هل كان النبي (ص) صاحب رسالة أم صاحب امتيازات؟

السؤال: هل خصائص النبيّ (ص) نابعةٌ من وحيٍ إلهيٍّ، أم من طبيعةٍ بشريَّةٍ؟ حينما أطرح مشروعاً تربويّاً وأقاتل بكلّ ما أملك من أجل تثبيته، فأوّل ما ينبغي عليَّ القيام به هو أنْ أمتنع عمّا أطلب من الآخرين الامتناع عنه، وألّا أُميّز نفسي عنهم في المأكل والملبس وسائر شؤون الحياة؛ لأنَّ القدوة الحقيقيَّة تبدأ من المشاركة في التّكليف لا من الاستثناء منه. والمؤسف أنَّ الرّسول لم يكن كذلك؛ إذ حينما كانت الجيوش تغزو لم يكن يُقاتل معهم عادةً ولو بأبسط صور المشاركة، لكنّه كان ينال صفو الغنيمة منذ البداية وقبل التّقسيم؛ فله الجارية الجميلة، والدّابة الفارهة، والسّيف القاطع، أمّا الآخرون فيُقسَّم عليهم الباقي. وفي الأموال المغتنمة والمستلبة جعل الخمس له منذ البداية، وإذا استسلم أهل قرية دون قتالٍ كان المال كلّه له، وسمّاه في أصواته القرآنيَّة الفيء. أمّا في الزّواج، فقد فتح له المجال أنْ يتزوّج من يشاء دون ضابطٍ أو عددٍ أو شرط، بل يحقّ له أنْ يأخذ المتزوّجة من زوجها أو غير المتزوّجة وإنْ رفضت، بينما قُيّد أصحابه بأربعٍ لا غير. إنَّ هذه المفارقات لا يمكن للباحث الّذي يحترم عقله ووعيه أنْ يتجاوزها دون توقّفٍ وتأمّلٍ عميق؛ لأنَّها تضعنا أمام سؤالٍ صعبٍ للغاية: هل يمكن أنْ تكون هذه الامتيازات نابعةً من وحيٍ إلهيٍّ متعال أم من طبيعة بشريَّة مرتبطة بالمصلحة والسّلطة؟! فإنْ قلنا: إنَّها من موجودٍ أخلاقيٍّ متعالٍ اسمه الله، فعلينا أنْ نؤمن بأنَّ من فرضناه أخلاقيّاً لم يعد كذلك، وإنْ قلنا: إنَّها من محيطه وبيئته وزمنه، فقد سقطت صفة السّموّ والغيب عنها من الأساس. فتأمّل كثيراً.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

هذه الادعاءات مبنيةٌ على طريقة "تجميع الامتيازات" ثم إيهام القارئ أنَّ كلَّ امتيازٍ هو تلقائياً مصلحةٌ شخصيَّة، مع إسقاطٍ متعمّدٍ للسياق التشريعيّ والتاريخيّ، وتجاهلٍ كاملٍ لمئات الشواهد التي لا تنسجم مع صورة "رسول المصالح" التي يريدها الكاتب، فلو كان المعيار هو: أيُّ حكمٍ يخصّ النبيّ إذن هو استثناءٌ نفعيّ، لزم أنْ تكون كلُّ وظائف القيادة في أيِّ مجتمعٍ "فساداً" لمجرّد أنَّها وظائف، وهذا ليس بحثاً، بل تحيُّزاً يريد نتيجةً مسبقةً ثم يفتّش لها عن ألفاظ.

فقوله: إنَّ النبيّ حين تغزو الجيوش "لم يكن يقاتل معهم عادةً"، ادعاءٌ يصطدم بالواقع التاريخيّ قبل أيّ نقاشٍ فلسفيٍّ. حضور النبيّ في بدرٍ وأحد والخندق وحنين والأحزاب وغيرها ثابت، بل إنَّه جُرح يوم أُحد، وكُسرت رباعيته وشُجّ وجهه، وكاد يُقتل لولا ثبات من ثبت حوله.

