الأدلة على شهادة الزهراء (ع)

ما هي الأدلَّة الدالَّة على شهادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)؟

: الشيخ نهاد الفياض

بسم الله الرحمن الرحيم

ذكرنا في جوابٍ سابقٍ تحت عنوان «ما منَّا إلَّا مقتولٌ أو مسمومٌ» أنَّ المستفاد من جملةٍ من الروايات المعتبرة والمؤيَّدة بكلمات الأعلام: أنَّ النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) وسائر المعصومين (عليهم السلام) قد خرجوا من الدنيا بالقتل أو السُّم، ومنهم سيدتنا ومولاتنا الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام)، كما هو واضحٌ.هذا، وقد ورد في المصادر الكثيرة التصريح بشهادتها (عليها السلام) على وجه الخصوص، وهو على طوائف عدَّةٍ وألسنةٍ مختلفةٍ، نذكر جملةً منه فقط، رعايةً للاختصار، وخشية التطويل.

الطائفة الأولى: الروايات المصرِّحة بكونها شهيدةً:1ـ روى الكلينيُّ بسندٍ صحيحٍ عن عليِّ بن جعفرٍ، عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) قال: «إنَّ فاطمة (عليها السلام) صدِّيقةٌ شهيدةٌ» [الكافي ج1 ص458].2ـ وروى الشيخ المفيد في زيارة الزهراء (عليها السلام)، وفيه: «السلام عليكَ يا رسول الله، السلام على ابنتك الصدِّيقة الطاهرة، السلام عليكِ يا فاطمة بنت رسول الله، السلام عليكِ أيتها البتول الشهيدة» [المقنعة ص459].3ـ وروى شاذان بن جبرائيل القمِّيُّ بالإسناد عن ابن عبَّاسٍ، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال: «يا ابن عبَّاسٍ، هذه الصحيفة إملاء رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وخطِّي بيدي، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، اقرأها عليَّ، فقرأها وإذا فيها كلُّ شيءٍ منذ قبض رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إلى يوم قتل الحسين (عليه السلام). وكيف يقتل، ومن يقتله، ومن ينصره، ومن يستشهد معه فيها، ثمَّ بكى بكاءً شديداً وأبكاني، وكان فيما قرأه: كيف يصنع به، وكيف تستشهد فاطمة» [الفضائل ص 141].4ـ وروى صاحب منتخب البصائر بسندٍ معتبرٍ إلى المفضَّل بن عمر، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، وفيه: «فرفع سوطه وضربني به فكسر يدي، وعصر الباب على بطني، فأسقط مني ولدي المحسن، فصحتُ وا أبتاه، وا رسول الله، قد كذَّبوا ابنتك وضربوها بالسوط وأسقطوا منها ولدها المحسن... وبقيتْ مريضةً من ذلك الضرب حتَّى صارتْ شهيدةً منه» [يُنظر: الأنوار النعمانية ج2 ص54 ـ 61، بتصرُّفٍ].

الطائفة الثانية: الروايات المصرِّحة بكونها مقتولةً:1ـ روى التابعيُّ الثقة سُليم بن قيسٍ، عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وفيه: «ثمَّ أقبل على عليٍّ (عليه السلام) فقال: يا أخي، إنَّ قريشاً ستظاهر عليكم، وتجتمع كلمتهم على ظلمكَ وقهركَ... ثمَّ أقبل على ابنته فقال: إنكِ أوَّل من يلحقني من أهل بيتي، وأنتِ سيدة نساء أهل الجنة. وسترين بعدي ظلماً وغيظاً، حتَّى تُضربي ويكسر ضلعٌ من أضلاعك. لعن الله قاتلكِ» [كتاب سُليم ص427].2ـ وروى فرات بن إبراهيم الكوفيُّ عن جعفر بن محمَّدٍ الفزاريِّ معنعناً عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن جدِّه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وفيه: «يا فاطمة بنت محمَّدٍ، أما تحبين أنْ تأمرين غداً بأمرٍ فتطاعين في هذا الخلق عند الحساب... إلى قوله: فما ترين الله صانعاً بقاتل ولدك، وقاتليكِ) [تفسير فرات ص١٧١].3ـ وروى الشيخان ابن قولويه والمفيد بالإسناد عن عبد الله بن بكيرٍ الأرجانيِّ قال: «صحبت أبا عبد الله (عليه السلام) في طريق مكَّة من المدينة، فنزلنا منزلاً يقال له: عسفان، ثمَّ مررنا بجبلٍ أسود عن يسار الطريق موحشٍ، فقلت له: يا بن رسول الله، ما أوحش هذا الجبل، ما رأيت في الطريق مثل هذا؟ فقال لي: يا بن بكيرٍ، أتدري أي جبلٍ هذا؟ قلت: لا، قال: هذا جبلٌ يقال له الكمد، وهو على وادٍ من أودية جهنَّم، فيه قتلة أبي الحسين .... وقاتل فاطمة (عليها السلام)» [كامل الزيارات ص٥٣٩، الاختصاص ص٣٤٣].4ـ وروى شيخنا أبو جعفرٍ الصدوق بسنده عن النبيِّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال في حقِّ الزهراء (عليها السلام): «وإنّي لمّا رأيتُها ذكرتُ ما يُصنع بها بعدي، كأنَّي بها وقد دخل الذل بيتها، وانتُهكت حرمتها، وغصبت حقها، ومنعت إرثها، وكُسر جنبها، وأسقطت جنينها... فتقدُم عليَّ محزونةً مكروبةً، مغمومةً مغصوبةً مقتولةً» [الأمالي ص176].5ـ وروى أبو الفتح محمَّد بن عليٍّ الكراجكيُّ بسنده عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، وفيه قوله: «يا يونس، قال جدِّي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): ملعونٌ ملعونٌ مَن يظلم بعدي فاطمة ابنتي، ويغصبها حقَّها ويقتلها) [كنز الفوائد ص٦٣].

الطائفة الثالثة: الروايات الدالَّة على موتها من الضرب:1ـ روى شيخنا أبو القاسم جعفر بن قولويه القمِّيُّ بسنده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لما أُسري بالنبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) إلى السماء قيل له: إنَّ الله (تبارك وتعالى) يختبرك في ثلاثٍ... إلى قوله (عليه السلام): وأمَّا ابنتك، فتُظلم وتُحرم، ويؤخذ حقُّها غصباً الذي تجعله لها، وتُضرب وهي حاملٌ، ويدخل عليها وعلى حريمها ومنزلها بغير إذنٍ، ثمَّ يمسُّها هوانٌ وذلٌّ، ثمَّ لا تجد مانعاً، وتطرح ما في بطنها من الضرب، وتموت من ذلك الضرب» [كامل الزيارات ص548].2ـ وروى مقاتل بن عطية، وفيه أنَّ الثاني قال لمن حوله: «اضربوا فاطمة، فانهالت السياط على حبيبة رسول الله وبضعته، حتَّى أدموا جسمها، وبقيت آثار هذه العصرة القاسية والصدمة المريرة تنخر في جسم فاطمة، فأصبحتْ مريضةً عليلةً حزينةً حتَّى فارقت الحياة بعد أبيها بأيامٍ» [مؤتمر علماء بغداد ص50].

الطائفة الرابعة: الروايات الدالَّة على موتها من ضرب قنفذٍ:1ـ روى التابعيُّ الجليل سُليم بن قيسٍ، وفيه: «فلما رأى عليٌّ (عليه السلام) خذلان الناس إياه وتركهم نصرته واجتماع كلمتهم مع أبي بكرٍ وطاعتهم له وتعظيمهم إياه لزم بيته. فقال عمر لأبي بكرٍ: ما يمنعك أنْ تبعث إليه فيبايع ... وحالت بينهم وبينه فاطمة (عليها السلام) عند باب البيت، فضربها قنفذٌ الملعون بالسوط، فماتت حين ماتت وإنَّ في عضدها كمثل الدملج من ضربته» [كتاب سُليم ص148].2ـ وروى أيضاً، وفيه: «فقال العباس لعليٍّ (عليه السلام): ما ترى عمر منعه من أنْ يغرِّم قنفذاً كما أغرم جميع عماله؟ فنظر عليٌّ (عليه السلام) إلى من حوله، ثمَّ اغرورقت عيناه بالدموع، ثمَّ قال: شكر له ضربةً ضربها فاطمة (عليها السلام) بالسوط فماتت» [كتاب سُليم ص٢٢٤].3ـ وروى شيخنا أبو جعفرٍ الطبريُّ بسندٍ معتبرٍ عن مولانا أبي عبد الله جعفر بن محمَّدٍ (عليه السلام) قال: «ولدت فاطمة (عليها السلام) في جمادى الآخرة يوم العشرين منه .... إلى قوله (عليه السلام): وكان سببُ وفاتها أنَّ قنفذاً مولى عمر لكزها بنعل السيف بأمره، فأسقطتْ محسناً» [دلائل الإمامة ص134].

