هل سينقل الإمام المهدي (ع) القبلة إلى الكوفة؟
هل ثبت أنَّ الإمام المهديّ (عليه السلام) ينقل القبلة إلى الكوفة عند ظهوره المبارك؟
بسم الله الرحمن الرحيم
من المعلوم بالضرورة أنَّ قبلة المسلمين هي الكعبة المشرَّفة، وهذا أمرٌ ثابتٌ بنص القرآن الكريم، والسنَّة النبويَّة المطهَّرة، والسيرة العمليّة المستمرّة لجميع المسلمين، وفي طليعتهم أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، كما هو واضحٌ.قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 144].وروى الصدوق (طاب ثراه) عن المفضَّل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وفيه: «صلَّى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إلى البيت المقدس بعد النبوَّة ثلاث عشرة سنة بمكَّة، وتسعة عشر شهراً بالمدينة، ثمَّ عيَّرته اليهود فقالوا له: إنَّك تابعٌ لقبلتنا فاغتمَّ لذلك غمَّاً شديداً، فلما كان في بعض الليل خرج (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يُقلِّب وجهه في آفاق السماء، فلما أصبح صلَّى الغداة، فلما صلَّى من الظهر ركعتين جاءه جبرئيل (عليه السلام) فقال له: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية، ثمَّ أخذ بيد النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) فحوَّل وجهه إلى الكعبة، وحوَّل من خلفه وجوههم حتَّى قام الرجال مقام النساء والنساء مقام الرجال، فكان أوَّل صلاته إلى بيت المقدس وآخرها إلى الكعبة، وبلغ الخبر مسجداً بالمدينة وقد صلَّى أهله من العصر ركعتين، فحوَّلوا نحو الكعبة، فكانت أوَّل صلاتهم إلى بيت المقدس وآخرها إلى الكعبة، فسمِّي ذلك المسجد مسجد القبلتين ...الخبر» [من لا يحضره الفقيه ج2 ص272]. إلى غير ذلك من الأخبار.
إذا اتضح هذا فنقول: لا شكّ ولا ريب في أنَّ صاحب الأمر (عليه السلام) سيدخل الكوفة بعد ظهوره المبارك، وتشهد تلك البقعة أحداثاً كبيرةً في عصر دولته، حتَّى تُتَّخذ داراً لحكومته، ويُبنى له في ظهرها مسجدٌ عظيمٌ، إلى غير ذلك مما ورد في الأخبار الشريفة في عصر الظهور.ومع هذا كلِّه، فلا يوجد دليلٌ مُعتبرٌ يدلُّ على تحويل القبلة المعظمَّة إلى الكوفة في زمانه الشريف، ومن ثمَّ فلا يصحُّ القول بتحويل القبلة إليها أو الالتزام به؛ لعدم قيام الحجَّة عليه، كما هو بيِّنٌ وواضحٌ.
نعم، تمسَّك بعض الجهلة بما رواه الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بسنده إلى الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وفيه: «بينا نحن ذات يوم حول أمير المؤمنين (عليه السلام) في مسجد الكوفة، إذْ قال: يا أهل الكوفة، لقد حباكم الله (عزَّ وجلَّ) بما لم يحب به أحداً، ففضَّل مصلَّاكم، وهو بيت آدم، وبيت نوح، وبيت إدريس، ومصلَّى إبراهيم الخليل، ومصلَّى أخي الخضر (عليه السلام)، ومصلَّاي. وإنَّ مسجدكم هذا أحد الأربعة مساجد التي اختارها الله (عزَّ وجلَّ) لأهلها ... ولا تذهب الأيام حتَّى يُنصب الحجر الأسود فيه، وليأتين عليه زمانٌ يكون مصلَّى المهديّ من ولدي، ومصلَّى كلِّ مؤمنٍ، ولا يبقى على الأرض مؤمنٌ إلَّا كان به أو حنَّ قلبه إليه، فلا تهجروه، وتقرَّبوا إلى الله (عزَّ وجلَّ) بالصلاة فيه، وارغبوا إليه في قضاء حوائجكم، فلو يعلم الناس ما فيه من البركة، لأتوه من أقطار الأرض ولو حبواً على الثلج» [الأمالي ص298، من لا يحضره الفقيه ج1 ص231].