أين الطعن في العصمة إذا كان الفعل مباحاً؟

السؤال: الإمام الصّادق كما في الرّواية الصّحيحة بالاتّفاق: يشتهي جارية زوجته وهو في طريق مكّة؛ فيُضاجعها في الحمّام، ويعلّمها حيلةً كي لا تكتشف زوجته بالعمليَّة، فيلتقط رادار الزّوجة الأمر فتحلق شعر جاريتها وتضربها، والإمام يكتفي بالقول: هذا المكان الّذي أبطل الله فيه حجّك! كيف يمكن تسويق إمامته وعصمته إلى الناس؟ أين العصمة؟ أين القدوة؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

هذه الشبهة من أوضح أمثلة القراءة المريضة للنصوص، لا لأنَّها تسأل عن روايةٍ مشكلةٍ، بل لأنَّها تبدأ من تشويه الرواية، ثمَّ تبني على التشويه حكماً أخلاقيّاً كبيراً: أين العصمة؟ أين الإمامة؟ أين القدوة؟

والجواب المختصر: لا توجد في الرواية مواقعةٌ لجارية الزوجة، ولا توجد فاحشةٌ، ولا توجد حيلةٌ لإبطال الغسل، وإنَّما توجد قراءةٌ عدوانيَّةٌ تحاول أنْ تحشر الفاحشة في نصّ لا يدلُّ عليها.

وأوّل ما ينبغي التنبيه إليه: أنَّ صحَّة السند لا تعني صحَّة الفهم الذي يفرضه المعترض على الرواية، فكم من روايةٍ صحيحة السند أُسيء فهمها بسبب اقتطاع لفظةٍ من سياقها، أو تحميلها معنىً لا تحتمله، أو تجاهل روايةٍ أخرى تشرحها. والمشكلة هنا أنَّ صاحب الشبهة يتعامل مع كلمة «مولاتك» وكأنَّها نصٌّ قطعيٌّ في أنَّ الجارية مملوكةٌ لزوجة الإمام (ع)، ثمَّ يبني عليها اتّهاماً خطيراً، وهذا منطقٌ ركيكٌ؛ لأنَّ اللفظة ليست نصّاً في الملكيَّة.

الجارية يمكن أنْ تكون للإمام (عليه السلام)، ومع ذلك يقال لزوجته «مولاتها» بلحاظ أنَّها تخدمها أو تعيش في بيتها أو تكون تحت إدارتها المنزليَّة. وهذا استعمالٌ معروفٌ، فالمولى والمولاة لا يختصّان دائماً بمعنى المالك والمالكة، بل يأتيان بمعانٍ متعدِّدةٍ بحسب السياق: السيّد، المتولّي، صاحب الشأن، مَن له نوع إشرافٍ أو خدمةٍ أو تبعيَّةٍ. فكيف تحولت لفظةٌ محتملةٌ إلى دليلٍ قطعيٍّ على الفاحشة؟

ثمَّ إنَّ هناك نصّاً آخر في القضية نفسها يصرح بأنَّها «جاريةٌ له»، أي جارية الإمام، وهذا وحده يكسر ظهر الشبهة؛ لأنَّ العلاقة حينئذٍ ـ بحسب الأحكام السائدة في ذلك العصر وفق نظام ملك اليمين ـ ليست محرَّمةً أصلاً، ولا معنى للحديث عن زناً أو خيانةٍ أو سقوط عصمةٍ.

قد يأتي إنسانٌ معاصرٌ ويقول: أنا لا أفهم نظام الجواري ولا أقبله وجدانياً. هذا بحثٌ آخر في التاريخ والفقه وتطوُّر المؤسَّسات الاجتماعيَّة، لكنَّه لا يصلح للطعن في الإمام من داخل منظومةٍ دينيَّةٍ كانت ترى هذا النحو من العلاقة مباحاً بضوابطه؛ فلا يصحُّ أنْ يحاكم الإنسان نصّاً فقهياً قديماً بأعرافٍ معاصرةٍ منتقاةٍ ثمَّ يعلن سقوط العصمة.

ومن هنا يتضح أنَّ الشبهة قائمةٌ على كلمةٍ واحدةٍ: «مولاتك»، وهذه الكلمة لا تنهض بإثبات الملكيَّة.

أمّا قوله: «الإمام يشتهي جارية زوجته»، فهذا ليس شرحاً للرواية، بل إضافةٌ من خيال المعترض.

الرواية لا تقول: «جارية زوجته»، ولا تقول: إنَّه اعتدى على مال غيره، ولا تقول: إنَّه فعل محرَّماً، هذه ألفاظٌ جرى دسُّها في عرض الرواية كي يتولّد الاشمئزاز قبل الفهم. وهذا أسلوبٌ معروفٌ: غيِّرْ عنوان الفعل أوَّلاً، ثمَّ حاكمْه بالعنوان الذي اخترعه.

وأمّا مسألة الغسل، فقد صوَّرها المعترض كأنَّ الإمام (ع) علَّم الجارية حيلةً لإفساد الغسل الشرعيّ، وهذا أيضاً تحريفٌ قبيحٌ، إنّما الموجود في الرواية أنَّ الإمام (ع) أمرها بغسل الرأس أوَّلاً، ثمَّ غسل الجسد عند إرادة الإحرام، وهذا مطابقٌ للترتيب المعروف في غسل الجنابة عند الإماميَّة: الرأس أوَّلاً ثمَّ الجسد. نعم، وقع نقاشٌ فقهيٌّ في مسألة الفصل بين أجزاء الغسل وعدم الموالاة، لكنَّ هذا بحثٌ فقهيٌّ معروفٌ، وليس حيلةً لإبطال الغسل. فكيف تحوَّلت مسألةٌ في ترتيب الغسل إلى فضيحةٍ أخلاقيَّةٍ؟ هذه ليست قراءةً، بل صناعة شبهةٍ.

وأمّا قوله: «كي لا تكتشف زوجته بالعمليّة»، فحتّى لو قيل إنَّ الإمام لم يردْ أنْ تعلم زوجته، فهذا لا يدلُّ على الحرام، ليس كلُّ ما لا يُراد إعلانه يكون محرَّماً.

قد يخفي الرجل زواجه الثاني عن زوجته اتّقاءً للغيرة، لا لأنَّه ارتكب فاحشةً، وقد يتجنّب الإنسان إخبار أهله بأمرٍ مباحٍ لأنَّه يعرف أنَّه سيولِّد اضطراباً أو ظلماً أو إساءةً، والرواية نفسها تدلُّ أنَّ أمّ إسماعيل حين علمت تصرَّفت بعنفٍ، فحلقت رأس الجارية وضربتها، إذن: كان الخوف من سوء تصرفها واقعيّاً، لا خيالاً.

وهنا تنقلب الشبهة تماماً، فالإمام (عليه السلام) لم يسكتْ عن ظلمٍ وقع على الجارية، بل حمَّل أمَّ إسماعيل مسؤوليّة ما فعلته، وقال لها: إنَّ الله أحبط حجَّها في ذلك الموضع. فبدل أنْ تكون الرواية طعناً في الإمام، صارت شاهداً على أنَّ الإساءة إلى الخادمة الضعيفة ليست أمراً هيناً، وأنَّ الغيرة لا تبرّر الظلم، وأنَّ الاعتداء على الجارية بالحلق والضرب ذنبٌ عظيمٌ يفسد روح الحجّ. المعترض رأى الفعل المباح وترك الذنب الحقيقيّ، وهي ظلم المرأة للجارية.

والأعجب أنَّ صاحب الشبهة يتحدث عن «رادار الزوجة» وكأنَّه يكتب مشهداً ساخراً لا يناقش نصّاً دينيّاً، هذه اللغة تكشف المقصود من البداية: ليس البحث عن الحقيقة، بل تسويق الفضيحة. مَن يريد البحث يسأل: لمَن كانت الجارية؟ ما معنى «مولاتك»؟ هل الغسل صحيحٌ؟ ما وجه إحباط الحجّ؟ أمّا مَن يريد التشنيع فيقول: اشتهى، ضاجع، حيلة، رادار، عمليّة! ثمَّ يسأل بعد ذلك: كيف تسوقون إمامته؟ والحقيقة أنَّ الذي يحتاج إلى تسويقٍ ليس إمامة الصادق (ع)، بل هذه الطريقة في القراءة.

والفرق كبيرٌ بين قراءةٍ علميَّةٍ وقراءةٍ متربّصةٍ، القراءة العلميَّة تجمع الروايات، تفهم الألفاظ، تلاحظ السياق الفقهيّ، تميّز بين الاحتمال والدلالة، ثمَّ تحكم. أمّا القراءة المتربّصة فتأخذ اللفظ الأكثر إثارةً، وتحذف القرائن، وتضخّم الجانب الشهوانيّ، ثمَّ تصرخ: أين العصمة؟

العصمة لا تعني أنَّ الإمام لا يتزوّج ولا يتمتّع ولا يملك جاريةً في سياقٍ تشريعيٍّ كان ذلك مباحاً فيه، العصمة تعني أنَّه لا يرتكب الحرام، ولا يظلم، ولا يخون، ولا يضلّل الأمّة في الدين.

والرواية ـ بعد فهمها الصحيح ـ لا تتضمن شيئاً من ذلك. فيها علاقةٌ مباحةٌ مع جاريةٍ له، وفيها توجيهٌ فقهيٌّ للغسل، وفيها مراعاةٌ لما قد يقع من غيرة الزوجة، وفيها إدانةٌ واضحةٌ للظلم الذي وقع على الجارية.

فأين الطعن في العصمة؟ هل صار المباح طعناً في العصمة لأنَّه لا يعجب ذوق المعترض؟ وهل صارت الغيرة دليلاً على الحرام؟ وهل صارت لفظةٌ محتملةٌ كافيةً لهدم مقام إمامٍ من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)؟

في المحصّلة، إنَّ هذه الشبهة لا تقوم إلا على ثلاثة تحريفاتٍ: تحريف ملكيّة الجارية، وتحريف معنى «مولاتك»، وتحريف مسألة الغسل إلى «حيلة»، فإذا سقطت هذه التحريفات، بقيت الرواية في دائرة الفقه لا في دائرة الفضيحة. ومن أراد أنْ يحاكم الإمام الصادق (عليه السلام) فعليه أوَّلاً أنْ يقرأ النصّ بأمانةٍ، لا أنْ يدخل إليه وفي يده حكمٌ جاهزٌ يبحث له عن عبارةٍ مثيرةٍ.