هل دلالة حادثة الغدير على الإمامة تنفي دلالة النصوص السابقة عليها؟
السؤال: قال الشيخ الصدوق: (ونظرنا فيما يجمع له النبيّ (ص) الناس ويخطب به ويعظِّم الشأن فيه، فإذا هو شيءٌ لا يجوز أن يكونوا علموه فكرَّره عليهم، ولا شيءٌ لا يفيدهم بالقول فيه معنىً؛ لأنَّ ذلك صفة العابث، والعبث عن رسول الله (ص) منفيّ). [معاني الأخبار ص68]. فهذا اعترافٌ من شيخهم المسمَّى الصدوق أنَّ كلَّ ما سبق الغدير من استدلالٍ ليس فيه ما يفيد النصّ على الإمامة لعليّ (رض)؛ لأنَّه لا يجوز أنْ يكون شيئاً علموه فكرَّره عليهم. فكيف النبيّ عند الشيعة ومن معه يعرفون أنَّ الإمام عليّ منصبٌ ومعلومٌ أنَّه منصبٌ في آية الولاية وغيرها ثم يأتي يكرِّر عليهم في الغدير فهذا يُسمَّى عبثاً كما اعترف شيخ الشيعة الصدوق وتخابط في ترقيعاته، هذا يكون اتِّهاماً للنبيّ بالعبث عند الشيعة. إذا قلتم إنَّه منصبٌ في آية الولاية سقط غدير خمّ ويُعتبر لا فائدة منه والآية أصلاً مفهومها في القرآن يخالفهم من ناحية أنَّها تتكلَّم عن الخشوع أبسط مثال قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. وإذا قلتم إنَّه منصبٌ في الغدير فهذا اتِّهامٌ للنبيّ بالعبث كما اعترف شيخهم الصدوق بأنَّه كرَّر شيئاً هو معروفٌ وهو معلومٌ أنَّه منصبٌ قبلها فكيف ينصِّبه مرَّةً أخرى على أساس أنَّه أوَّل تنصيبٍ له؟! هذا عبثٌ لا علاقة له إذ إنَّه نصَّبه عليهم قبلها. وهذا طعنٌ في رسول الله عند الشيعة وفي صدقه فهذا عندهم اتِّهامٌ له بالجهل والعبث حاشاه.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ ما ذكره الشيخ الصدوق في محلِّه من حيث الاستدلال؛ إذ يبيِّن الشيخ أنَّ حمل لفظ «مولى» على معنى غير المنصب الإلهيّ يفضي إلى لغويَّة الحدث؛ لأنَّ مكانة الإمام عليّ (ع) وعلاقته بالنبيّ (ص) كانت معروفةً لدى الجميع، فلا معنى لجمع الناس في موقفٍ عامٍّ لمجرَّد بيان أمرٍ معلوم. وعليه، فإنَّ السياق يقتضي أنَّ الغاية كانت إعلان منصبٍ إلهيٍّ على نحوٍ رسميٍّ وعلنيّ، بحيث لا يبقى مجالٌ للنزاع، ويكون ذلك بمثابة تثبيتٍ عامٍّ وإلزامٍ ظاهر.
فكلام الشيخ الصدوق قد أُسيء فهمه؛ فهو لم يدَّعِ أنَّ كلَّ تكرارٍ عبث، بل بيَّن أنَّ جمع الناس في ظرفٍ استثنائيٍّ وبمشقَّةٍ عظيمةٍ لبيان أمرٍ بسيطٍ معلومٍ لا يترتَّب عليه أثرٌ جديدٌ هو الذي يُعدّ لغواً، أمَّا إذا كان البيان يتضمَّن أثراً عمليّاً جديداً - كإعلانٍ رسميٍّ أو تثبيت منصبٍ أو أخذ التزامٍ عامّ - فهو في غاية الحكمة، فالفارق هنا ليس بين (التكرار) و(عدم التكرار)، بل بين (تكرارٍ لا أثر له) و(تكرارٍ يُنشئ أثراً ويُلزم به المخاطَبين).
وأمَّا الإشكال بأنَّ هذا يستلزم كون النصوص السابقة على الغدير - كآية الولاية - غير دالَّةٍ أو خفيَّة، فهو غير لازم؛ لأنَّ تلك النصوص كانت تدلُّ على الإمامة في نفسها، لكنَّها لم تأتِ في سياق إعلانٍ عامٍّ جامعٍ لكلِّ الأمَّة، فحادثة الغدير لا تمثِّل إنشاءً لأصلٍ جديد، بقدر ما تمثِّل إظهاراً رسميّاً وتأكيداً علنيّاً لما سبق بيانه بطرقٍ مختلفة.
