هل في قوله تعالى: {الآن خفف الله عنكم} إشكال؟
السؤال: ما معنى قوله تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}؟ فقد أشكل بعض الملحدين على هذه الآية بأنَّه: كيف يُنزِّل الله حكماً يُلزم به المسلمين ثم يكتشف ضعف المؤمنين ويغيِّره، (فشل استباق المعرفة)؟!
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
يمكن الجواب عن معنى هذه الآية المباركة، وتفنيد هذا الإشكال بوجهين، فنقول:
الوجه الأوَّل:
فقد ذهب المشهور إلى أنَّ قوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ…﴾[الأنفال: 65]، قد نُسخ بالآية التي تليها:﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ…﴾، حيث اعتبروا أنَّ الحكم الأوَّل -وهو وجوب ثبات الواحد أمام عشرة -قد رُفع وخُفِّف إلى نسبة الواحد أمام اثنين، وهذا هو الرأي المعروف بين كثيرٍ من المفسِّرين.
في المقابل، ذهب بعض المحقِّقين، ومنهم السيِّد الخوئيّ، إلى نفي النسخ في هذه الآية، وبيَّن أنَّ القول بالنسخ يتوقَّف على إثبات أمرين:
أوَّلهما: وجود فاصلةٍ زمنيَّةٍ بين نزول الآيتين.
والآخر: أنَّ الآية الثانية نزلت بعد دخول وقت العمل بالأولى.
وهو ما لا دليل عليه، بل إنَّ سياق الآيتين يشهد على أنَّهما نزلتا معاً، فيكون الحكم الأوَّل بياناً لمرتبةٍ أعلى من القدرة والكمال، بينما الحكم الثاني يعبِّر عن الحدِّ الأدنى الواجب، أي أنَّ الأوَّل استحبابيٌّ والثاني إلزاميٌّ، كما أنَّ القول بأنَّ الضعف طرأ على المؤمنين بعد قوَّتهم لا ينسجم مع الواقع التاريخيّ، إذ كانت قوَّتهم في تزايدٍ لا في تراجع [ينظر: تفسير البيان ص354].
وعلى هذا الأساس، يظهر: أنَّ الإشكال إنَّما يتوجَّه -في ظاهره -على التفسير الأوَّل، حيث قد يُتوهَّم أنَّ هناك تغييراً في الحكم يكشف عن عدم استباقٍ في العلم، أمَّا على التفسير الثاني فلا يرد هذا الإشكال أصلاً؛ لأنَّ الأمر لا يتعلَّق برفع حكمٍ سابق، بل ببيان درجتين من التكليف في طولٍ واحد، إحداهما تمثِّل الحالة المثلى، والأخرى الحدَّ الأدنى، فلا يلزم منه أيُّ محذورٍ عقليٍّ أو عقديٍّ.
الوجه الثاني:
أمَّا على تفسير المشهور، فيُطرح السؤال والإشكال: هل يقتضي النسخ فشل استباق المعرفة؟ وهل ينافي نسخ الحكم علم الله تعالى؟
في الجواب نقول: إنَّ النسخ في اللغة بمعنى الإزالة والنقل [ينظر: الصحاح ج1 ص433]، وأمَّا في الاصطلاح: فهو رفع أمرٍ ثابتٍ في الشريعة المقدَّسة بانتهاء أمده وزمانه، سواءٌ كان ذلك من الأحكام التكليفيَّة كالوجوب والحرمة، أم من الأحكام الوضعيَّة كالصحَّة والبطلان، بل يشمل كلَّ ما يرجع إلى التشريع الإلهيّ [ينظر: تفسير البيان ص277].
وبتعبيرٍ آخر: هو بيان إيقاف استمرار حكمٍ ما لحكمةٍ يقتضيها التشريع، وهي معلومةٌ لله تعالى من الأزل [ينظر: الإتقان ج2 ص87].
وعليه، فالعلم الإلهيّ أشبه ما يكون بمخطَّطٍ هندسيٍّ كامل، في حين أنَّ الواقع هو البناء الذي يتحقَّق تدريجيّاً، فالله تعالى يعلم قبل وقوع الأشياء أنَّ أحوال الإنسان تتغيَّر، فيكون المؤمنون في مرحلةٍ في غاية القوَّة، ثم تطرأ عليهم ظروفٌ تُضعفهم، فيناسب كلَّ حالٍ حكمه الخاصّ، فالحكم الأوَّل -كوجوب ثبات الواحد أمام العشرة -يناسب مرحلة القوَّة، والحكم الثاني -كتخفيف النسبة إلى الواحد أمام اثنين -يناسب مرحلة الضعف.