نعم، لم يكن يخرج في كلِّ سريةٍ صغيرةٍ؛ لأنَّ القائد الأعلى ليس جندياً في كلّ مناوشة، وترك المدينة بلا قيادةٍ كان يفتح ثغرةً وجوديَّةً على الدولة الناشئة، لكن تصوير ذلك كأنَّه "تهرّب من المشاركة" خداع لغويّ: القيادة وظيفة، وليست مجرد استعراض شجاعة، ومع ذلك مارسها ميدانياً حين اقتضت الضرورة، وقدّم من جسده وراحته ما لم يقدّمه كثيرٌ ممن يزايدون اليوم على "المساواة".

وأما "صفو الغنيمة" وأنَّ له الجارية الجميلة، والدابَّة الفارهة، والسيف القاطع قبل القسمة، فهذه صياغةٌ أدبيَّةٌ تهدف لإثارة الاشمئزاز، لا لإثبات حقيقة.

التشريع في الغنائم كان منظّماً، وأصل الفكرة ليس "مكافأة النبيّ"، بل وضع سلطة توزيعٍ مركزيَّةٍ تمنع الفوضى والتنازع، وتضمن تمويل مصالح عامَّة كانت هي عصب بقاء الجماعة: تجهيز الجيوش، الفقراء، وابن السبيل، والمهام العامَّة، ولو كان النبيّ يجمع لنفسه "صفو الغنيمة" بمعنى الثراء والترف، لظهرت آثار ذلك في بيته ومعيشته وورثته، بينما الصورة التي يهرب منها صاحب الشبهة هي الصورة الأشهر: بيتٌ بسيطٌ، معيشةٌ شديدةٌ، ينفق ما يأتيه...

وأما الخمس، فالمغالطة هنا أخطر: يُقدَّم الخمس كأنَّه "دخل شخصيّ"، بينما النصُّ القرآنيّ نفسه يجعل مصارفه مرتبطةً بعنوان الرسالة ومصالحها: (لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل)، الفكرة ليست أنَّ الرسول "يمتلك" الخمس كما يمتلك التاجر أرباحه، بل أنَّ القيادة النبويَّة كانت جهة صرفٍ وتمويلٍ لمشروع مجتمعٍ كاملٍ، بلا وزارة ماليَّة ولا مؤسسات دولة مستقرة. الذي يحوّل "وظيفة التمويل العام" إلى "فساد شخصيّ" إنَّما يتعمّد خلط الملكيَّة الخاصة بالولاية على المال العام، ثم يبني على هذا الخلط غضباً أخلاقياً مصطنعاً.

وأما الفيء (الذي صيغ في النص وكأنَّه "الأموال المستلبة" التي يأخذها النبيّ لنفسه إنْ استسلمت قرية)، فهذه أيضاً قلبٌ للمعنى. الفيء في منطق الدولة الناشئة أقرب إلى "مالٍ عامٍ" يدخل في إدارة السلطة المركزيَّة؛ لأنَّه لم يُحصَّل بقتال شارك فيه أفراد ليستحقوا تقسيمه كغنيمة؛ ولهذا جاء تنظيمه مختلفاً أصلاً، ومن يقرأ آية الفيء بتمامها يدرك أنَّ الغاية ليست تكديسه بيد شخصٍ، بل منع تداوله كامتياز طبقيّ: كي لا يكون "دولة بين الأغنياء منكم". يقول تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)، فكيف تحوّل نصّاً غايته كسر الاحتكار إلى تهمة احتكار؟ هذا لا يقع إلا حين تُقتطع الكلمات من سياقها عمداً.

وأما الزواج، فهذه أكثر فقرة تكشف سوء النية؛ لأنَّها تجمع بين نصف حقيقة، وثلث إشاعة، واتهامٍ صريحٍ لا دليل عليه.

نعم، وُجدت أحكامٌ تخصّ النبيّ، لكن تقديمها على أنَّها "فتحٌ بلا ضابطٍ أو عددٍ أو شرط" تزوير؛ لأنَّ النص نفسه قيّد النبيّ بقيودٍ لم تُفرض على غيره، منها أنَّه مُنع بعد مرحلة معينة من الزيادة: (لا يحل لك النساء من بعد)، بل إنَّ النبيّ لم يكن حرَّاً في الطلاق والزواج كما يتوهمون، بل كان يُدار الأمر في كثيرٍ من تفاصيله على قاعدة الرسالة، ووحدة المجتمع، ورفع أعراف جاهليَّة وتثبيت أحكام اجتماعيَّة حسّاسة.