وللمركز جوابٌ سابقٌ بعنوان: (تاريخ فرض الإمامة على المسلمين)، يمكن مراجعته.
وبعبارةٍ أخرى منطقيَّة: أنَّ المُشكل بنى اعتراضه على حصرٍ مصطنعٍ للخيارات (مغالطة الثنائيَّة الزائفة)، فصوَّر المسألة وكأنَّها لا تخرج عن احتمالين: إمَّا أنَّ الناس لم يكونوا يعلمون بمقام الإمام عليّ (ع)، فيلزم أن تكون النصوص السابقة غير دالَّة. وإمَّا أنَّهم كانوا يعلمون، فيكون ما وقع في الغدير تكراراً عبثيّاً.
وهذا الحصر غير صحيح؛ لأنَّه يغفل احتمالاً ثالثاً واضحاً، وهو أنَّ بعض الناس كانوا يعلمون أصل المقام أو بعض شؤونه، لكنَّ حادثة الغدير لم تكن مجرَّد إخبار، بل كانت إعلاناً عامّاً وإلزاماً رسميّاً وأخذاً للبيعة، بحيث يُرفع أيُّ مجالٍ للإنكار أو التأويل، ويُتمّ الاحتجاج على الجميع في وقتٍ واحد.
وعلى هذا الأساس، فإنَّ الغدير في هذا التصوُّر لا يُفهم بوصفه مجرَّد نقل معلومة، بل بوصفه مرحلةً تنفيذيَّةً لإعلانٍ عامّ، ينتقل فيه الأمر من حيِّز البيان الجزئيّ أو الخاصّ إلى حيِّز الإلزام العامّ الذي يسمعه الجميع وتترتَّب عليه تبعاتٌ واضحة. وهذا ما يفسِّر الفرق بين النصوص السابقة التي تُبيِّن وتدلّ، وبين البلاغ العامّ الذي يُعلن ويُثبت ويُقيم الحجَّة على نحوٍ شامل.
بل إنَّ هذا الاعتراض، لو أُخذ على إطلاقه؛ لأدَّى إلى نتائج غير مقبولةٍ حتَّى في سائر الخطابات الدينيَّة مثل القرآن، حيث يؤكِّد على التوحيد مثلاً في عدَّة آيات؛ إذ إنَّ التكرار في موارد التأكيد، وإقامة الحجَّة، وترسيخ المعنى، ليس عبثاً، بل هو من مقتضيات الحكمة، فالحقائق الكبرى كثيراً ما يُعاد بيانها في سياقاتٍ مختلفةٍ لتحقيق غاياتٍ متعدِّدة، من تثبيت المعنى إلى إلزام المخاطَبين به عمليّاً.
وأمَّا ما ذُكر - من أنَّ آية الولاية تنافي الخشوع في الصلاة – فهو ناشئٌ من فهمٍ غير دقيقٍ لمعنى الخشوع وحقيقته؛ إذ يُتوهَّم أنَّ كلَّ التفاتٍ إلى أمرٍ خارجيٍّ يُعدّ انصرافاً عن الله، مع أنَّ الأمر ليس كذلك، فإنَّ الالتفات إلى حاجة محتاجٍ، والاستجابة له بدافع القربة، لا يُعدّ توجُّهاً إلى النفس ولا خروجاً عن العبادة، بل هو في حقيقته امتدادٌ للتوجّه إلى الله، لأنَّ خدمة عباده من مصاديق طاعته.
وعليه، فإنَّ ما صدر من عليّ بن أبي طالب (ع) في حال الصلاة لا يُفهم على أنَّه خروجٌ عن الخشوع، بل على أنَّه مرتبةٌ أرقى منه؛ إذ كان متوجِّهاً إلى الله بحيث لم تمنعه عبادته من إدراك ما فيه رضا الله، بل جمع بين عبادتين في آنٍ واحد: عبادة الصلاة، وعبادة الإحسان، فإعطاء الزكاة في هذا السياق ليس فعلاً خارجاً عن الصلاة، ولا عملاً دنيويّاً طارئاً، بل هو عبادةٌ ضمن عبادة.
والفرق الجوهريّ هنا أنَّ ما ينافي روح العبادة هو الانشغال بالأمور الشخصيَّة والدنيويَّة التي تقطع الصلة بالله، أمَّا الالتفات إلى ما يقرِّب إليه ويُرضيه، فهو منسجمٌ تماماً مع جوهر العبادة، بل يعزِّزها. ومن ثمَّ، لا يصحّ قياس هذا المورد على سائر صور الانشغال التي تُضعف الخشوع [ينظر: تفسير الأمثل ج4 ص51].
والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق