تاريخ السجود على التربة الحسينية

متى بدأ الشيعة بالسجود على التربة الحسينيَّة، فهل صحيح أنَّ ذلك كان بداية الدولة الصفوية وأنَّ بعض العلماء ألَّف بتحريم الصلاة عليها؟ فقد ورد في هامش مقدِّمة كتاب السرائر لابن إدريس ما نصُّه: (الكاتب إبراهيم بن محمَّد، متولِّد وساكن في النجف الأشرف، وجدُّه إبراهيم القطيفيُّ النجفيُّ. والظاهر أنه هو الشيخ إبراهيم القطيفيُّ الذي كان يمنع من السجود على التربة المطبوخة، فردَّه معاصره الشيخ علي الكركيّ برسالة ذكرها المولى عبد الله الأصفهانيّ في «رياض العلماء»، ونقلها عنه آقا بزرك الطهرانيّ في الذريعة «12: 148 برقم 997، فرغ من الرسالة سنة 933هـ» مما يكشف عن أنَّ السجود على التربة المطبوخة كأنَّها بدأت مع بداية الدولة الصفوية بعد «910هـ» فكانت مسألةً مستحدثةً يومئذٍ) [يُنظر: السرائر ج1 ص33].

: الشيخ نهاد الفياض

بسم الله الرحمن الرحيم

في البداية لابدَّ أنْ يعلم السائل بأنَّ السجود على التراب في الصلاة ليس أمراً يختصُّ به شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، بل هو حكمٌ يشترك فيه جميع المسلمين، إذِ الأصل فيه هو فعل النبي الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)، فقد كان يسجد على التراب في صلاته، وكذلك على الخُمْرة. ومن هنا فإنَّ هذه المسألة مستندةٌ إلى سنَّته الشريفة، وليس من مختصَّات طائفةٍ دون أُخرى، وسنذكر طرفاً من الروايات الدالَّة على ذلك.1ـ روى أحمد بسندٍ صحيحٍ إلى سفيان، عن الزهري، يبلغ به النبي (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) قال: «جُعلت لي الأرض ‌مسجداً ‌وطهوراً» [مسند أحمد ج12 ص207، تحقيق: شعيب الأرنؤوط].2ـ وروى البخاريّ بسنده الصحيح إلى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): «أعطيتُ خمساً، لم يعطهن أحدٌ من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأيما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلِّت لي الغنائم، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصَّةً، وبعثتُ إلى الناس كافَّةً، وأعطيت الشفاعة» [صحيح البخاريّ ج1 ص168]. إلى غيرهما من الأحاديث الصحيحة والصريحة في كون السجود على الأرض.بل صرَّح ابن تيمية في بعض كلماته بأنَّ السجود على (السجَّادة) لم يكن من سنَّة النبيِّ الأعظم ولا أصحابه، وإنما كانت سيرتهم على السجود على التراب، حيث قال: (أمَّا الصلاة على السجَّادة بحيث يتحرَّى المصلَّي ذلك فلم تكن هذه سنة السلف من المهاجرين والأنصار، ومن بعدهم من التابعين لهم بإحسان على عهد رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)، بل كانوا يصلُّون في مسجده على الأرض) [مجموع الفتاوى ج22 ص163].3ـ وروى البخاريّ ـ أيضاً ـ بسنده الصحيح إلى عبد الله بن شداد، عن ميمونة قالت: «كان رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) يصلِّي وأنا حذاءه، وأنا حائضٌ، وربَّما أصابني ثوبه إذا سجد. قالت: وكان يصلِّي على الخُمْرة» [صحيح البخاريّ ج1 ص149، ص 150].والخُمْرة ـ كما قال أبو عبيدة ـ (بضم الخاء، ‌سجَّادةٌ ‌من ‌سعف النخل على قدر ما يسجد عليه المصلِّي، سمِّيت بذلك؛ لأنَّ خيوطها مستورةٌ بسعفها، فإنْ عَظُم بحيث يكفي لجسده كلّه في صلاةٍ أو اضطجاعٍ فهو حصيرٌ، وليس بخمرة) [يُنظر: سبل الهدى للصالحيّ ج8 ص104].قال ابن بطال: (لا خلاف بين فقهاء الأمصار في جواز الصلاة ‌على ‌الخُمْرة إلَّا ما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يُؤتى بالتراب فيوضع ‌على ‌الخمرة فيسجد عليه. ولعلَّه كان يفعله على جهة المبالغة في التواضع والخشوع فلا يكون فيه مخالفةً للجماعة) [يُنظر: المنهل العذب للسبكي ج5 ص46].والمتحصَّل: أنَّ السجود على التراب ـ وكذا الخُمْرة ـ هو الموافق لهدي النبي الأعظم (ص) باتفاق جميع المسلمين، كما صار واضحاً.

