هل التسمية بـ«عبد العزى» و«عبد مناف» تدل على شرك آباء النبي (ص)؟

من أجل إثبات أحقيَّة ذرية السيدة فاطمة بالولاية، سعى الشيعة ـ على مرِّ تأريخهم ـ إلى محاولاتٍ بائسةٍ لإثبات أنَّ الإيمان والدين بالتوارث، لكي يطعنوا في أصحاب الرسول. وعلى حسب العقليَّة الشيعيَّة العجيبة لزم أنْ يكون والدُ النبيّ عبد الله مؤمناً من أهل الجنَّة قطعاً، وجدُّه عبد المطَّلب من المؤمنين قطعاً، وهنا يقع الشيعة في مطبٍّ يتجاهلونه، ويستغفلون أتباعهم فيه، وهو كيف يكون عبد المطَّلب مؤمناً ويسمِّي أبناءه: عبد العزَّى (وهو أبو لهب)، وعبد مناف (وهو أبو طالب)؟ وما قيل من أنَّ اسمه عمران فقد ضعَّفه المجلسيّ في [بحار الأنوار ج35 ص138]. هذا، والمعروف طبعاً أنَّ (العزَّى) و(مناف) من كبار أصنام الجاهليَّة. ويتكرر ذلك بعدها حين ننتقل في سلسلة النسب لنجد (عبد مناف بن قصيّ). وهكذا بالنسبة إلى أمِّ النبيّ، فهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة. فإنْ كان جدُّ نبيكم مؤمناً فكيف يسمِّي أبناءه عبد العزَّى وعبد مناف، هل يفعل هذا مؤمنٌ؟ وقد ذكر القرآن كفر آزر أبي إبراهيم (عليه السلام)، ومن قبله كفر ابن نبيّ الله نوحٍ (عليه السلام)، ليؤكِّد للناس أنَّ الإيمان لا علاقة له بالوراثة؟

: الشيخ نهاد الفياض

بسم الله الرحمن الرحيم

الملاحَظ في هذا السؤال أنه يركِّز على فكرةٍ أساسيَّةٍ، وهي أنَّ الشيعة تزعم بأنَّ آباء النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) وأجداده طاهرون، والحال أنَّا نجدهم يسمُّون أبناءَهم بعبد العزَّى وعبد منافٍ مما ينافي فكرة التوحيد، وكذلك قولهم في إيمان أبوي النبيّ الأعظم عبد الله وآمنة، ومثله في (آزر) والد النبيّ إبراهيم (عليه السلام)، ومن ثمَّ عرَّج على أمورٍ أُخرى أمثال: فكرة التوارث عند الشيعة، والطعن في أصحاب النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)، وللجواب عن كلِّ ذلك نتكلَّم في أمورٍ:

الأمر الأوَّل: التسمية بعبد العزَّى وعبد منافٍ:1ـ أمَّا عبد منافٍ: فلم يثبت بشكلٍ جازمٍ أنَّ اسمه مجاراةٌ لاسم ذلك الصنم، بل يُحتمل من الارتفاع والزيادة والشرف، كما في اللغة، ومع وجود هذا الاحتمال لا يُمكن الجزم بأنَّ المراد من كلمة (مناف) اسم ذلك الصنم، حتَّى يكون عبد منافٍ عبداً لذلك الصنم؛ إذْ مع ورود الاحتمال يبطل الاستدلال.قال أبو بكرٍ الأنباريّ: (وعبد مَناف: اسمه المغيرة، ومناف: مَفْعَل، ‌من: ‌أناف ‌ينيف إنافةً، إذا ارتفع وزاد. من ذلك قولهم: عندي مائةٌ ونيِّفٌ. يريدون بالنيِّف: الزيادة والارتفاع على المائة) [الزاهر ج2 ص123].وقال شهابُ الدين النويريّ: (مناف: مَفْعَل، من أناف ينيف إنافةً، إذا ارتفع. وقال المفضَّل: ‌الإنافة الإشراف والزيادة، وبه سمِّي عبد منافٍ، لطوله. ومنه تقول: مائةٌ ونيِّفٌ، أي شيءٌ زائدٌ على المائة) [نهاية الأرب ج16 ص31].

2ـ وأمَّا عبد العزَّى: فلم يثبت أيضاً أنَّه مجاراةٌ للصنم؛ لأنَّ (العزَّى) لغةً: إمَّا مؤنث الأعز وتكون بمعنى (العزيزة)، أو هي اسمٌ لأحد النجوم، ومع وجود هذا الاحتمال فكيف نجزم بأنه بمعنى الصنم فقط؟قال أبو عمروٍ الشيبانيّ الكوفيّ: (والعُزَّى: النجم الذي مع السِّماك) [كتاب الجيم ج2 ص297].وقال أبو نصرٍ الفارابيّ: (والعُزَّى: تأنيث الأعَزِّ. وقد يكون ‌الأعز ‌بمعنى ‌العزيز، والعُزَّى بمعنى العزيزة. وهو أيضاً اسم صنمٍ كان لقريشٍ وبني كنانة ... ويقال: العُزَّى سمرةٌ كانت لغطفان يعبدونها، وكانوا بنوا عليها بيتاً وأقاموا لها سدنةً) [الصحاح تاج اللغة ج3 ص886].

