتأريخ وباقي العلوم الإسلاميَّة، حتَّى صار لهم حضورٌ بارزٌ في تشكيل البنية العلميَّة للحضارة الإسلاميَّة.ومن جملة ما رُوي في مصادر العامَّة في فضل أبناء فارس:
1ـ الفرس أهل دينٍ وإيمان:روى الشيخان البخاريّ ومسلمٌ عن أبي هريرة قال: «كنّا جلوساً عند النبيّ (ص) فأنزلت عليه سورة الجمعة: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} قال: قلت: مَن هم يا رسول الله؟ فلم يراجعه حتَّى سأل ثلاثاً، وفينا سلمان الفارسيّ، وضع رسول الله (ص) يده على سلمان، ثمَّ قال: لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجالٌ - أو رجلٌ - من هؤلاء» [صحيح البخاريّ ج6 ص151، صحيح مسلمٌ ج4 ص1972].وروى عبد الرزاق ومسلمٌ بالإسناد إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): «لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجلٌ من فارس - أو قال: من أبناء فارس - حتَّى يتناوله» [المصنّف ج10 ص139، صحيح مسلمٌ ج7 ص191].أقول: هذا الحديث فيه فضيلةٌ ظاهرةٌ لرجالٍ من فارس، حيث إنّه يدلّ على أنّ الدين والإيمان يذهب من الأرض ويرتفع إلى آفاقٍ غامضةٍ كالثريا، لا يناله إلَّا رجالٌ من أبناء فارس، وهو من دلائل النبوَّة حيث أخبر النبيّ (ص) عمّا سيكون، فوقع كما أخبر.
2ـ الفرس أهل علم:روى أحمد بن حنبل بالإسناد إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): «لو كان العلم بالثريا لتناوله أناسٌ من أبناء فارس» [مسند أحمد ج8 ص70].أقول: هذا الحديث يتضمّن بشارةً نبويَّةً بأنّ العلم لا ينقطع، وأنَّ الله يسخّر له مَن يقوم به ولو كان بعيد المنال في الوصول إليه في العلوّ كالثريا، لكن يناله أبناء فارس. كما أنّ الواقع يشهد بصدقه، حيث كان كثيرٌ من أئمَّة الحديث والفقه واللغة والتفسير - عند الشيعة والسنّة - من بلاد فارس.
3ـ يستبدل الله العرب بالفرس:روى ابن حبان والطبرانيّ بالإسناد إلى أبي هريرة، قال رسول الله (ص): هذه الآية: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم} [محمد: 38] ، فقالوا: يا رسول الله، مَن هؤلاء الذين إنْ تولّينا استُبدِل بنا قوماً غيرنا ثمّ لا يكونوا أمثالنا؟ فضرب رسول الله (ص) على فخذ سلمان الفارسيّ، ثمَّ قال: «هذا وقومه، لو كان الدين معلَّقاً بالثريا لناله رجالٌ من الفرس» [صحيح ابن حبان ج4 ص296، المعجم الأوسط ج8 ص449].أقول: إنَّ الآية والحديث يشيران بوضوحٍ إلى أهميَّة عدم تقاعس العرب عن نصرة الدين، والله سبحانه وتعالى غنيٌّ عن الجميع، وإذا تخلّوا عن حمل الرسالة، سيأتي الله بقومٍ آخرين من الفرس لديهم عزيمةٌ قويَّةٌ وهمّةٌ عاليةٌ لن يكونوا مثلهم، لِمَا لديهم من خصائص نفسيَّةٍ وذهنيَّةٍ مميّزةٍ وقدرةٍ على التحمّل.
4ـ الفرس عصبة أهل البيت (ع):روى أبو نعيمٍ الأصبهانيّ بالإسناد إلى عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله (ص)، وذكرت عنده فارس، فقال: «فارس عصبتنا أهل البيت» وقيل لسعيد بن جبير: ما يعني: عصبتنا أهل البيت؟ قال: هم ولد إسحاق، عمّ ولد إسماعيل [تاريخ أصبهان ج1 ص29].أقول: فسّر سعيد بن جبير الحديث بالقرابة النسبيَّة البعيدة، فإنّ إسماعيل جدّ العرب وإسحاق جدّ الفرس هما أخوان، وبما أنّ إسحاق هو عمّ ولد إسماعيل، فإن ذريته الفرس يُعتبرون عصبةً للنبيّ (ص) بكونهم أبناء عمومة الأنبياء.ويمكن أنْ يكون المراد هو النصرة والولاء، فإنّ هؤلاء القوم سيكونون هم الأعوان والناصرين والمتمسكين بنهج أهل البيت (عليهم السلام).
