لماذا نحتاج إلى رجال الدين؟

السؤال: هل ترون ضرورةً لهذا العدد الهائل من رجال الدين في بلاد الشيعة ومعظمهم بلا عملٍ إلَّا إذا كان وعظاً وخطابةً في بعض المناسبات؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

السؤال في ظاهره يتحدَّث عن «كثرة رجال الدين»، لكنَّه في عمقه يكشف عن مشكلةٍ في فهم وظيفة الدين، ووظيفة العالم الدينيّ داخل المجتمع.

فليس صحيحاً أنَّ رجل الدين لا عمل له إلَّا أنْ يخطب في بعض المناسبات، هذه نظرةٌ سطحيّةٌ جدّاً؛ لأنَّها تختزل الدين في المنبر، وتختزل المنبر في مناسبةٍ، وتختزل العالم في مظهره الخارجيّ. بينما وظيفة العالم الدينيّ أوسع من ذلك بكثير: تعليمٌ، إرشادٌ، فتوى، إصلاحٌ اجتماعيّ، توجيهٌ أخلاقيّ، حفظٌ للتراث، بيانٌ للأحكام، ردٌّ للشبهات، رعايةٌ للمساجد والحسينيَّات، متابعةٌ لقضايا الأسرة، معالجةٌ للنزاعات، تربيةٌ للأجيال، وصناعةٌ للوعي العامّ.

قد لا يرى الإنسان هذا العمل كما يرى الطبيب في المستشفى، أو المهندس في الورشة، أو الموظّف خلف المكتب، لكنّه عملٌ موجودٌ ومؤثرٌ.

فهل كلّ عملٍ لا يُقاس بالساعة الإداريَّة أو الراتب الشهريّ يصبح بلا قيمةٍ؟ وهل الوعظ والتوجيه وبناء الوعي الأخلاقيّ أقلّ شأناً من المهن الأخرى؟ بل إنَّ كثيراً من أزمات المجتمع اليوم سببها أنَّ الناس تقدَّمت في العمران والمال والتقنيّة، لكنَّها تراجعت في المعنى والأخلاق والبصيرة.

ثمَّ إنَّ وجود عددٍ كبيرٍ من طلبة العلوم الدينيَّة في بلاد الشيعة ليس أمراً طارئاً ولا عبثيّاً؛ لأنَّ المجتمع الشيعيّ تاريخيّاً اعتمد على مؤسسةٍ علميَّةٍ مستقلّةٍ تحفظ هويّته وفقهه وعقيدته وتراثه، ولم يكن يعتمد دائماً على مؤسّسات السلطة والدولة؛ فالحوزة العلميَّة لم تكن مجرّد معهدٍ لإنتاج الخطباء، بل كانت مؤسّسةً لحفظ الدين، وتخريج الفقهاء، والمبلّغين، والباحثين، والمحقّقين، والمدرّسين، وأصحاب الرأي في قضايا الأمّة.

ومن الخطأ أيضاً أنْ نتصوّر أنَّ كلّ مَنْ لبس الزي الدينيّ صار مرجعاً أو عالماً كبيراً أو مسؤولاً عن الأمّة، في كلّ حقلٍ علميّ توجد مراحل: طالبٌ، ومدرسٌ، وباحثٌ، ومتخصّصٌ، ومبتدئٌ، ومتوسطٌ، ومجتهدٌ، فكما لا نقول: إنَّ كثرة طلاب الطبّ مشكلةٌ لأنَّهم لم يصبحوا كلّهم جرّاحين، ولا نقول إنَّ كثرة طلاب القانون عبءٌ لأنَّهم ليسوا كلّهم قضاةً، كذلك لا يصحّ أنْ نقيس الحوزة بهذه الطريقة الساذجة. وجود طلبة علمٍ كثيرين لا يعني أنَّ الجميع في مستوىً واحدٍ ولا أنَّ الجميع بلا فائدةٍ.