الطائفة الخامسة: الروايات الدالَّة على موتها من ضرب الثاني:روى شيخنا المفيد عن عبد الله بن سنانٍ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لما قبض رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وجلس أبو بكرٍ مجلسه، بعث إلى وكيل فاطمة (صلوات الله عليها) فأخرجه من فدك، فأتته فاطمة (عليها السلام)... فلقيها عمر فقال: يا بنت محمَّدٍ، ما هذا الكتاب الذي معك؟ فقالت: كتابٌ كتب لي أبو بكرٍ بردِّ فدك، فقال: هلميه إليَّ، فأبت أنْ تدفعه إليه، فرفسها برجله، وكانت حاملةً بابنٍ اسمه المحسن، فأسقطت المحسن من بطنها، ثمَّ لطمها، فكأني أنظر إلى قرطٍ في أذنها حين نقفت، ثمَّ أخذ الكتاب فخرَّقه، فمضت ومكثت خمسةً وسبعين يوماً مريضةً مما ضربها عمر، ثمَّ قُبضت» [الاختصاص ص١٨٣].

الطائفة السادسة: الروايات الدالَّة على موتها جرَّاء إسقاط المحسن:1ـ روى التابعيُّ الجليل سُليم بن قيسٍ، وفيه: «قال: قلت لسلمان: أدخلوا على فاطمة (عليها السلام) بغير إذنٍ؟ قال: إي والله... إلى قوله: وقد كان قنفذٌ (لعنه الله) ضرب فاطمة (عليها السلام) بالسوط حين حالت بينه وبين زوجها، وأرسل إليه عمر: إنْ حالت بينك وبينه فاطمة فاضربها. فألجأها قنفذٌ (لعنه الله) إلى عضادة باب بيتها، ودفعها فكسر ضلعها من جنبها، فألقت جنيناً من بطنها. فلم تزل صاحبة فراشٍ حتَّى ماتت» [كتاب سُليم ص١٥١].2ـ روى محمَّد بن جريرٍ الطبريُّ عن عمار بن ياسرٍ، قال: «سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول لعليٍّ (عليه السلام) يوم زوجه فاطمة (عليها السلام)... فلما قبض رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وجرى ما جرى يوم دخول القوم عليها دارها وإخراج ابن عمِّها أمير المؤمنين (عليه السلام) ضربوا الباب على بطنها، حتَّى أسقطت به ولداً تماماً، وكان أصل مرضها ذلك ووفاتها» [نوادر المعجزات ص٩٦].إلى غير ذلك من الروايات الدالَّة على مقتل الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) نتيجة هجوم القوم على دارها.

كلمات الأعلام:المعروف عند علماء الإماميَّة (أنار الله برهانهم) أنَّ الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) رحلتْ عن الدنيا شهيدةً مقتولةً، نذكر بعضاً منها:1ـ قال الشيخ محمَّد تقي المجلسيّ: (وشهادتها كانت من ضرب عمر الباب على بطنها عند إرادة أمير المؤمنين لبيعة أبي بكرٍ، وضرب قنفذٍ غلام عمر السوط عليها بإذنه، والحكاية مشهورةٌ عند العامَّة والخاصَّة) [روضة المتقين ج9 ص271].2ـ وقال العلَّامة الشيخ محمَّد باقر المجلسيّ تعليقاً على رواية الكافي المتقدِّمة: (إنَّ هذا الخبر يدلُّ على أنَّ فاطمة (صلوات الله عليها) كانت شهيدةً، وهو من المتواترات) [مرآة العقول ج4 ص415].3ـ وقال العلَّامة الشيخ محمَّد صالح المازندرانيُّ تعليقاً عليه أيضاً: (والشهيد من قتل من المسلمين في معركة القتال المأمور به شرعاً، ثمَّ اتسع فأُطلق على كلِّ من قتل منهم ظلماً، كفاطمة (عليها السلام)، إذْ قتلوها بضرب الباب على بطنها وهي حاملٌ، فسقط حملها فماتت لذلك) [شرح أصول الكافي ج7 ص213].4ـ وقال السيِّد حسن الصدر الكاظميّ: (وسببُ الوفاة عصرها بين الحائط والباب، حتَّى قتل حملها المحسن، فصارت صاحبة فراشٍ. ولما حضرها الأجل أوصتْ إلى زوجها أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام) بأنْ تدفن ليلاً، وأنْ لا يحضرا جنازتها، وأنْ لا يصلِّيا عليها، وماتت وهي ساخطةٌ عليهما) [الدرر الموسوية ص442]. إلى غيرها من كلمات الأعلام في هذا المجال، كما لا يخفى على المتتبع.

والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ شهادة الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) من المسلَّمات الواضحة عند الطائفة المحقَّة.. والحمد لله ربِّ العالمين.