هل أخبر موسى (ع) فرعون أن الله في السماوات؟
السؤال: في قوله تعالى {أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا}، لماذا اعتقد فرعون أنَّ الله في السماوات لو لم يخبره موسى بذلك؟
الجواب:
ذهب بعض السلفيَّة ممَّن يقولون بإثبات المكان لله تعالى إلى التمسُّك بظواهر بعض الآيات، ومن جملتها آيات قصَّة فرعون، فاستدلُّوا استدلالاً مفاده: أنَّ موسى (عليه السلام) أخبر فرعون بأنَّ الله في السماء؛ ولذلك بنى فرعون صرحاً عالياً وصعد عليه ليطَّلع إلى إله موسى ويثبت كذبه.
إلَّا أنَّ هذا الاستدلال واهٍ إلى حدٍّ لا يكاد يصمد أمام أدنى تأمُّلٍ، ويمكن النظر إلى الآية وتفسيرها من عدَّة جهاتٍ:
أوَّلاً: ما ذكره العلَّامة الطباطبائيّ: بأنَّ (صرح) هو البناء الظاهر المرتفع الذي لا يخفى على عين الناظر وإن بَعُد، وأمَّا (الأسباب) فهي جمع سببٍ، وهو ما يُتوصَّل به إلى ما يبعد عن الإنسان. فقوله: {لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ} تعليلٌ لأمره ببناء الصرح، أي إنَّما آمرك ببنائه رجاء أنْ أبلغ ـ بالصعود عليه ـ تلك الأسباب، ثمَّ فسَّر هذه الأسباب بقوله: {أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ}، وفرَّع عليها قوله: {فأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى}. وكأنَّ فرعون يقول: إنَّ الإله الذي يدعو إليه موسى ليس في الأرض، إذ لا إله فيها غيري ـ بزَعمه ـ فلعلَّه في السماء، فابنِ لي صرحاً لعلِّي أبلغ بالصعود عليه الأسباب السماويَّة، فأطَّلع من جهتها على إله موسى، وإنِّي لأظنُّه كاذباً.
وقد قيل أيضاً: إنَّ مراد فرعون لم يكن الصعود الحرفيَّ للاطلاع، بل أراد أنْ يُقيم بناءً أشبه بمرصدٍ فلكيّ، يرصد فيه الأوضاع السماويَّة، لعلَّه يعثر فيها على ما يستدلُّ به ـ زعماً ـ على وجود إله موسى، بعد يأسه من الظفر عليه بالوسائل الأرضيَّة، وهذا الاحتمال في نفسه حسنٌ من حيث التحليل، وإنْ كان لا يستقيم على شيءٍ من مذاهب الوثنيَّة المعروفة، ممَّا يرجِّح أنَّ هذا السلوك لم يكن إلَّا تمويهاً على الناس، أو جهلاً مركَّباً نابعاً من طغيان النفس، وليس ذلك ببعيدٍ عن حال الظالمين. [ينظر: تفسير الميزان ج17 ص331].
وثانياً: ما ذكره الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ بقوله: (ما الهدف الحقيقيُّ الذي كان فرعون يسعى إلى تحقيقه من خلال هذا العمل؟ هل يُعقل أنَّ فرعون بلغ من الغباء والسذاجة حدَّاً يعتقد معه أنَّ إله موسى موجودٌ فعلاً في مكانٍ من السماء، وأنَّه يمكن الوصول إليه ببناءٍ مهما بلغ ارتفاعه، وهو تافهٌ بالقياس إلى الجبال الشاهقة على سطح الأرض؟
إنَّ هذا الاحتمال ضعيفٌ جدَّاً؛ لأنَّ فرعون ـ على الرغم من غروره وتكبُّره ـ كان يتمتَّع بقدرٍ ملحوظٍ من الذكاء والدهاء السياسيّ، مكَّنه من السيطرة على شعبٍ كبيرٍ لسنين طويلةٍ، عبر القهر والقوَّة والخداع المنظَّم.
من هنا، يصبح لزاماً تحليل هذا التصرُّف الفرعونيّ للكشف عن دوافعه وأهدافه الحقيقيَّة، لا الوقوف عند ظاهره الساذج، وبالتأمُّل والتمحيص يمكن الوصول إلى أنَّ وراء هذا الفعل ثلاثة أهدافٍ رئيسةٍ:
الأوَّل: أنَّ فرعون أراد اختلاق قضيَّةٍ جانبيَّةٍ تُلهي الناس وتصرف أذهانهم عن القضيَّة الأساس، وهي نبوَّة موسى (عليه السلام) وحركة بني إسرائيل، فمشروع بناء صرحٍ عظيمٍ من شأنه أنْ يستأثر باهتمام الناس، ويهيمن على حديثهم اليوميّ، ويحوّل أنظارهم عن المواجهة الحقيقيَّة. وقد لاحظ بعض المفسِّرين أنَّ فرعون خصَّص لبناء الصرح مساحةً واسعةً، وسخَّر له عشرات الآلاف من العمَّال والبنَّائين، فضلاً عمَّن انشغلوا بتهيئة الموادّ والوسائل، وكلَّما ارتفع البناء ازداد تأثيره النفسيُّ في الناس، وأصبح حديث المجالس، في الوقت الذي كانت فيه قضيَّة انتصار موسى على السحرة ـ ولو مرحليَّاً ـ تتراجع في الوعي العام، رغم ما أحدثته من هزَّةٍ عنيفةٍ في أركان نظام فرعون.
الثاني: أنَّ فرعون استهدف من خلال هذا المشروع إشغال أكبر عددٍ ممكنٍ من الناس، ولا سيَّما العاطلين عن العمل، ليجدوا في هذا الانشغال عزاءً مؤقَّتاً عن مظالمه وجرائمه، وينشغلوا بمعاشهم عن التفكير في واقعه السياسيّ الفاسد. كما أنَّ تشغيل هذا العدد الضخم يؤدّي بطبيعته إلى ربط مصالحهم بخزانة فرعون وأمواله، ومن ثمَّ ربطهم بنظامه وسياساته.
الثالث: أنَّ فرعون كان يخطِّط، بعد اكتمال بناء الصرح، للصعود إلى أعلاه، والنظر إلى السماء، أو رمي سهمٍ نحوها، ثمَّ العودة إلى الناس، ليعلن ـ تمثيليَّاً ـ أنَّه لم يجد لإله موسى أثراً، وأنَّ الأمر قد انتهى، داعياً إيَّاهم إلى العودة إلى أعمالهم مطمئنِّين، أمَّا هو في قرارة نفسه، فكان يعلم أنَّه لو ارتقى أعلى الجبال لما رأى شيئاً يختلف عمَّا يراه وهو واقفٌ على الأرض، ولكنَّ المقصود كان صناعة مشهدٍ إعلاميّ يخدم غايته السياسيَّة.
وخلاصة الأمر أنَّ القرآن الكريم لخَّص هذه القضيَّة كلَّها في عباراتٍ موجزةٍ ذات دلالةٍ عميقةٍ، حين قال: {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ}؛ فبيَّن أوَّلاً أنَّ منشأ الانحراف هو تزيين العمل القبيح بسبب الغرور والطغيان، ثمَّ أشار إلى نتيجته، وهي الضلال عن طريق الحقّ، ثمَّ ختم ببيان مآل تلك المخطَّطات كلَّها، وهو الفشل والهلاك والخسران المبين [ينظر: تفسير الأمثل ج15 ص261].
وثالثاً: أنَّ قوله تعالى على لسان فرعون: {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} لا يرتبط بتكذيب موسى (عليه السلام) في خصوص إخباره عن كون الله تعالى في السماء -كما توهَّم -، بل المراد به تكذيب رسالته ونبوَّته أصلاً، وإنكار صدقه في دعواه الإخبار عن الله تعالى. وهذا المعنى صرَّح به غير واحدٍ من مفسِّري العامَّة أيضاً، كالفخر الرازيّ وابن كثيرٍ والقرطبيّ وغيرهم، حيث حملوا التكذيب على أصل الدعوى والرسالة، لا على توصيفٍ مكانيّ للذات الإلهيَّة. [ينظر: تفسير الرازيّ ج27 ص63، جامع الأحكام ج15 ص315، تفسير القرطبيّ ج4 ص86].
ورابعاً: لا نسلِّم أنَّ كلَّ ما نطق به فرعون في مقام الحديث عن صفات الله تعالى كان مستفاداً ممَّا سمعه من موسى (عليه السلام)، فإنَّ هذا الافتراض أعمُّ من محلّ الدعوى، ولا دليل عليه، ومجرَّد مغالطةٍ. بل من المحتمل جدَّاً ـ بل هو الأقرب إلى سياق الحال ـ أنَّ فرعون كان يحمل تصوُّراً سابقاً في شأن الإله، وربَّما كان على نحوٍ من اعتقاد المشبِّهة، يرى فيه أنَّ الإله ـ لو كان موجوداً ـ لكان في جهةٍ علويَّةٍ، أي في السماء؛ إذ لا يرى في الأرض غيره. وعلى هذا التقدير، فإنَّ إشارته إلى السماء لم تكن انعكاساً لكلام موسى (عليه السلام)، بل كانت تعبيراً عن تصوُّره الذاتيّ ومعتقده الخاصّ.
وعليه، فإنَّ الاستدلال بهذه الآية غير تامٍّ، لأنَّه مبنيٌّ على مقدِّمةٍ غير مسلَّمةٍ، وهي نسبة هذا الاعتقاد إلى موسى، مع أنَّه صادرٌ من فرعون نفسه، إمَّا تمويهاً على الناس، أو انسجاماً مع اعتقاده التشبيهيّ السائد في ذهنه، أو غيره من الأسباب التي ذكرناها.
اترك تعليق