هل واضع دين الإسلام مهووس بالآخرين؟
السؤال: نصوص الإسلام تؤكِّد أنَّ مخترعه مهووسٌ بالآخرين، عدد آيات القرآن التي تُهاجم اليهود والنصارى وغيرهم أكثر من عدد الآيات التي تتحدَّث عن الشرائع والأحكام الفقهيَّة! لذلك من الطبيعيّ أن يكون المُسلم بهذه العقليَّة المنحطَّة، هو تربَّى على التسلُّط والتدخُّل في شأن غيره.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الكلام ليس استدلالاً برهانيّاً، بل تركيبٌ من دعاوى متفرِّقةٍ لم تُربط بروابط منطقيَّةٍ صحيحة، فينطلق من مقدِّمةٍ تقول: إنَّ الآيات التي تتناول نقد اليهود وغيرهم أكثر من آيات الأحكام، ثم ينتقل مباشرةً إلى نتيجةٍ مفادها: أنَّ هذا الأمر أدَّى إلى تكوين عقليَّةٍ سلبيَّةٍ لدى المسلم تجعله منشغلاً بالآخرين، ومن ثمَّ يُستنتج: أنَّ واضع هذا الدين - بحسب تعبيره - كان مهووساً بالآخر.
في الجواب عن هذا الإشكال، نقول:
أوَّلاً: ينبغي الانطلاق من فهمٍ صحيحٍ لطبيعة القرآن ووظيفته؛ فالقرآن كتاب هدايةٍ قبل كلِّ شيء، وليس مجرَّد كتاب أحكام؛ ولذلك اشتمل على مجالاتٍ متعدِّدةٍ من العقائد، والأخلاق، والقصص، والعِبر، بهدف توجيه الإنسان وبناء وعيه. ومن هنا، فإنَّ الأحكام الفقهيَّة تمثِّل جزءاً من الشريعة، وقد وردت في القرآن بصورةٍ إجماليَّة، وأُوكل بيان تفاصيلها إلى النبيّ محمَّد (ص) والأئمَّة (ع) من بعده.
ثمَّ إنَّ الإسلام لم يأتِ في فراغ، بل هو امتدادٌ للرسالات الإلهيَّة السابقة، كاليهوديَّة والنصرانيَّة، ومن الطبيعيّ -بما أنَّه خطاب هداية -أن يتناول تلك الأديان التي تحرَّفت بالنقد والتصحيح، خصوصاً في المواضع التي وقع فيها الانحراف عن الحقّ. فهذا النقد ليس انشغالاً بالآخر لذاته، بل هو جزءٌ من بناء الوعي الإسلاميّ، بحيث يتعلَّم المسلم من أخطاء الأمم السابقة، ويميِّز بين الحقّ والباطل، ويترسَّخ لديه الفهم العقديّ الصحيح، فإنَّ تناول القرآن لأفكار اليهود والنصارى ضرورةٌ منهجيَّةٌ تفرضها طبيعة الرسالة نفسها؛ لأنَّ بيان الحقّ يقتضي في كثيرٍ من الأحيان كشف الخطأ المقابل، وبما أنَّ الإسلام في بداياته كان يتعامل مع واقعٍ دينيٍّ قائمٍ وممتدّ، كان من اللازم توضيح مواضع الانحراف في تلك الأديان، ليكتمل بيان الحقّ ويزول الالتباس، لا أنْ يكون ذلك تعبيراً عن نزعةٍ نفسيَّةٍ أو دافعٍ غير موضوعيّ.
وإذا انتقلنا إلى الواقع النصِّيّ في القرآن، تبيَّن أنَّ كثرة الآيات المتعلِّقة بالأمم يعكس طبيعة القرآن بوصفه كتاب هدايةٍ يتعامل مع واقعٍ دينيٍّ وتاريخيٍّ قائم، فمثلاً: نجد أنَّ حضور بني إسرائيل في القرآن تضمَّنت آياتٌ كثيرةٌ نقداً لسلوكيَّاتٍ معيَّنة؛ كنكث العهود، أو تحريف النصوص، أو مخالفة الأنبياء، وهذا الحضور الكثيف لا يُفهم بوصفه تركيزاً على جماعةٍ بعينها، بل بوصفه عرضاً لنموذجٍ تاريخيٍّ تتكرَّر فيه أنماط الانحراف ليُعتبر بها.
وكذلك الحال فيما يتعلَّق بالنصارى، فإنَّ تناول القرآن لهم يتركَّز غالباً في الجانب العقديّ، كتصحيح مفهوم التوحيد، ونقد بعض التصوُّرات المرتبطة بمقام المسيح، مع ملاحظة أنَّ الخطاب ليس على وتيرةٍ واحدة، بل يتنوَّع بين اللين في بعض المواضع والشدَّة في مواضع أخرى بحسب طبيعة القضيَّة المطروحة.
كذلك الآيات التي تتناول المشركين، ولا سيَّما في بيئة مكَّة، فهي تأتي في سياق المواجهة مع من وقف في وجه الدعوة وحاول منعها، ولذلك يغلب عليها طابع المحاجَّة والردّ، بل وأحياناً التهديد، باعتبارها جزءاً من صراعٍ واقعيٍّ قائمٍ آنذاك.
