هل من علاقة بين الداروينية والشيوعية؟

السؤال: هل من علاقةٍ تجمع بين الداروينيَّة والشيوعيَّة؟ حيث يقال إنَّ الماركسيَّة هي تطبيقٌ اجتماعيّ للداروينيَّة؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

كثيراً ما يُقال: إنَّ الماركسيَّة ليست إلّا تطبيقاً اجتماعيّاً للداروينيَّة، وإنَّ ما فعله ماركس في المجتمع هو نفسه ما فعله داروين في الطبيعة.

وهذه العبارة فيها شيءٌ من الصحة من جهةٍ، وفيها قدرٌ كبيرٌ من التبسيط والخلط من جهةٍ أخرى.

نعم، توجد علاقةٌ فكريَّةٌ وتاريخيَّةٌ بين الداروينيَّة والماركسيَّة، لكنَّ هذه العلاقة ليست علاقة تطابقٍ ولا علاقة ولادةٍ مباشرةٍ. فالماركسيَّة لم تنشأ من الداروينيَّة، ولم تكن مجرّد نقلٍ لفكرة «البقاء للأصلح» من عالم الحيوان إلى عالم الإنسان والمجتمع. والدليل الواضح على ذلك: أنَّ الفكر الماركسيّ كان قد بدأ وتبلور قبل صدور كتاب داروين الشهير «أصل الأنواع»، فقد صدر البيان الشيوعيّ لماركس وإنجلز سنة 1848، بينما ظهر كتاب داروين سنة 1859، وهذا يعني أنَّ الماركسيَّة لم تكن في أصلها نتيجةً مباشرةً للداروينيَّة.

لكنْ في الوقت نفسه، لا يصحّ إنكار أنَّ ماركس وإنجلز أُعجبا بداروين، ورأيا في نظريّته ما ينسجم مع نظرتهما الماديَّة إلى العالم، فقد قدَّم داروين تفسيراً طبيعيّاً لنشوء الأنواع وتطوّرها، من غير حاجةٍ إلى تفسيرٍ دينيّ أو غيبيّ مباشرٍ، وهذا ما وجد فيه الماركسيّون سنداً قويّاً للنزعة الماديَّة التي كانوا يتبنونها. فداروين، في نظرهم، نقل تفسير الحياة من الثبات إلى التطوّر، ومن التصور الغيبيّ إلى القانون الطبيعيّ، ومن فكرة الأنواع الثابتة إلى فكرة التحوّل والصيرورة.

ومن هنا جاء التشابه بين الداروينيَّة والماركسيَّة في الجوّ العامّ، لا في الموضوع المباشر؛ داروين كان يتحدّث عن تطوّر الكائنات الحيَّة في الطبيعة، أمّا ماركس فكان يتحدّث عن تطوّر المجتمعات والأنظمة الاقتصاديَّة في التاريخ. داروين بحث في الأنواع، والتكيّف، والانتخاب الطبيعيّ، والصراع من أجل البقاء. أمّا ماركس فبحث في الطبقات، والعمل، ورأس المال، والملكيَّة، والصراع بين المستغِلّ والمستغَلّ.

إذن، هناك تشابهٌ في طريقة التفكير: كلاهما يتحدّث عن واقعٍ متغيّرٍ، وعن صراعٍ، وعن تحوّلٍ، وعن قوانين تحكم الحركة. لكنَّ هذا لا يعني أنَّ نظريّة ماركس هي نفسها نظريّة داروين وقد نُقِلت إلى المجتمع؛ فالطبيعة عند داروين ليست هي المجتمع عند ماركس، وصراع الحيوان من أجل البقاء ليس هو صراع الإنسان من أجل العدالة والحقوق وتغيير النظام الاقتصاديّ.

والخلط الأكبر يقع عندما يقال: إنَّ الماركسيَّة هي «داروينيَّةٌ اجتماعيَّةٌ»؛ فالداروينيَّة الاجتماعيَّة شيءٌ آخر، وهي غالباً استُخدِمت لتبرير بقاء الأقوياء وسحق الضعفاء، وكأنَّ المجتمع يجب أنْ يُدار بمنطق الغابة: القويّ يبقى، والضعيف يسقط. وهذه الفكرة استُعمِلت أحياناً لتبرير الرأسماليَّة المتوحّشة، والاستعمار، والعنصريَّة، والتمييز الطبقيّ، بحجة أنَّ هذا هو قانون الطبيعة.

أمّا الماركسيَّة، فهي وإنِ اشتركت مع الداروينيَّة في النظرة الماديَّة والصراعيَّة، إلا أنَّها لم تكن دفاعاً عن بقاء الأقوى، بل كانت في أصلها احتجاجاً على استغلال الضعفاء من قِبَل الأقوياء، فهي لا تقول: اتركوا القويّ يأكل الضعيف لأنَّ هذا قانون الطبيعة، بل تقول: إنَّ المجتمع القائم على الاستغلال يجب أنْ يتغير لصالح الطبقات المظلومة، ومن هنا يظهر الفرق الجوهريّ بين الداروينيَّة الاجتماعيَّة التي قد تبرر الظلم باسم الطبيعة، والماركسيَّة التي تزعم أنَّها تريد إنهاء الظلم الطبقيّ باسم العدالة الاجتماعيَّة.

ومع ذلك، تبقى بين الماركسيَّة والداروينيَّة نقطة اشتراكٍ خطيرةٌ من زاوية الرؤية الدينيَّة، وهي أنَّ كليهما ساهم - بدرجاتٍ مختلفةٍ - في ترسيخ تفسيرٍ ماديّ للإنسان والعالم. فالداروينيَّة حين تُفهَم فهماً ماديّاً مغلقاً تجعل الإنسان امتداداً للتطور البيولوجيّ فحسب، والماركسيَّة تجعل الإنسان نتاجاً للشروط الاقتصاديَّة والصراع الطبقيّ. وفي الحالتين يتمّ تقليل شأن البعد الروحيّ والأخلاقيّ والغائيّ في الإنسان، ويُنظَر إليه غالباً بوصفه كائناً تصنعه المادّة أو الطبيعة أو الاقتصاد أو الصراع.

وفي المحصّلة، الجواب الدقيق هو أنَّ الداروينيَّة والماركسيَّة تلتقيان في المناخ الماديّ العامّ، وفي فكرة التطور والصراع والتحوّل، لكنَّهما ليستا شيئاً واحداً. الداروينيَّة نظريّةٌ في تفسير تطور الكائنات الحيَّة، والماركسيَّة نظريّةٌ في تفسير تطوّر المجتمعات والصراع الطبقيّ، وقد استفاد ماركس وإنجلز من داروين بوصفه شاهداً علميّاً على أنَّ العالم ليس ثابتاً، وأنَّ التاريخ والطبيعة يتحركان بقوانين ماديَّةٍ، لكنَّهما لم ينقلا الداروينيَّة كما هي إلى المجتمع.