النظام القبلي في الإسلام

السؤال: هل النظام القبليّ نظامٌ مقررٌ من قبل القرآن؟ ثم هل التشريع الإلهيّ جاء موافقاً لهذا النظام، أم مخالفاً له؟

:  الشيخ أمير الخزاعي

الجواب:

للإجابة عن هذا السؤال، لا بدَّ أوَّلاً من الالتفات إلى حقيقةٍ أساسيَّةٍ، وهي أنَّ الإسلام ليس فكرةً مجرَّدةً نزلت خارج الزمان والتاريخ، بل هو وحيٌ إلهيّ نزل في ظرفٍ تاريخيّ محدَّدٍ، له شروطه وبُناه الاجتماعيَّة والثقافيَّة الخاصَّة، ومن هنا فإنَّ أيَّ حدثٍ أو تشريعٍ لا يمكن فهمه فهماً صحيحاً إلَّا إذا دُرس في سياقه الزمانيّ والتاريخيّ الذي وقع فيه.

وفي الوقت نفسه، لا بدَّ من التأكيد، ثانياً، على أنَّ الإسلام بما هو دينٌ عالميّ، لم يُشرَّع لزمنٍ دون زمنٍ، ولا لعرفٍ دون عرفٍ، بل جاء بمنظومةٍ تشريعيَّةٍ عامَّةٍ صالحةٍ للاختلافات الزمانيَّة والمكانيَّة، الأمر الذي يقتضي أنْ تكون قوانينه قادرةً على التعامل مع الواقع القائم دون أنْ تكون أسيرةً له.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول إنَّ النظام القبليَّ كان آنذاك الإطار الاجتماعيَّ السائد، بل هو البنية الأساسيَّة التي كانت تقوم عليها العلاقات الاجتماعيَّة، من المحبَّة والتكافل، إلى الصراع والعنف، وسائر شؤون الحياة، وقد نزل الإسلام في مجتمعٍ تحكمه هذه البنية القبليَّة، فتعامل معها بوصفها واقعاً بشريّاً قائماً في تلك المرحلة التاريخيَّة.

غير أنَّ هذا الإقرار لم يكن إقراراً مطلقاً ولا قبولاً غير مشروطٍ؛ فالإسلام، بما يمتلكه من إطارٍ تشريعيّ عامٍ وقيمٍ عليا ومقرَّراتٍ خاصَّةٍ، لم يجعل من النظام القبليّ مرجعيَّةً حاكمةً عليه، بل أخضعه لمعاييره الخاصَّة، فمن جهةٍ، خالف الإسلام جوهر النظام القبليّ في معيار التفاضل؛ إذ لم يجعل القرابة، ولا الانتماء العشائريّ، ولا القرب من الشيخ أساساً للكرامة والفضل، بل قرَّر مبدأً جديدًا يتجاوز العصبيَّات، وهو التقوى، كما في قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، وهو مبدأٌ يتعارض بوضوحٍ مع الأسس القيميَّة التي كان يقوم عليها النظام القبليّ آنذاك.

ومن جهةٍ أخرى، أيَّد الإسلام بعض العناصر الإيجابيَّة التي كان يتضمَّنها هذا النظام، كصلة الرحم، وروح التكافل الاجتماعيّ، وتحمُّل أفراد الجماعة لمسؤوليَّة بعضهم بعضاً؛ لما لهذه القيم من دورٍ في حفظ التماسك الاجتماعيّ، وتطوير المجتمع واستقراره، وبذلك لم يكن موقف الإسلام من النظام القبليّ موقف قبولٍ أو رفضٍ مطلقٍ، بل موقف تقويمٍ وانتقاءٍ، يرفض ما يتعارض مع مبادئه، ويقرَّ ما ينسجم مع مقاصده، قال السيّد المدرسيّ في هذا المقام ما هذا نصُّه: (إنَّ النظام القبليّ إطارٌ للمجتمع البشريّ، وهو بذاته ليس مضراً، إنَّما القوانين والأعراف التي فيه - والتي تعكس روحه ووجهته - هي التي قد تفسد وتفسد) [من هدي القرآن ج9 ص205].

وعليه، فإنَّ الجواب عن سؤال: هل يوافق الإسلام النظام القبليَّ أم لا؟ لا يُمكن أنْ يكون بنعمٍ أو لا على نحو الإطلاق، بل المعيار الحقيقيّ هو مدى انسجام عناصر هذا النظام مع القوانين والقيم الإسلاميَّة، وهذا المنهج نفسه هو الذي اعتمده الإسلام في تعامله مع عادات العرب وتقاليدهم عموماً، فقبل منها ما كان منسجماً مع مقاصده، وطرح ما كان مخالفاً لها.

وأمَّا ما يتعلَّق بسؤال: هل جاء التشريع الإلهيّ موافقاً للنظام القبليّ أو مخالفاً له؟ فإنَّ الجواب يتَّضح في ضوء ما تقدَّم بيانه، فالإسلام، من حيث إنَّه نزل في ظرفٍ تاريخيّ معيَّنٍ، وفي مجتمعٍ تحكمه بنيةٌ اجتماعيَّةٌ خاصَّةٌ، قد راعى هذا الواقع القائم وتعامل معه بوصفه قالباً وإطاراً اجتماعيًّاً مفروضاً، لا بوصفه مضموناً تشريعيّاً ملزماً في ذاته، ومن هنا، لم يكن النظام القبليّ عند الإسلام أكثر من إطارٍ خارجيّ وظرفٍ تاريخيّ جرت فيه القوانين الإلهيَّة، لا أنَّه كان هو المقصود بالتشريع أو الغاية منه.

ذلك أنَّ المهمَّ في التشريع الإسلاميّ ليس القالب الاجتماعيَّ الذي تُطبَّق فيه الأحكام، بل ذات القوانين ومحتواها القيميّ والمعياريّ، فهذه القوانين قابلةٌ للجريان والسريان في قوالب اجتماعيَّةٍ متعدِّدةٍ، تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والمجتمعات، فما كان في جزيرة العرب يتجلَّى في صورة نظامٍ قبليّ، قد يتجلَّى في مجتمعٍ آخر في صورة نظامٍ ملكيّ، أو إقطاعيّ، أو مدنيّ، أو غير ذلك من الأشكال الاجتماعيَّة والتنظيميَّة، واختلاف القالب لا يمسُّ بجوهر التشريع ولا يغيّر من مضمونه.

وبذلك يتَّضح أنَّ النظام القبليَّ لم يكن سوى ظرفٍ تاريخيّ وقالبٍ اجتماعيّ احتضن تطبيق الأحكام الإلهيَّة في مرحلةٍ معيَّنةٍ، أمَّا المقصود بالتشريع فهو المحتوى والذات والمعايير، وهي معايير صالحةٌ للجريان في أيّ مجتمعٍ، وتحت أيّ شكلٍ من أشكال التنظيم الاجتماعيّ، ما دامت القوانين تحقّق مقاصدها وتنسجم مع تلك القيم العامَّة.