إذا بان هذا واتضح، فلنعقد الكلام في أمرين:

الأمر الأوَّل: تاريخ السجود على التربة الحسينيَّة:اعلم بأنَّ السجود على التربة الحسينيَّة لم يبدأ في عصر الدولة الصفويَّة، وإنما كان في عصر أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، والدليل على ذلك الروايات الشريفة الواردة في الحثِّ على السجود عليها، نذكر بعضاً منها.1ـ روى الشيخ الصدوق (طاب ثراه) عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: «السجود على طين قبر الحسين (عليه السلام) يُنوِّر إلى الأرض السابعة، ومن كان معه سبحةٌ من طين قبر الحسين (عليه السلام) كتب مسبِّحاً وإنْ لم يسبِّح بها» [من لا يحضره الفقيه ج1 ص268].2ـ وروى الشيخ الطوسيّ (طاب ثراه) عن معاوية بن عمَّار قال: كان لأبي عبد الله (عليه السلام) خريطة ديباج صفراء، فيها تربة أبي عبد الله (عليه السلام) فكان إذا حضرته الصلاة صبَّه على سجَّادته وسجد عليه، ثمَّ قال (عليه السلام): «السجود على تربة أبي عبد الله (عليه السلام) يخرق الحجب السبع» [مصباح المتهجِّد ص733].3ـ وروى الشيخ الطبرسيّ (طاب ثراه) في مكاتبة محمَّد بن عبد الله الحِمْيريّ إلى صاحب الزمان (عليه السلام)، وفيها قوله: «وسأل عن السجدة على لوحٍ من طين القبر [أي قبر الإمام الحسين] وهل فيه فضل؟ فأجاب (عليه السلام): يجوز ذلك، وفيه الفضل» [الاحتجاج ج2 ص312].4ـ وروى الحسن بن محمَّد الديلميّ (طاب ثراه)، فقال: «كان الصادق (عليه السلام) لا يسجد إلَّا على ترابٍ من تربة الحسين (عليه السلام)، تذلُّلاً لله تعالى واستكانةً إليه) [إرشاد القلوب ج1 ص115].ومن خلال هذا يتَّضح أنَّ السجود على التربة الحسينيَّة أقدمُ من زمان الدولة الصفوية، كما هو واضحٌ.

الأمر الثاني: التربة الحسينيَّة المطبوخة:اعلم - أخي السائل - أنَّ التربة الحسينة تارةً تكون مطبوخةً بالنار (مفخورة)، وأُخرى تكون غير مطبوخةٍ، وقد اختلف الفقهاء في أنَّ التربة المطبوخة هل يصدق عليها ـ بعد الحرق ـ أنها من التراب أم أنها حقيقةٌ أُخرى؟ ذهب بعض الفقهاء إلى عدم صدق عنوان التراب حينئذٍ؛ ولذا منع من السجود عليها، لكون السجود في الصلاة مشروطاً بكونه على الأرض، كما بينا سابقاً، بينما يرى الآخرون أنها لا تخرج عن حقيقتها الترابية بعد الطبخ؛ ولذلك يصح السجود عليها.ومن خلال هذا يتَّضح أنَّ الخلاف ليس في السجود على التربة الحسينيَّة بما هي تربةٌ، وإنَّما الكلام والخلاف بعد الطبخ، فهل يبقى عنوان التراب صادقاً عليها، فيصحُّ السجود، أم أنه يزول وبالتالي لا يصح السجود.قال السيد أبو القاسم الخوئيّ (قدِّس سرُّه) - تعليقاً على ما قاله السيد اليزديّ (قدِّس سرُّه) -: (منع (قدِّس سرُّه) عن السجود على الخزف والآجر، وكذا النورة والجص المطبوخين دون غير المطبوخ. أمَّا الجواز في غير المطبوخ منهما فلا غبار عليه، فإنَّ أرض الجص وحجر النورة قسمٌ من الأحجار والأراضي، فلا فرق بينهما وبين غيرهما في اشتراك الجميع في صدق اسم الأرض، ومجرَّد الانتفاع الخاصّ منهما المفقود في غيرهما لا يوجب سلب العنوان ولا يخرجهما عن صدق اسم الأرض، فيشملهما الإطلاق، وهذا ظاهرٌ. وأمَّا هما بعد الطبخ، وكذا الخزف والآجر، فالظاهر أيضاً جواز السجود على الجميع، فإنَّ عروض الطبخ لا يستوجب الخروج عن صدق اسم الأرض، غايته أنَّه حجرٌ محترقٌ أو طينٌ محترقٌ قد تغيَّر بالعلاج بعض أوصافه، فهو كاللحم المطبوخ، فكما أنَّ الطبخ لا يغيِّر حقيقة اللحم ولا يوجب سلب الاسم، فكذا الطبخ العارض على هذه الأُمور. وبالجملة: فصدق عنوان الأرضية المأخوذ موضوعاً لجواز السجود على هذه الأُمور، وصدقه على غيرها كالتراب وسائر الأحجار كالصخر ونحوه على حدٍّ سواءٍ فيشمله الإطلاق، وعليه فجواز السجود عليها على طبق القاعدة) [المستند في شرح العروة الوثقى ج13 ص148].ومنه يتَّضح أنَّ الشيخ إبراهيم القطيفي الذي كان يمنع من السجود على التربة المطبوخة كان يرى أنَّ طبخ التربة يخرجها عن حقيقة الأرض، ومثله السيد اليزديّ (طاب ثراهما)؛ ولذلك منعا من السجود عليها.

والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ السجود على التربة الحسينيَّة كان في عصر الأئمَّة (عليهم السلام) وليس في زمن الدولة الصفوية. نعم، الخلاف في السجود على خصوص التربة (المطبوخة) ظهر متأخراً، إلَّا أنَّه لا يعني الخلاف في جواز السجود على التربة الحسينيَّة، كما أوضحنا.. والحمد لله ربِّ العالمين.