5ـ وثاقة الفرس عند النبيّ (ص):روى أبو نعيمٍ الأصبهانيّ بالإسناد إلى صالح بن مهران - مولى عمرو بن حريث -، قال: سمعتُ أبا هريرة يقول: «ذكرت الموالي أو الأعاجم عند رسول الله (ص)، فقال: والله لأنا أوثق بهم منكم - أو من بعضكم -» [تاريخ أصبهان ج1 ص29].أقول: هذا الحديث يدلّ على أنَّ النبيّ (ص) قد اطّلع بوحيٍ من الله على معدن الفرس، فأقسم بالله بكونه أشدّ طمأنينةً بهم، ولعلّ ذلك لثباتهم على الدين وحسن قيامهم به من بعض العرب، وهم سيكونون أرعى له وأحفظ لحدوده.
6ـ أهل خراسان رايات الحقّ:روى نعيم بن حمّاد والحاكم والبيهقيّ بالإسناد إلى ثوبان قال: «إذا رأيتم الرايات السود خرجت من قبل خراسان فأتوها ولو حبواً، فإنّ فيها خليفة الله المهديّ» [الفتن ص311، المستدرك ج4 ص547، دلائل النبوَّة ج6 ص516].أقول: هذا الحديث يدلّ على أنّ الإمام المهديّ (عليه السلام) يكون مؤيداً من الله ومنصوراً، بقومٍ من أبناء فارس، والحديث يشير إلى أنهم سيكونون العماد والظهير لنصرة المهديّ (ع) في آخر الزمان. وأمّا ذيل الحديث: «فإنّ فيها خليفة الله المهديّ»، فليس صحيحاً؛ فإنَّ الإمام (عج) يخرج من مكَّة المكرّمة.
7ـ تحرير القدس على يد أبناء فارس:روى نعيم بن حمّاد، وأحمد، والترمذيّ بالإسناد إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): «تخرج من خراسان راياتٌ سودٌ، لا يردّها شيءٌ حتَّى تنصب بإيلياء» يعني بيت المقدس [الفتن ص213، مسند أحمد ج8 ص416، سنن الترمذيّ ج4 ص531].أقول: إقليم خراسان واسعٌ يضم أجزاءً من إيران، وأفغانستان، وباكستان، وتركمانستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان. وراياتٌ سودٌ يرفعها هذا الجيش، وعبارة: «لا يردّها شيءٌ»: كنايةٌ عن قوَّة هذا الجيش وعزيمته، وأنه لا تستطيع أيُّ قوَّةٍ عسكريَّةٍ الوقوف في وجهه حتَّى يحرّر بيت المقدس.
8ـ الفرس أنصار المهديّ (عج):روى أحمد بن عثمٍ الكوفيّ، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «ويحاً للطالقان، فإنّ لله عزّ وجلّ بها كنوزاً ليست من ذهبٍ ولا فضّةٍ، ولكن بها رجالٌ مؤمنون عرفوا الله حقّ معرفته، وهم أيضاً من أنصار المهديّ في آخر الزمان» [الفتوح ج2 ص320].أقول: هذا الحديث فيه بشارةٌ وتشريفٌ لهذه البقعة (طالقان)؛ لِمَا سيخرج منها من أبطالٍ لديهم إيمانٌ راسخٌ ومعرفةٌ بالله حقّ معرفته، يُغيّرون مجرى التاريخ في آخر الزمان، فيوطّئون للمهديّ (ع).
والخلاصة: تدلّ هذه الروايات ـ كما ذكر غير واحدٍ من العلماء ـ على بشارةٍ نبويَّةٍ بظهور طائفةٍ من الفرس يبلغون منزلةً عاليةً في العلم والإيمان، وهو ما تحقّق تاريخياً؛ إذ ظهر من بلاد فارس عددٌ كبيرٌ من كبار علماء الإسلام، كما أنّها تتضمن بشاراتٍ بأنّه ستخرج منهم رايات الحقّ، وأنّهم سيكونون من أنصار الإمام المهديّ (عج) في آخر الزمان.
نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أوَّلاً وآخراً
اترك تعليق