ومن مجموع ذلك يتَّضح: أنَّ هذه الآيات إنَّما جاءت في مقام إقامة الحجَّة وبيان حقَّانيَّة الإسلام في سياقٍ تاريخيٍّ حيّ، حيث كان يتفاعل مع أديانٍ سابقةٍ واتجاهاتٍ قائمة، فلم يكن الإسلام نشأةً في فراغ، بل امتداداً لتلك الرسالات، ومصحِّحاً لما وقع فيها من انحراف. ومن هنا، كان من الطبيعيّ أن يتضمَّن القرآن تفصيلاً في تلك الأديان وبيان مواضع الخطأ فيها؛ لأنَّ إظهار الحقّ لا يتمّ إلَّا بتمييزه عمَّا يقابله.
وثانياً: يمكن نقض هذا الاستدلال بسهولةٍ، بإيراد مثالٍ مماثلٍ يكشف خلله؛ إذ لو قيل: إنَّ عدد الآيات التي تتحدَّث عن النجوم والظواهر الكونيَّة كبير، قد يفوق بعض أبواب الأحكام أو قصص الأمم، فهل يصحّ أن نستنتج من ذلك أنَّ الإسلام نتج عنه بالضرورة علم الفلك، أو أنَّ واضع القرآن كان منجِّماً؟ من الواضح أنَّ هذا الاستنتاج غير مقبول؛ لأنَّه قائمٌ على أخذ جانبٍ جزئيٍّ من النصّ ثم تعميم حكمٍ كلِّيٍّ عليه.
والصحيح أنَّ هذه الآيات الكونيَّة لا تهدف إلى تأسيس علمٍ تجريبيٍّ بحت، بل تأتي في سياق لفت النظر إلى عظمة الخالق، وإثارة التأمُّل، واستخلاص العبر التي تقود إلى الهداية، وبنفس المنطق، فإنَّ كثرة الآيات التي تتناول الأمم السابقة لا تعني انشغالاً بالآخر لذاته، بل تدخل ضمن نفس الغاية الكبرى، وهي الهداية، من خلال عرض تجارب تاريخيَّةٍ يُتَّعظ بها، فلا يصحّ التعامل مع القرآن بطريقةٍ تجزيئيَّةٍ تُقتطع فيها بعض الموضوعات ثم تُبنى عليها أحكامٌ عامَّة، بل لا بدَّ من النظر إليه بوصفه كلّاً متكاملاً، تتوزَّع فيه الموضوعات وفق غايةٍ واحدة، هي توجيه الإنسان وإرشاده، سواءٌ كان ذلك عبر الآيات الكونيَّة أو القصص التاريخيَّة أو الأحكام التشريعيَّة.
وبهذا يتبيَّن: أنَّ النتيجة التي توصَّل إليها المشكل - وهي أنَّ كثرة الآيات التي تتناول الأمم أو غيرها تؤدِّي إلى تكوين عقليَّةٍ متدخِّلة، بل وأنَّ واضع الدين مهووسٌ بالآخر - ليست نتيجةً مبنيَّةً على استدلالٍ صحيح، بل هي قفزةٌ من مقدِّمةٍ جزئيَّةٍ إلى حكمٍ كلِّيّ، دون إقامة رابطٍ برهانيٍّ معتبر، مع إغفالٍ للنصّ القرآنيّ بوصفه كلّاً متكاملاً، وسوء فهمٍ لطبيعته ووظيفته.
فهذا الكلام يشتمل على عدَّة مغالطات:
منها: (المصادرة على المطلوب)، حيث يبدأ بافتراضٍ غير مُثبت حين يتعامل مع الإسلام على أنَّه من صنعٍ بشريٍّ ثم يبني عليه تحليلاً نفسيّاً.
ومنها: (الاستقراء الناقص) في تصنيف الآيات؛ إذ يتعامل معها وكأنَّها أُحاديَّة البعد مع أنَّها متعدِّدة الجوانب، فإنَّ كثيراً منها يحمل أبعاداً متعدِّدةً في آنٍ واحد، عقديَّةً وأخلاقيَّةً وتشريعيَّة، فلا يصحّ اختزالها في تصنيفٍ واحد ثم بناء نتائج عامَّةٍ على هذا التصنيف.
ومنها: (التعميم المتسرِّع) في الانتقال من ملاحظاتٍ جزئيَّةٍ إلى أحكامٍ عامَّةٍ على جميع المسلمين.
ومنها: (الخلط في نسبة السبب إلى النتيجة)، بجعل الظواهر الاجتماعيَّة المعقَّدة بالدين وحده، وتجاهل العوامل السياسيَّة والتاريخيَّة والنفسيَّة، وكأنَّها ناتجةٌ عن عاملٍ واحدٍ فقط.
ومنها أيضاً: (رجل القش)، حيث بُني اعتراضه على صورةٍ مشوَّهةٍ للقرآن، حيث يركِّز على جانبٍ واحدٍ ويُهمل سائر الأبعاد الواسعة التي يتناولها من دعوةٍ إلى العدل، والإحسان، والتفكُّر، وتنظيم الحياة.
اترك تعليق