قال الكاتب المجهول حسين الموسويّ: (لقد كان ظننا أنَّ القائم سيُعيد المسجد الحرام بعد هدمه إلى ما كان عليه زمن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) وقبل التوسعة، ولكن تبيَّن لي فيما بعد أنَّ المراد من قوله «يُرجعه إلى أساسه» أي يهدمه ويسويه بالأرض؛ لأنَّ قبلة الصلاة ستتحول إلى الكوفة. روى الفيض الكاشانيّ: «يا أهل الكوفة، لقد حباكم الله (عزَّ وجلَّ) بما لم يحب أحد من فضل، مصلَّاكم بيت آدم، وبيت نوح، وبيت إدريس، ومصلَّى إبراهيم ... ولا تذهب الأيام حتَّى يُنصب الحجر الأسود فيه»... إذن: نقل الحجر الأسود من مكَّة إلى الكوفة، وجعل الكوفة مصلَّى بيت آدم ونوح وإدريس وإبراهيم دليلٌ على اتّخاذ الكوفة قبلةً للصلاة بعد هدم المسجد الحرام؛ إذْ بعد هذا لا معنى لإرجاعه إلى ما كان عليه قبل التوسعة، ولا تبقى له فائدةٌ، فلابدَّ له من الإزالة والهدم ـ حسبما ورد في الروايات ـ وتكون القبلة والحجر الأسود في الكوفة) [كتاب: لله ثمَّ للتاريخ ص109].
وقد كفانا مؤونة الردّ على هذا الوهم العلَّامة علي آل محسن (حفظه الله)، حيث قال: (وأمَّا ما قاله الكاتب: من أنَّ الإمام المهديّ (عليه السلام) سيهدم المسجد الحرام، ولن يعيد بناءه؛ لأنَّه سيحوِّل القبلة إلى مسجد الكوفة. فهذا من الأباطيل الواهية التي نتعجَّب صدورها من عاقل!! ولا سيما أنَّ الحديث الذي احتجَّ به على ذلك لا يدلُّ على ما قاله، فإنَّ وضع الحجر الأسود في مسجد الكوفة لا يعني صيرورته قبلةً للناس؛ وذلك لأنَّ الكعبة المشرَّفة تبقى قبلةً للمسلمين حتَّى لو أزيل منها الحجر الأسود. ثمَّ إنَّ الحديث لم ينصّ على أنَّ من يُنصِّب الحجر الأسود فيه هو الإمام المهديّ (عليه السلام)، ولا دلالة فيه على أنَّ مسجد الكوفة بعد نصب الحجر فيه يصير قبلةً للناس. ولعلَّ إخبار الإمام (عليه السلام) بنصب الحجر الأسود فيه، إنَّما كان للتدليل على أهميّته وعظم مكانته عند الناس، لا من أجل بيان مشروعيّة هذا الفعل ومحبوبيّته. ونضيف إلى هذا كلِّه: أنَّ هذه الرواية ضعيفة السند، فإنَّ الشيخ الصدوق رواها بسنده إلى الأصبغ بن نباتة، وطريق الصدوق إلى الأصبغ بن نباتة ضعيفٌ) [كتاب: لله وللحقيقة ص612].هذا، وقد احتمل العلَّامة المجلسيّ (طاب ثراه) أنَّ نصب الحجر الأسود في مسجد الكوفة كان في عصر القرامطة، إذْ قال: (بيان: نصب الحجر الأسود فيه كان في زمن القرامطة، حيث خرَّبوا الكعبة ونقلوا الحجر إلى مسجد الكوفة ثمَّ ردُّوه إلى موضعه، ونصبه القائم (عليه السلام) بحيث لم يعرفه الناس) [بحار الأنوار ج97 ص390]. ومن خلال هذا يتَّضح بطلان القول بتحويل القبلة المشرَّفة إلى الكوفة في عصر الإمام المهديّ (عليه السلام).
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنّه لم يثبت ولم يصح تحويل القبلة المشرَّفة إلى الكوفة عند الظهور المبارك.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق