كيف تستوعب النصوص المحدودة الوقائع المتجددة؟
السؤال: كيف تستطيع نصوصٌ شرعيَّةٌ محدودةٌ استيعاب الوقائع والمتغيِّرات الحياتيَّة المتكثِّرة والمستجدَّة؟
الجواب: سبق أنْ تعرَّضنا لمضمون هذا الإشكال في أجوبةٍ متعدِّدةٍ نُشرت في مركزنا، ولا سيَّما عند مناقشة تاريخيَّة الشريعة ومدى قدرتها على مواكبة المتغيِّرات. وخلاصة الإشكال هنا: كيف يمكن لنصوصٍ شرعيَّةٍ محدودة العدد أنْ تستوعب وقائع الحياة المتكثِّرة والمتجدِّدة؟
هذا السؤال مبنيٌّ على افتراضٍ غير صحيحٍ، وهو أنَّ كلَّ واقعةٍ جديدةٍ تحتاج إلى نصٍّ خاصٍّ يذكرها باسمها وتفاصيلها، فلو صحَّ هذا الافتراض؛ لكان لا بدَّ أنْ نجد في القرآن والسنَّة نصوصاً مستقلَّةً عن العملات الرقميَّة، والعقود الإلكترونيَّة، وزراعة الأعضاء، والذكاء الاصطناعيِّ، وسائر المستجدَّات التي لم تكن معروفةً في عصر النصِّ.
لكنَّ التشريع لا يعمل بهذه الطريقة، لا في الشريعة الإسلاميَّة ولا في القوانين البشريَّة. فليس من وظيفة القانون أنْ يعدد جميع الحوادث التي يمكن أنْ تقع، وإنَّما يضع قواعد عامَّةً وضوابط كلِّيَّةً، ثمَّ تُعرض الوقائع الجديدة عليها لمعرفة حكمها.
فمحدوديَّة النصوص من حيث العدد لا تعني محدوديَّتها من حيث الدلالة. قد يكون النصُّ واحداً، ولكنَّه يشمل آلاف الوقائع والمصاديق. فعندما يقول الله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، فإنَّ الآية لا تختصُّ بالعقود التي كانت معروفةً في عصر النزول، وإنَّما تشمل كلَّ عقدٍ عقلائيٍّ تتحقَّق فيه شروطه، سواءٌ عُقد مشافهةً، أو على الورق، أو بواسطة الوسائل الإلكترونيَّة.
وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]، فهو لا يحتاج إلى أنْ يذكر كلَّ صورةٍ من صور السرقة والاحتيال التي يمكن أنْ تظهر عبر التاريخ، بل كلُّ وسيلةٍ جديدةٍ يتحقَّق فيها الاستيلاء الباطل على أموال الناس تدخل تحت هذا الحكم.
وعليه، فالشريعة لا تحكم على الأشياء من خلال أسمائها وصورها الخارجيَّة فقط، وإنَّما من خلال حقائقها وأوصافها العامَّة. فالوسائل قد تتغيَّر، لكنَّ العناوين الأساسيَّة تبقى ثابتةً: عقدٌ، وملكٌ، وضررٌ، وظلمٌ، وغشٌّ، ورباً، وإكراهٌ، وتراضٍ، وضرورةٌ، وإتلافٌ، وحفظ نفسٍ، وأكل مالٍ بالباطل...
وكثيرٌ من الوقائع المستحدثة ليست جديدةً من جميع الجهات، وإنَّما الجديد فيها هو الوسيلة أو الصورة. فالبيع الإلكترونيُّ يبقى بيعاً، والتحويل المصرفيُّ يبقى نقلاً للمال أو الحقِّ، وسرقة الحسابات صورةٌ من صور الاعتداء على الأموال والمعلومات، والتشهير الإلكترونيُّ صورةٌ جديدةٌ من الاعتداء على السمعة.
وهنا يأتي دور الفقيه في اكتشاف حقيقة الواقعة، لا الاكتفاء باسمها الحديث. فهو يبحث مثلاً: هل هذه المعاملة بيعٌ أم قرضٌ أم مشاركةٌ أم مقامرةٌ؟ وهل تشتمل على ربا أو غررٍ أو خداعٍ؟ وهل هذا الإجراء الطبيُّ يحقِّق مصلحةً معتبرةً أم يسبِّب ضرراً محرَّماً؟ فمتى شُخِّص الموضوع على حقيقته أمكن معرفة الحكم الذي ينطبق عليه.
كما أنَّ الشريعة لم تقتصر على أحكامٍ جزئيَّةٍ متفرِّقةٍ، بل تضمَّنت عموماتٍ وإطلاقاتٍ وقواعد فقهيَّةً وأصولاً عمليَّةً. فمن قواعدها: نفي الضرر، ونفي الحرج، ووجوب الوفاء بالعقود، وحرمة أكل المال بالباطل، وحرمة الإعانة على الإثم، ووجوب حفظ النفس، وأصالة الحلِّ والطهارة والبراءة في مواردها.
وهذه القواعد تمنح الفقه قدرةً واسعةً على التعامل مع الوقائع الجديدة. فإذا ظهرت مسألةٌ طبيَّةٌ مستحدثةٌ، رجع الفقيه إلى قواعد حفظ النفس، وحرمة الإضرار، وحرمة الجسد، والاضطرار، والتزاحم بين المصالح. وإذا ظهرت معاملةٌ ماليَّةٌ جديدةٌ، درس حقيقتها وعرضها على قواعد الربا والغرر والتراضي والملكيَّة والضمان.
أمَّا الاجتهاد، فليس اختراعاً لأحكامٍ من خارج النصوص، وإنَّما هو عمليَّةٌ علميَّةٌ لاكتشاف الحكم من الأدلَّة والقواعد. فالفقيه لا يملك أنْ يحلِّل ويحرِّم بحسب ذوقه، بل يتحرَّك ضمن مناهج منضبطةٍ في فهم النصوص، كتمييز العامِّ من الخاصِّ، والمطلق من المقيَّد، ومعالجة التعارض، وتشخيص موضوع الحكم.
كما أنَّ معرفة الحكم قد تتوقَّف على أهل الخبرة؛ فالشارع يحرِّم الضرر، لكنَّ معرفة كون دواءٍ معيَّنٍ ضارّاً ترجع إلى الطبيب. ويحرِّم الغشَّ والغرر، لكنَّ تشخيص بعض المعاملات المعقَّدة يحتاج إلى خبراء الاقتصاد. ويمنع الاعتداء على الخصوصيَّة، لكنَّ معرفة طبيعة بعض الوسائل التقنيَّة تحتاج إلى المتخصِّصين فيها. فالخبير يحدِّد حقيقة الموضوع، والفقيه يبيِّن الحكم الشرعيَّ المترتِّب عليه.
ولا يعني تغيُّر الزمان والمكان أنَّ الأحكام الشرعيَّة تتبدَّل بلا ضابطٍ، وإنَّما قد تتغيَّر الموضوعات والآثار، فيتغيَّر الحكم تبعاً لتغيُّر موضوعه. فقد تكون وسيلةٌ ما مباحةً في نفسها، ثمَّ تصبح محرَّمةً إذا استُعملت في التجسُّس أو الإضرار أو دعم العدوان. فالحكم لا يتغيَّر اعتباطاً، بل يدور مدار عنوانه وموضوعه.
والشريعة بذلك تجمع بين الثبات والمرونة: فالمبادئ ثابتةٌ، لكنَّ مصاديقها متجدِّدةٌ. حرمة الظلم ثابتةٌ، لكنَّ وسائل الظلم تتطوَّر. وحرمة أكل المال بالباطل ثابتةٌ، لكنَّ صور الاحتيال تتغيَّر. ووجوب حفظ النفس ثابتٌ، لكنَّ وسائل العلاج تتجدَّد.
فالخطأ في أصل الإشكال هو تصوُّر العلاقة بين النصوص والوقائع علاقةً عدديَّةً، بمعنى أنَّ كلَّ واقعةٍ تحتاج إلى نصٍّ مستقلٍّ. والحال أنَّ العلاقة بينهما علاقةٌ كلِّيَّةٌ تطبيقيَّةٌ؛ فالنصُّ الواحد يمكن أنْ يشمل عدداً غير محدودٍ من المصاديق، كما أنَّ القاعدة النحويَّة الواحدة تنطبق على جملٍ لم تُنطق من قبل، والقاعدة الرياضيَّة الواحدة تُطبَّق على أعدادٍ لا تنتهي.
وفي المحصِّلة، لا تقوم قدرة الشريعة على استيعاب الحياة على وجود نصٍّ خاصٍّ لكلِّ حادثةٍ، وإنَّما على منظومةٍ متكاملةٍ من النصوص العامَّة، والقواعد الكلِّيَة، والأصول العمليَّة، والاجتهاد المنضبط، والاستعانة بأهل الخبرة في تشخيص الموضوعات.
فالنصوص محدودةٌ من حيث العدد والألفاظ، لكنَّها واسعةٌ من حيث الدلالة والتطبيق. ومن هنا لا تكشف كثرة المستجدَّات عن عجز الشريعة، وإنَّما تكشف عن الحاجة إلى اجتهادٍ علميٍّ قادرٍ على فهم النصوص وتشخيص الوقائع وتنزيل القواعد على مصاديقها الجديدة.
اترك تعليق