وواقع زيجاته ـ لمن يقرأه بلا عداء ـ لا يشبه مسار "رجل يبحث عن المتعة": أكثر زوجاته ثيّبات، وفيهنّ كبيرات سنٍّ، وزيجاته كانت محكومةً بظروفٍ اجتماعيَّةٍ وسياسيَّةٍ وتربويَّةٍ واضحة، بينما المتعة ـ لو كانت هي المحرك ـ كانت أيسر طريقٍ، لكنَّها ليست طريقه.

أما الاتهام الأخطر: "يحق له أنْ يأخذ المتزوجة من زوجها"، فهذا افتراءٌ صريحٌ لا يملك صاحبه عليه نصَّاً قرآنيَّاً ولا واقعةً تاريخيَّةً ثابتة. القرآن يحرّم المحصنات (أي المتزوجات) تحريماً واضحاً، وقصة زواج النبيّ بزينب بنت جحش ليست "أخذ متزوجةٍ من زوجها"، بل زواجٌ بعد طلاقٍ وقع فعلاً، وجاء في سياقٍ تشريعيٍّ لإبطال عادة التبنّي التي كانت تُحرِّم زوجة المتبنّى كأنَّها زوجة ابنٍ حقيقيّ، فكان الزواج نقضاً لتقديس عرفٍ جاهليّ، لا افتراساً لامرأةٍ في عصمة رجلٍ.

ثم إنَّ السؤال الذي يطرحه الكاتب في آخره (إن كان من الله فقد سقط السمو الأخلاقيّ، وإن كان من البيئة سقط الغيب) سؤالٌ مزوّرٌ من البداية؛ لأنَّه قائمٌ على فرضيةٍ خاطئةٍ مفادها: أنَّ كلَّ خصوصيٍَّة للنبيّ = مصلحة شخصيَّة، بينما الصحيح أنَّ كثيراً من "الخصوصيات" هي تكاليف إضافيَّةٌ، ومسؤولياتٌ أشدُّ، وبعضها تنظيمٌ ماليٌّ، وإداريٌّ لحماية المجتمع من الفوضى، وبعضها تشريعٌ لكسر أعرافٍ جاهليَّةٍ لا يتمُّ كسرها إلَّا بفعلٍ عمليِّ من القائد نفسه، وإلا ظلّ التشريع حروفاً لا تتحرك.

وبعبارةٍ أوضح: هم يريدون أنْ يحاكموا النبيّ كفردٍ عاديٍّ يعيش لنفسه، بينما هو في الحقيقة قائد رسالةٍ، ودولةٍ ناشئةٍ، وأيُّ مجتمعٍ عقلانيٍّ يميّز بين نظام الفرد ونظام القيادة، لا لأنَّ القيادة "أفضل إنسانياً"، بل لأنَّها "أثقل وظيفة".

وفي المحصلة، الكاتب لم يثبت امتيازاتٍ، بل لوّن أحكاماً تشريعيًَّة بلون الشهوة، وسمّى الوظائف العامة "مصالح شخصيَّة"، وانتزع الوقائع من سياقها، ثم وضع القارئ أمام خيارين كلاهما فاسد، لأنَّهما بُنيا على مقدَّمةٍ فاسدةٍ.

فالمفارقة ليست في "أخلاق الله" كما يوحي، بل في أخلاق الخطاب نفسه: خطابٌ ينتقي، ويُسقِط، ويُغري القارئ بلذّة الاتهام، ثم يتظاهر بأنَّه "يحترم العقل والوعي".

العقل والوعي يبدأان من الأمانة: أن تفرّق بين التشريع والامتلاك، وبين القيادة والترف، وبين الاستثناء الوظيفيّ والاستثناء النفعيّ، وبين الواقعة الثابتة والإيحاء الأدبيّ الرخيص.