وهذا المعنى تؤيِّده طبيعة الاجتماع البشريّ نفسها، كما أشار إليه السيِّد الطباطبائيّ، حيث بيَّن أنَّ الجماعات القليلة إذا اجتمعت على هدفٍ عظيم، وأحاطت بها التحدِّيات والموانع، كانت أشدَّ نشاطاً وأقوى أثراً، بخلاف الجماعات الكثيرة التي تقلُّ فيها الضغوط، فإنَّها تميل إلى الفتور وضعف الاندفاع، ومن هنا، فإنَّ طروء الضعف على الجماعة أمرٌ طبيعيٌّ تقتضيه سنن الاجتماع، لا أمراً طارئاً على خلاف القاعدة [ينظر: تفسير الميزان ج9 ص124].
وعلى هذا الأساس، يكون تغيُّر الحكم الإلهيّ منسجماً مع تغيُّر حال المكلَّفين، لا كاشفاً عن نقصٍ في العلم أو تبدُّلٍ فيه، بل هو تنزيلٌ للحكم بحسب الواقع المتغيِّر، ولولا هذا التدرُّج، لما ظهر فضل السابقين الذين تحمَّلوا المرحلة الأولى بكلِّ ما فيها من شدَّة، ولا تميَّزت مرتبة القوَّة التي قاموا بها، فلو قيل ابتداءً بهذا الحكم المخفَّف من الأصل -بدعوى العلم الأزليّ -لفُقدت حكمة الابتلاء في المرحلة الأولى، ولما ظهر أثر القوَّة الإيمانيَّة في تلك المرحلة.
ويؤيِّد ذلك: ما ورد في آية النجوى، حيث قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾[المجادلة: 12]، ثم نُسخ هذا الحكم بقوله تعالى:﴿ أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾[المجادلة: 13].
وقد رُوي: أنَّه لم يعمل بهذا الحكم إلَّا عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فكان في ذلك إظهارٌ لفضيلته وتمييزٌ لمرتبة طاعته، وفشل الآخرين، ثمَّ رُفع الحكم بعد أن تحقَّقت غايته.
ومن هنا، فإنَّ قوله تعالى: «عَلِمَ» لا يُفهم على أنَّه حدوث علمٍ جديدٍ بعد جهل، بل بمعنى تعلُّق العلم الفعليّ بالحالة الراهنة، أي أنَّ وقت تفعيل حكم التخفيف قد حان، لا أنَّ هناك مفاجأةً أو تجدُّداً في علم الله تعالى، وهو منزَّهٌ عن ذلك، وكذا أنَّ التعبير بـ«الآن علم» أسلوبٌ تربويٌّ يُشعر المخاطَب بأنَّ حاله منظورٌ ومراعىً، وأنَّ الحكم مرتبطٌ بواقعه الفعليّ، لا أنَّه مجرَّد تقريرٍ نظريٍّ منفصل عن حاله، وبهذا يُحفظ البعد التربويّ والعمليّ في الخطاب، ويُفهم أنَّ التخفيف إنَّما جاء على أساس علَّةٍ واقعيَّةٍ مفهومة، لا على نحوٍ اعتباطيّ.
ويمكن تقريب المعنى: بأنَّ الأمر يشبه الطبيب الذي يقول: ما دمتَ في حالٍ معيَّنةٍ أعطيتك علاجاً خاصّاً، أمَّا الآن وقد تغيَّرت حالك وضعفت قوَّتك، فإنِّي أُخفِّف عنك الجرعة، فليس في ذلك جهلٌ سابق، بل ملاحظةٌ لتغيُّر الحالة، فالعلم لا يتغيَّر وإنَّما متعلَّق العلم والموضوع هو الذي تغيَّر، فالآية -وما في معناها من الآيات التي تدلُّ على نسخ حكم -لا تدلُّ على الجهل، بل على تغيُّر حال الموضوع، أي الإنسان نفسه؛ فنحن الذين تغيَّرنا وضعفنا، فجاء الحكم متناسباً مع واقعنا الجديد، لا أنَّ علم الله تغيَّر.
وبعبارةٍ أدقّ: فإنَّ لكلِّ حكمٍ شرعيٍّ مقتضياً يقتضي ثبوته، فما دام هذا المقتضي قائماً ولم يطرأ مانعٌ في موضوعه - وهو حال المكلَّف - استمرَّ الحكم وثبت، فإذا تغيَّر الحال، إمَّا بزوال المقتضي أو بحدوث مانعٍ يقتضي خلافه، ارتفع الحكم أو تبدَّل تبعاً لذلك، وهذا لا يدلُّ على حدوث علمٍ بعد جهل، بل على أنَّ الله تعالى يعلم من الأزل أنَّ لهذا الحكم أمداً معيَّناً ينتهي عند ظرفٍ خاصّ، وفق اعتباراتٍ وحِكَمٍ متعدِّدة، وإنَّما يُنزَّل الحكم تدريجيّاً لتحقيق غاياتٍ تربويَّة، كحصول الابتلاء، أو إظهار مراتب الفضل، أو إتمام الحجَّة، أو مراعاة مقتضيات الحكمة في تدرُّج التشريع.
اترك تعليق