هل سينقل الإمام المهدي (ع) القبلة إلى كربلاء؟

هل ثبت أنَّ الإمام المهديّ (عليه السلام) ينقل القبلة إلى كربلاء المقدَّسة عند ظهوره المبارك؟

: الشيخ نهاد الفياض

بسم الله الرحمن الرحيم

يُشير السائل إلى ما قاله بعض العلماء من احتمال تحويل القبلة المشرَّفة إلى كربلاء المقدَّسة عند الظهور المبارك، وهو الآتي:1ـ قال الشيخ محمَّد مهديّ: (قال الصدوق (قدِّس سرُّه) بعد هذا الحديث، توضيح: أجفل القوم اجفالاً، هربوا مسرعين. ثمَّ قال: أقول لا تعجب من أنْ يكون أصحاب القائم (عليه السلام) من المرتدّين بالكلام الذي يقوله القائم (عليه السلام) لأصحابه، فقد ارتدَّ أصحاب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بالكلام الذي ذكره يوم الغدير لأصحابه. قال جعفر بن محمَّد (عليه السلام): «ارتدَّ الناس بعد النبيّ إلَّا أربعة». ثمَّ قال: لعلَّ المراد بالكلام الذي يذكره القائم (عليه السلام) لأصحابه هو جعله كربلاء قبلة للناس) [بيان الأئمَّة ج3 ص182].2ـ وقال السيد عبد الأعلى السبزواريّ تعليقاً على حديث المفضَّل بن عمر عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) وفيه قوله: «قال المفضَّل: يا مولاي، كلُّ المؤمنين يكونون بالكوفة؟ قال: إي والله، لا يبقى مؤمنٌ إلَّا كان بها أو حواليها، وليبلغنَّ مجالة فرسٍ منها ألفي درهم، وليودنَّ أكثر الناس أنَّه اشترى شبراً من أرض السبع بشبرٍ من ذهب! والسبع خطَّةٌ من خطط همدان، وليصيرنَّ الكوفة أربعة وخمسين ميلاً، وليجاورنَّ قصورها كربلاء، وليصيِّرَنَّ الله كربلاء معقلاً ومقاماً تختلف فيه الملائكة والمؤمنون، وليكونَّنَّ لها شأنٌ من الشأن، وليكونَنَّ فيها من البركات ما لو وقف مؤمنٌ ودعا ربَّه بدعوةٍ لأعطاه الله بدعوته الواحدة مثل ملك الدنيا ألف مرَّة» [بحار الأنوار ج53 ص11].فعلَّق (طاب ثراه) على قوله «وليصيرنَّ الله كربلاء معقلاً ومقاماً» بما نصُّه: (أقول: سمعتُ من بعض المشايخ أنَّ كربلاء تجعل قبلةً في زمن خروج المهديّ) [التعليق على بحار الأنوار ج1 ص419].والظاهر أنَّ السيد السبزواريّ (قدِّس سرُّه) يُشير إلى ما تقدَّم في كتاب بيان الأئمَّة؛ ولذلك ينحصر هذا القول في كتاب (بيان الأئمَّة) وحده.

إذا اتضح هذا، فلنا بعض الوقفات، نذكرها في ضمن أمور:

الأمر الأوَّل: إنَّ هذا الكلام مجرَّد احتمالٍ لا شاهد عليه في الأخبار الشريفة، ومن المعلوم أنَّ هذا المقدار غير كافٍ في إثبات الحقائق الدينيَّة، خصوصاً في مثل مسألة تحويل القبلة إلى مكانٍ آخر، فإنَّ تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرَّفة كان بنصٍّ قرآنيٍّ صريحٍ؛ ولذلك فلا يُمكن بناء الحقائق على هكذا أمور، كما هو واضحٌ وبيِّنٌ في سوق أهل العلميَّة والمعرفة.على أنَّنا بمراجعة الحديث المشار إليه في كتاب الصدوق (طاب ثراه) لم نعثر على هذا الكلام أصلاً؟ [يُنظر: كمال الدين ص672]، وعلى كلِّ حال، فهذا الكلام لا يُمكن الالتزام به؛ لعدم وجود ما يدلُّ عليه أو يشهد له، كما هو واضحٌ.

الأمر الثاني: بعد أنْ استظهرنا أنَّ المصدر الوحيد لهذا الكلام هو كتاب (بيان الأئمَّة)، فلا بأس بالإشارة إلى أحوال هذا الكتاب بشكلٍ موجزٍ، ونكتفي بما حقَّقه العلَّامة السيد جعفر مرتضى العامليّ (طاب ثراه) في كتابه (بيان الأئمَّة وخبطة البيان في الميزان)، فإنَّه أحسن وأجاد.قال (قدِّس سرُّه): (أقول: إنّني لا أتّهم مؤلَّف كتاب بيان الأئمَّة بأنّه هو الذي وضع الأخبار ونسبها إلى المعصومين (عليهم السلام)، بل أقول: إنَّه قد يكون قد أخذ من الكذَّابين والوضَّاعين بحسن نيةٍ، وسلامة طويّةٍ، غافلاً عن حقيقة دينهم، فأودع كتابه بعض أباطيلهم. ولا أذيع سرَّاً إذا قلتُ: إنَّ بداية معرفتي بما يحتوي عليه ذلك الكتاب من إشكالاتٍِ ترجع إلى عدَّة سنوات خلت. وقد ذكرتُ هذا الأمر لأكثر من واحدٍ من أهل العلم والمعرفة، وعبَّرتُ لهم عن شعوري بضرورة التصدِّي لهذا النوع من المؤلَّفات بقوَّةٍ وحزمٍ؛ لما يمثّله التساهل في هذا الأمر من خطورةٍ ظاهرةٍ، إذا وجد الوضَّاعون أنفسهم في مأمنٍ وسلامٍ، وفي منأى عن العتاب والملام والحساب وحتَّى العقاب ولو بفضح أباطيلهم، وكشف زيفهم، حتَّى لا يغترَّ بترَّهاتهم الساذج والجاهل، ولا تنطلي حيلهم على العالم والعاقل) [بيان الأئمَّة وخطبة البيان في الميزان ص٩].

الأمر الثالث: لو تنازلنا عمَّا سبق وقلنا باعتباره وصحَّة الاحتجاج به، فهو مُعَارضٌ بما هو أقوى وأوضح، وهو قيام الدليل القطعيُّ على كون القبلة هي الكعبة المشرَّفة، ومع تحقق المعارضة يسقط عن الاعتبار، كما لا يخفى.بيان ذلك: أنَّ من المعلوم بالضرورة أنَّ قبلة المسلمين هي الكعبة المشرَّفة، وهذا أمرٌ ثابتٌ بنصّ القرآن الكريم، والسنَّة النبويَّة المطهَّرة، والسيرة العمليَّة المستمرة لجميع المسلمين، وفي طليعتهم أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، ومع هذا، فكيف يُمكن رفع اليد عنه لمجرَّد ما ذكره بعض العلماء؟قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 144].وروى الصدوق (طاب ثراه) عن المفضَّل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وفيه: «صلَّى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إلى البيت المقدس بعد النبوَّة ثلاث عشرة سنة بمكَّة، وتسعة عشر شهراً بالمدينة، ثمَّ عيَّرته اليهود فقالوا له: إنك تابعٌ لقبلتنا فاغتمَّ لذلك غماً شديداً، فلما كان في بعض الليل خرج (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يُقلِّب وجهه في آفاق السماء، فلما أصبح صلَّى الغداة، فلما صلَّى من الظهر ركعتين جاءه جبرئيل (عليه السلام) فقال له: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية، ثمَّ أخذ بيد النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) فحوَّل وجهه إلى الكعبة، وحوَّل من خلفه وجوههم حتَّى قام الرجال مقام النساء، والنساء مقام الرجال، فكان أوَّل صلاته إلى بيت المقدس وآخرها إلى الكعبة، وبلغ الخبر مسجداً بالمدينة وقد صلَّى أهله من العصر ركعتين، فحوَّلوا نحو الكعبة، فكانت أوَّل صلاتهم إلى بيت المقدس وآخرها إلى الكعبة، فسمِّي ذلك المسجد مسجد القبلتين ... الخبر» [الفقيه ج2 ص272 وما بعدها]. إلى غير ذلك من الأخبار.ومن خلال ما تقدَّم يتَّضح ضعف القول بتحويل القبلة المشرَّفة إلى كربلاء المقدَّسة في عصر الإمام المهديّ (عليه السلام)؛ لضعف أصله، كما تقدَّم.قال المرجع الدينيُّ الكبير الميرزا جواد التبريزيُّ (طاب ثراه) في جواب قول السائل: (هل صحيحٌ أنَّ الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه) عندما يظهر يحوِّل القبلة من بيت الله الحرام إلى قبر الإمام الحسين (عليه السلام)؟ فقال: لم يثبت ذلك، والله العالم) [صراط النجاة ج2 ص566].

والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنه لم يثبت ولم يصحّ تحويل القبلة المشرَّفة إلى كربلاء المقدَّسة عند الظهور المبارك.. والحمد لله ربِّ العالمين.