لماذا استعمل النبي (ص) أبا سفيان على نجران؟

السؤال: ورد في مصادر العامَّة تعيين النبيّ (صلى الله عليه وآله) أبا سفيان بن حرب وولده يزيد على بعض الأمصار كـ «نجران» و«تيماء» في أواخر العهد النبويّ، فرغم كثرة الصحابة السابقين لم يجد النبيّ (صلى الله عليه وآله) إلَّا أبا سفيان وابنه يزيد ولاةً له على بعض الأمصار!

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم - أيدك الله - أنّ الجواب عن هذه الشبهة يرتكز على مسارين: الأوّل نقديٌّ حديثيٌّ يطعن في صحة الرواية، والثاني تحليليٌّ يفسر الدوافع السياسيَّة والاجتماعيَّة في الإدارة النبويَّة على فرض ثبوتها جدلاً. وبيان ذلك:

المسار الأوّل:

إنّ دعوى ولاية أبي سفيان بن حرب على نجران واستمرارها حتَّى وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله) لم تنهض بدليلٍ صحيحٍ معتبرٍ عند محققي المحدثين والمؤرّخين، بل هي مأثورةٌ بصيغ التمريض والتضعيف.

وقد أنكر جهابذة المقارنات التاريخيَّة هذه الولاية؛ حيث حسم الحافظ ابن حجر العسقلانيّ الأمر بقوله: (ويقال: إن النّبي (ص) استعمله على نجران، ولا يثبت) [الإصابة ج3 ص333].

ونقل ابن عبد البرّ وابن حجرٍ إنكار أئمة السير لهذه الدعوى، وممن نقل ردّها الواقديّ بقوله: (أصحابنا ينكرون ذلك، ‌ويقولون: ‌كان ‌أبو ‌سفيان ‌بمكّة ‌وقت ‌وفاة النبيّ (ص)، وكان عاملها حينئذٍ عمرو بن حزم) [الاستيعاب ج2 ص714].

كما أنّ ممَّا يضعّف الرواية أيضاً اضطرابها؛ إذ تذكر بعض المصادر أنَّه ولّي جباية «صدقات الطائف» لا «إمرة نجران».

المسار الثاني:

لو تنزّلنا جدلاً بقبول هذه التولية أو تولّي ابنه يزيد لبعض المهامّ في العهد النبويّ؛ فإنّ المقاربة السياسيَّة لتفسير هذا السلوك الإداريّ النبويّ لا تنطلق أبداً من فكرة ندرة الصحابة السابقين؛ إذ لا يشكّ أحدٌ أنّ أبا سفيان وولده يزيد لم يتميَّزا في إيمانٍ وتقوىً وشجاعةٍ وغير ذلك من خصال الخير والفضيلة على غيرهما من الصحابة، بل كانا من الطلقاء، وهم معروفون بمنزلتهم عند المسلمين قاطبةً.

ولذلك يمكن ذكر جملةٍ من العوامل التي ربَّما تكون لها مدخليَّةٌ في توليتهما بعض المناطق - لو صحّت -:

منها: سياسة تأليف القلوب واستمالة البيوتات:

فإنّ استراتيجيَّة دمج رجالات قريش في المنظومة الإسلاميَّة الناشئة، وإشراكهم في الإدارة، وسيلةٌ لتثبيت إيمانهم، وتأليف قلوب أتباعهم، وتحويل زعاماتهم الجاهليَّة إلى طاقاتٍ منتجةٍ تحت مظلّة الدولة الإيمانيَّة.

ومنها: استثمار الوجاهة الاجتماعيَّة والنفوذ القبليّ:

فقد كانت نجران والتيماء مناطق ذات تركيبةٍ قبليَّةٍ معقّدةٍ وحداثة عهدٍ بالدولة. وكان البيت الأمويّ يمتلك وجاهةً وشبكة علاقاتٍ واسعةً ونفوذاً قبليّاً موروثاً؛ فجاء استثمار هذا النفوذ لضبط الأمن وتأمين الأطراف؛ لكون سادة القبائل أطوع لرجالات مكة وأهيب لهم.

ومنها: تشتيت المنافقين ودفعهم للأطراف:

فإنّ مركز الدولة الإسلاميَّة كانت المدينة ومكّة، ومن المناسب تشتيت المنافقين نحو الأطراف لئلا يجتمعوا في عاصمة الدولة ويحيكوا المؤامرات، لخطورة اجتماعهم في العاصمة. مع إشغالهم في إدارة شؤون المسلمين ومعالجة مشاكلهم ونحو ذلك.

الخلاصة: إنّ القول بتعيين أبي سفيان على نجران حتَّى وفاته (صلى الله عليه وآله) ساقطٌ من الناحية النقديَّة والتاريخيَّة ولم يثبت سنداً. وعلى فرض صحة استيعاب أبي سفيان وابنه يزيد في بعض المفاصل الإداريَّة والماليَّة بأواخر العهد النبويّ، فإنّ ذلك يمكن أن يكون لعوامل استراتيجيَّةٍ معيَّنةٍ، مثل تأليف القلوب واستثمار العلاقات القبليَّة والإبعاد عن العاصمة والإشغال بمعالجة مشاكل المسلمين، ولا يدلّ ذلك أبداً على تميُّزٍ فذٍّ عن أكابر الصحابة.

نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أوّلاً وآخراً.