هل كانط معارض للدين أم مدافع عنه؟
الرؤية النقديَّة التي جاء بها إيمانويل كانط في كتابه "نقد العقل الخالص" كانت دعامةً للفكر المعادي للدين، مع أنَّه كما يقال عنه: كان متديِّناً جدّاً. ما سبب هذا التناقض بين الاعتقاد عنده وبين الفكر أو نتاجه العقليّ؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ ما يبدو للوهلة الأولى تناقضاً في فكر «إيمانويل كانط» بين تديُّنه الشخصيّ وبين الأثر الذي أحدثه كتابه نقد العقل الخالص، ليس في حقيقته تناقضاً، بل نتيجة قراءةٍ غير مكتملةٍ لمشروعه الفلسفيّ. فكانط لم يكن بصدد هدم الدين، بل كان يعمل على إعادة تحديد موقعه ضمن بنية المعرفة الإنسانيَّة.
فالسياق الذي كتب فيه كانط كتابه كان سياقاً فلسفيّاً مضطرباً بين اتجاهين:
أحدهما: اتجاهٌ عقلانيٌّ: يدَّعي القدرة على إثبات كلّ شيءٍ بالعقل، بما في ذلك وجود الله.
والآخر: اتجاهٌ تجريبيٌّ: يشكّك في قدرة العقل على معرفة أيّ شيءٍ خارج التجربة.
فجاء مشروعه النقديّ ليضع حدّاً لهذا التوسع غير المنضبط، ويسأل سؤالاً مركزيّاً: ما الذي يستطيع العقل أن يعرفه بالفعل؟
ومن خلال هذا التحليل، انتهى كانط إلى نتيجةٍ مهمَّةٍ، وهي أنَّ العقل النظريّ – أي العقل الذي يشتغل في مجال الطبيعة والتجربة – لا يستطيع أن يثبت وجود الله، ولا أن ينفيه، ليس لأنَّ الله غير موجودٍ، بل لأنَّ الله ليس موضوعاً من موضوعات التجربة حتى يخضع لأدواتها، فكما لا يمكن للعلم التجريبيّ أن يثبت مفاهيم مثل «العدالة» أو «الحريَّة» بوصفها حقائق ماديَّةً، كذلك لا يمكنه أن يثبت وجود الله.
وهنا وقع سوء الفهم. فبعض الاتجاهات الفكريَّة أخذت من كانط هذه النتيجة الجزئيَّة، واعتبرتها دليلاً على أنَّ «العقل لا يصل إلى الله»، ثم بنَت عليها موقفاً معادياً للدين، لكن هذا في الحقيقة اقتطاعٌ لنصف الفكرة فقط؛ لأنَّ كانط لم يتوقف عند هذا الحدّ.
فالخطوة الثانية في مشروعه كانت نقل الإيمان من مجال «العقل النظريّ» إلى مجالٍ آخر أسماه «العقل العمليّ»، أي مجال الأخلاق. ففي تحليله، يرى كانط أنَّ الإنسان حين يلتزم التزاماً أخلاقيّاً حقيقيّاً، فإنَّه يفترض ضمناً وجود نظامٍ كونيٍّ عادلٍ، لا يضيع فيه الحقّ، ولا يفلت فيه الظالم. وهذا الالتزام الأخلاقيّ – لكي يكون معقولاً – يستدعي الإيمان بوجود الله، وبوجود عالمٍ آخر تتحقق فيه العدالة الكاملة.
ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة: «اضطررتُ إلى نفي المعرفة لأفسح المجال للإيمان»، أي: أنَّه لم ينفِ الإيمان، بل نفى الادّعاء بأنَّ الإيمان يمكن إثباته بنفس الطريقة التي تُثبت بها الظواهر الطبيعيَّة، لكي يحفظ له مجاله الخاصّ.
بهذا المعنى، كان كانط يحاول حماية الدين من أن يُختزل في برهانٍ علميٍّ قابلٍ للنقض، أو أن يُهاجم من نفس الزاوية، فهو لم يُرد أن يجعل الإيمان تابعاً للتجربة، بل أراد أن يؤسس له أساساً أعمق في طبيعة الإنسان الأخلاقيَّة. لكن الإشكال الذي وقع لاحقاً هو أنَّ كثيراً من المفكرين فصلوا بين هذين البعدين في فلسفته: أخذوا «نقد العقل» وتركوا «فلسفة الأخلاق»، فظهر وكأنَّ كانط يفتح الباب لإنكار الدين، بينما هو في الحقيقة كان يحاول أن يعيد بناءه على أساسٍ مختلفٍ.
وفي المحصّلة، لا يوجد تناقضٌ حقيقيٌّ في فكر كانط بين إيمانه ومشروعه الفلسفيّ، بل هناك انتقالٌ من تصورٍ للدين قائمٍ على البرهان النظريّ، إلى تصورٍ آخر يربطه بالبعد الأخلاقيّ للإنسان. أمَّا ما يبدو تناقضاً، فهو نتيجة قراءةٍ مجتزأةٍ لمشروعه، لا نتيجة خللٍ فيه.
اترك تعليق