ولو تنازلنا عن هذا الاحتمال في الاسمين المذكورين، فنقول: بعد جزمنا بطهارة آباء النبيّ وإيمانهم ـ كما سيأتي ـ فلا يحتمل في حقِّ هؤلاء الأطهار أنْ يقصدوا من تسمية أبنائهم بـ(عبد مناف) و(عبد العزَّى) تلك الأصنام التي لم يسجدوا لها قطّ.فقد روى شيخنا الصدوق (طاب ثراه) بسنده إلى الأصبغ بن نباتة قال: سمعتُ أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) يقول: «والله ما عبد أبي، ولا جدِّي عبد المطَّلب، ولا هاشمٌ، ولا عبد منافٍ، صنماً قطّ، قيل له: فما كانوا يعبدون؟ قال: كانوا يصلُّون إلى البيت على دين إبراهيم (عليه السلام) متمسِّكين به» [كمال الدين ص174].والمتحصَّل: أنه لا يُمكن الجزم بأنَّ التسمية بـ(عبد مناف) و(عبد العزَّى) كانت ناظرةً إلى الأصنام، بل لا يُمكن ذلك بعد ثبوت إيمانهم بشكلٍ واضحٍ.

الأمر الثاني: آزر وآباء النبيّ (ص):وأمَّا مسألة آزر وآباء النبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، فقد أوضحنا في جوابٍ مفصَّلٍ تحت عنوان: (هل كان آزر والد إبراهيم؟) أنَّ آزر لم يكن الأب الحقيقيّ للنبيّ إبراهيم (عليه السلام)، بل كان عمَّه أو جدَّه لأمِّه، فليُراجع هناك. كما بيَّنا في جوابٍ مستقلٍّ بعنوان: (طهارة آباء النبيّ) ثبوت إيمان آباء نبينا الأعظم وطهارتهم. وعليه، فإنَّ ما حاول السائل أنْ يستند إليه في هذا المقام لا ينهض دليلاً، بعد البيان المتقدِّم في الجوابين المذكورين، فلا موجب لإعادته هنا.

الأمر الثالث: فكرة التوريث:وأمَّا فكرة التوريث، فلا يخفى على كلِّ منصفٍ طالع كتب ومصنَّفات الشيعة الإماميَّة (أعلى الله كلمتهم) أنَّهم لا يعتقدون بها، بل المدار عندهم هو النصُّ والتعيين الإلهيّ، كما هو قول الإماميَّة.قال الشيخ محمَّد رضا المظفَّر (طاب ثراه): (إنَّ الإمامة لا تكون إلَّا بالنصِّ من الله تعالى على لسان النبيّ، أو لسان الإمام الذي قبله. وليستْ هي بالاختيار والانتخاب من الناس، فليس لهم إذا شاءوا أنْ يُنصِّبوا أحداً نصَّبوه، وإذا شاءوا أنْ يُعيِّنوا إماماً لهم عيَّنوه، ومتى شاءوا أنْ يتركوا تعيينه تركوه) [عقائد الإماميَّة ص٦٦].وممَّا يشهد على بطلان فكرة التوريث أيضاً ما ذكره السائل من كفر ابن نوحٍ، وكذلك ما جاء في ذمِّ عبد الله الأفطح ابن الإمام الصادق (عليه السلام)، وجعفر الكذَّاب ابن الإمام الهادي، وأخي الإمام العسكريّ، وعمِّ الإمام الحجَّة (عليهم السلام)، وغيرهم من أبناء الأئمَّة وإخوتهم، كما لا يخفى.ثمَّ إنَّ أحقيَّة أبناء الزهراء (عليهم السلام) تابعٌ للدليل القطعيّ الدالّ على إمامتهم وعصمتهم، كما قلنا، وليس من أجل التوريث المزعوم، كما هو واضحٌ لمن كان من أهل الإِنصاف.

الأمر الرابع: الطعن في الصحابة:وأمَّا ما ادَّعاه من أننا نطعن في أصحاب النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، فذلك محض كذبٍ وافتراءٍ لا أساس له، فإننا نُجلُّ ونُعظِّم أصحاب النبيّ الأكرم الذين ثبتوا على الحقِّ، كسلمان المحمَّديّ، والمقداد، وأبي ذرٍ الغفاريّ، وعمّار بن ياسرٍ، وغيرهم كثيرٌ. نعم، نحن نبرأ من المنافقين منهم فحسب، ولا نعمِّم الحكم على الجميع. ولنا في ذلك مستنداتٌ واضحةٌ من القرآن الكريم، والسنَّة المطهَّرة.أمثال قوله تعالى: ﴿...وَمِنْ أَهْلِ الْمدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: 101]، ومن السنَّة الشريفة، قوله (صلَّى الله عليه وآله): «إنّي فرطكم على الحوض، من مرَّ عليَّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردنَّ عليَّ أقوامٌ أعرفهم ويعرفونني، ثمَّ يُحال بيني وبينهم». وزاد فيها: «فأقول: إنهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سُحقاً سُحقاً لمن غيَّر بعدي» [صحيح البخاريّ ج5 ص2406]، وغير ذلك.

والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنه لم يثبت كون المراد من عبد منافٍ وعبد العزَّى الأصنام المعروفة حتَّى يُعدُّ شركاً، على أنَّه لا يقاوم ما دلَّ على إيمانهم وطهارتهم من الكفر والرجس والدنس، كما لا يخفى.. والحمد لله ربِّ العالمين.