نعم، يمكن أنْ نناقش قضيَّةً مهمّةً، وهي: هل كلّ الموجودين في السلك الدينيّ مؤهّلون؟ هل هناك مَنْ يعيش على العنوان من دون عطاءٍ حقيقيّ؟ هل توجد حاجةٌ إلى تطوير المناهج، وتنظيم الأدوار، وتقوية الروابط بحاجات المجتمع؟ هذا نقدٌ صحيحٌ ومطلوبٌ. ولكنَّ فرقاً كبيراً بين نقد الأداء والدعوة إلى إلغاء المؤسّسة. وفرقٌ بين أنْ نقول: نريد عالماً أكثر كفاءةً وفاعليَّةً، وبين أنْ نقول: لماذا نحتاج إلى هذا العدد من رجال الدين؟

والحقيقة أنَّ المجتمعات اليوم لا تحتاج إلى تقليل العلماء بقدر ما تحتاج إلى علماء أكثر وعياً بزمانهم.

نحن لا نعاني من كثرة أهل العلم، بل نعاني أحياناً من قلّة العالم الرساليّ القادر على فهم أسئلة الناس، ومخاطبة الشباب، والردّ على الشبهات، وربط الدين بالحياة، وتقديم خطابٍ عميقٍ بعيدٍ عن التكرار والسطحيَّة.

أمّا القول إنَّ معظمهم «بلا عمل»، فهو تعميمٌ ظالمٌ، فالكثير منهم يدرّس، ويكتب، ويبلغ، ويرشد، ويجيب عن المسائل، ويدير مؤسّساتٍ، ويتابع شؤون الناس، ويخدم في القرى والمدن والمجتمعات الصغيرة التي لا تصل إليها المؤسّسات الرسميَّة. وهناك مَنْ يعمل بصمتٍ ولا يظهر في الإعلام ولا على المنابر الكبرى، ومع ذلك له أثرٌ كبيرٌ في حفظ دين الناس واستقرارهم الأخلاقيّ والاجتماعيّ.

ثمَّ إنَّ الوعظ والخطابة ليسا عملاً هامشيّاً كما يصوّره البعض، الكلمة قد تبني إنساناً، وقد تردع شاباً عن الانحراف، وقد تحفظ أسرةً من الانهيار، وقد توقظ ضميراً غافلاً، وقد تمنح مجتمعاً القدرة على الصبر والصمود، والأمم لا تُبنى بالاقتصاد وحده، ولا بالقوانين وحدها، بل تحتاج إلى معنىً وقيمٍ وهويَّةٍ، ومن هنا كانت وظيفة العالم والمبلغ والخطيب جزءاً من وظيفة المجتمع في حفظ روحه.

نعم، نحن لا ندافع عن البطالة باسم الدين، ولا عن الجهل باسم العمامة، ولا عن الضعف العلميّ باسم القداسة.

مَنْ يحمل عنوان الدين يجب أنْ يكون بمستوى المسؤوليّة، علماً وخلقاً ووعياً وخدمةً. لكنَّ معالجة الخلل لا تكون بالسخريّة من رجال الدين ولا بتصويرهم كأنَّهم عبءٌ على المجتمع، بل بإصلاح التعليم الدينيّ، ورفع مستوى الكفاءة، وتوزيع الأدوار، وربط طالب العلم بحاجات الناس الحقيقيَّة.

فالبلد الذي يحتاج إلى آلاف الأطباء والمهندسين والمعلّمين والمحامين والإعلاميّين، يحتاج أيضاً إلى علماء ومبلّغين ومربّين ومرشدين؛ لأنَّ الإنسان ليس جسداً فقط، ولا سوقاً فقط، ولا آلة إنتاجٍ فقط. الإنسان عقلٌ وروحٌ وضميرٌ وأسرةٌ ومجتمعٌ وهويَّةٌ، وإذا تُرِكت هذه المساحات فارغةً فلن تبقى فارغةً، بل ستملؤها التفاهة، والشبهات، والانحرافات، والثقافات الدخيلة.

وفي المحصّلة، ليس السؤال الصحيح: لماذا يوجد هذا العدد من رجال الدين؟ بل السؤال الصحيح: كيف نجعل هذا العدد أكثر علماً، وأكثر نفعاً، وأكثر ارتباطاً بحاجات المجتمع؟

فالمشكلة ليست في أصل وجود العلماء، وإنَّما في مستوى التأهيل والفاعليَّة، أمّا أنْ يتحوّل النقد إلى استهزاءٍ بالمؤسّسة الدينيَّة كلّها، فهذا ليس إصلاحاً، بل جهلٌ بوظيفة الدين في حياة الإنسان والمجتمع.