هل شتم أمير المؤمنين (ع) ابن الحنفية؟
لقد ثبت عندكم بسندٍ صحيحٍ أو معتبرٍ أنَّ الإمام علياً قد شتم نجله ابن الحنفية، وذلك بقوله له: «يابن اللَّخناء!»؛ وذلك لجبنه وتلكُّؤه عن القتال، فما هو جوابكم عن ذلك؟
بسم الله الرحمن الرحيم
يُشير السائل إلى ما رواه عبد الله بن جعفر الحِمْيريّ في كتابه قرب الإسناد عن أبي عبد الله الصادق، عن أبيه (عليه السلام) قال: «إنَّ علياً كان يباشر القتال بنفسه، وأنه نادى ابنه محمَّد بن الحنفية يوم النهروان: قدِّم يا بني اللُّواء. فقدَّم، ثمَّ قال: قدِّم يا بني اللُّواء. فقدَّم، ثمَّ وقف، فقال له: قدِّم يا بني، فتكعكع الفتى. فقال: قدِّم يا بن اللَّخناء. ثمَّ جاء عليٌّ حتَّى أخذ منه اللواء فمشى به ما شاء الله ثمَّ أمسك، ثمَّ تقدَّم عليٌّ بين يديه فضرب قدماً» [قرب الإسناد ص٢٧].
إذا بان هذا، فلنا مع هذه الروايات عدَّة وقفاتٍ، نذكرها ضمن أمورٍ:
الأمر الأوَّل: لا يخفى أنَّ كتاب قرب الإسناد للحِمْيريّ قد وقع فيه اختلافٌ عند الأعلام، فمنهم من قبله، ومنهم من لم يعتمد عليه. وعليه، فإنَّ قبول الرواية الواردة فيه يبتني على بعض المباني الرجاليَّة، وليس أمراً متَّفقاً على صحَّته كما يصوِّره صاحب السؤال؛ لذلك ينبغي الالتفات إلى هذه الجهة، وعدم التسليم المطلق لما يطرحه أرباب الشكوك والشبهات، كما تبيَّن.
الأمر الثاني: أنَّ الثابت تاريخياً وقوع هذه الحادثة في معركة الجمل كما سيأتي في الأمر الثالث، في حين تدلُّ هذه الرواية على أنَّها وقعت في النهروان! كما يظهر من قوله (عليه السلام): «نادى ابنه محمَّد بن الحنفية يوم النهروان»، وهذا يجعلها مخالفةً للمعروف تاريخياً من وقوعها يوم الجمل، وبذلك لا يُمكن الاعتماد عليها أو التعويل عليها، لمخالفتها ما هو ثابتٌ عند أرباب التاريخ.
الأمر الثالث: إنَّ ما وصل إلينا من نقل المؤرِّخين لهذه الحادثة لا يتضمَّن هذا التعبير (يا ابن اللَّخناء)، وإنَّما وردت فيه تعابير أُخرى من قبيل (لا أمَّ لك) أو (أدركك عِرْقٌ من أمك) ونحو ذلك، مما يُشير إلى وجود خللٍ في هذه الرواية المذكورة في السؤال، وبالتالي عدم إمكان الأخذ بها، من ذلك:1ـ ما رواه ابن سعدٍ بسنده عن منذر الثوريّ قال: (سمعتُ محمَّد بن الحنفية يقول ـ وذكر يوم الجمل ـ قال: لما تصاففنا أعطاني عليٌّ الراية، فرأى مني نكوصاً لـمَّا دنا الناس بعضهم إلى بعض، فأخذها مني فقاتل بها. قال: فحملتُ يومئذٍ على رجلٍ من أهل البصرة، فلمَّا غشيته قال: أنا على دين أبي طالب، فلما عرفتُ الذي أراد كففتُ عنه ... الرواية) [الطبقات الكبرى ج7 ص94]. والرواية خاليةٌ من لفظة (اللَّخناء) تماماً.2ـ وروى الطبريّ بسنده عن زيد بن حساس، قال: (سمعتُ محمَّد بن الحنفية يقول: دفع إليَّ أبي الراية يوم الجمل، وقال: تقدَّم، فتقدَّمتُ حتَّى لم أجد متقدَّماً إلَّا على رمح، قال: تقدَّم لا أمَّ لك! فتكأكأتُ وقلت: لا أجد متقدَّماً إلَّا على سنان رمح، فتناول الراية من يدي متناولٌ لا أدري من هو، فنظرتُ فإذا أبي بين يدي ... الرواية) [تاريخ الطبريّ ج4 ص514]. والرواية تصرِّح بلفظ (لا أمَّ لك) وليس يابن اللَّخناء.3ـ وروى أبو نصر البخاريّ، وفيه: (قال أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الجمل: ادعوا لي ابني، فجاء الحسن (عليه السلام) فقال: ادعوا لي ابني، فجاء الحسين (عليه السلام) فقال: ادعوا لي ابني فجاء محمَّد ابن الحنفية (رضي الله عنه) فقال: هذا ابني، وهذان ابنا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فأعطاه الراية وقال: احمل فداك أبي وأمي، فحمل فكانت هزيمة أهل البصرة. وقيل: إنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال له: احمل فتربَّص حتَّى تنفذ سهام أهل البصرة، فقال له: احمل فتربَّص، فضربه بقائم السيف وقال: أدركك عِرْقٌ من أمك) [سر السلسلة العلوية ص81]. والرواية تصرِّح بلفظ (أدركك عِرْقٌ من أمك) وليس يابن اللَّخناء.4ـ وروى المسعوديّ، وفيه: (وقد كان أصحاب الجمل حملوا على ميمنة عليٍّ وميسرته فكشفوها ... إلى قوله: ثمَّ بعث إلى ولده محمَّد ابن الحنفية، وكان صاحب رايته: احمل على القوم، فأبطأ محمَّد بحملته، وكان بإزائه قومٌ من الرماة ينتظر نفاد سهامهم، فأتاه عليٌّ فقال هلَّا حملت، فقال: لا أجد متقدَّماً إلَّا على سهمٍ أو سنانٍ، وإنّي منتظر نفاد سهامهم وأحمل، فقال له: احمل بين الأسنة، فإنَّ للموت عليك جنةً، فحمل محمَّدٌ، فشكَّ بين الرماح والنشاب فوقف، فأتاه عليٌّ فضربه بقائم سيفه، وقال: أدركك عِرْقٌ من أمك) [مروج الذهب ج2 ص366].5ـ وروى أبو طالب المكِّيّ، وفيه: (...كما قال عليّ (عليه السلام) لابنه محمَّد بن الحنفية وقدَّمه أمامه يوم الجمل وجعل يقول له: أقدم أقدم ومحمَّد يتأخَّر وهو يركزه بقائم رمحه، فالتفتْ إليه محمَّد ابنه فقال: هذا والله الفتنة المظلمة العمياء، فوكزه عليٌّ برمحه، ثمَّ قال: تقدَّم لا أمَّ لك، أتكون فتنةً أبوك قائدها وسائقها) [قوت القلوب ج1 ص236، غرر الخصائص للوطواط ص419]. وأنت خبيرٌ بأنَّ هذه الجملة (هذا والله الفتنة المظلمة العمياء) تنافي أحوال ابن الحنفية، فلا تغفل.
الأمر الرابع: إنَّ كلمة (اللَّخناء) في اللغة العربية تُطلق على عدَّة معانٍ، فقيل: اللخن نتن الريح عامَّة. وقيل: نتنٌ يكون في أرفاغ الإنسان [يُنظر: لسان العرب ج13 ص383]، وقيل: قبح رائحة الفرج، فيقال امرأةٌ لخناء [يُنظر: المخصص لابن سيده ج1 ص66]، وقيل: اللَّخناء للمرأة التي لم تختن [يُنظر: مجمل اللغة لابن فارس ص805]؛ ولذلك فلابدَّ من حملها على واحدٍ من المعاني المقبولة التي لا تتنافى مع مقام العصمة الثابت بالقطع واليقين، كما هو واضحٌ.قال السيد محمَّد صادق الروحانيّ (طاب ثراه) في جواب سؤالٍ عن هذه الرواية: (باسمه جلَّت أسماؤه: تُذكر لكلمة اللَّخناء في اللغة عدَّة معانٍ، وبعضها غير مناسبٍ لا يُمكن صدوره من أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبما أنَّ أحد المعاني هو المرأة التي لم تُختن، وهي أقوى أنثويةً من غيرها، فمن المحتمل أنَّه (عليه السلام) أراد هذا المعنى ليكنِّي به عن غلبة أنثويَّة أمِّه في التأثير عليه من شجاعة أبيه، وتشهد لذلك عبارة: «فتكعكع الفتى») [أجوبة المسائل ج1 ص266].
والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك، أنَّ مضمون الرواية مخالفٌ لما ثبت في كتب التاريخ من كون الحادثة في معركة الجمل، ومع الغضِّ عن ذلك كلِّه فلابدَّ من حملها على المعنى المقبول، تنزيهاً لساحة المعصوم (عليه السلام)، كما هو واضحٌ في عقيدة الإمامية.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق