العلاقة بين الإمام الجواد (ع) والسلطة العباسية

السؤال: ما هي طبيعة المحدّدات السياسيَّة التي حكمت العلاقة بين الإمام محمدٍ الجواد (عليه السلام) ومؤسَّسة الخلافة العبَّاسيَّة؟

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم - أيَّدك الله - أنَّ علاقة الإمام محمدٍ الجواد (عليه السلام) ببني العبَّاس كانت علاقةً معقَّدةً وحذرةً، تميَّزت بالصراع المكتوم والضغوط السياسيَّة الشديدة من قِبل السلطة العبَّاسيَّة، ورغم مظاهر التكريم السطحيَّة، والهدوء السياسيّ النسبيّ، إلَّا أنَّها كانت تهدف إلى احتواء الإمام ومراقبتِه.

ويمكن تلخيص هذه العلاقة في محوريْن أساسييْن بحسب فترات الحكم العبَّاسيّ في عهده:

1ـ عهد المأمون العبَّاسيّ (الاحتواء والمراقبة):

تشير المصادر التاريخيَّة — كـ [الإرشاد ج2 ص281] للشيخ المفيد — إلى أنَّ قرار الخليفة المأمون العبَّاسيّ بتزويج ابنته أُمّ الفضل من الإمام أبي جعفرٍ محمد بن عليّ الجواد (عليه السلام) في سنة اثنتين ومائتين، قوبل بـمعارضةٍ شديدةٍ من البيت العبَّاسيّ.

وقد انطلقت هذه المعارضة من هواجس سياسيَّةٍ تتعلَّق بـمخاوف انتقال السلطة وخروج الخلافة من العبَّاسيِّين إلى الطالبيِّين، قياساً على التجربة السابقة مع الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام).

ومن المنظور التحليليّ، لم يكن هذا المصاهرة مجرَّد حدثٍ اجتماعيّ، بل مثَّل استراتيجيَّة احتواءٍ سياسيٍّ فرضتها السلطة بهدف إخضاع الإمام للرقابة اللصيقة داخل البلاط، وتحجيم حراكِه الاجتماعيّ والدينيّ عبر توظيف أُمّ الفضل كقناة رصدٍ أمنيّ.

وفي السياق ذاته، مثَّل هذا الزواج مناورةً سياسيَّةً اصطنع عبرها المأمون تقرّباً رمزيّاً من الطالبيِّين؛ لامتصاص السخط العامّ وتطويق أزماتٍ مركَّبةٍ كادت تعصف بعرش الخلافة. فقد واجهت سلطتُه تآكلاً حادّاً في الشرعيَّة جراء اضطراباتٍ اقتصاديَّةٍ، ومجاعاتٍ، وتجاوزات الولاة، بالتزامن مع تفشّي الفتن وعجز الإدارة المركزيَّة. وتجسَّد هذا التهديد بـحراكٍ معارضٍ واسع النطاق متعدّد الجغرافيا؛ ففي المركز (بغداد) قاد عمُّه إبراهيم بن المهدي تمرّداً شرعيّاً وسياسيّاً ضدَّه، بينما شهدت الأطراف الحيويَّة سلسلة ثوراتٍ علويَّةٍ مسلَّحةٍ. تمثلَّت هذه الثورات في حركة أبي السرايا في الكوفة، وتحرّكات أبناء وأحفاد الإمام موسى بن جعفرٍ والبيت العلويّ، كزيد بن موسى بالبصرة، ومحمد بن جعفرٍ (الديباج) في مكة، وإبراهيم بن موسى في اليمن، ومحمد بن سليمان في المدينة، فضلاً عن انتفاضات واسط بقيادة جعفر بن محمدٍ والحسين بن إبراهيم، والمدائن بزعامة محمد بن إسماعيل؛ ممَّا جعل التقارب مع الإمام الجواد (عليه السلام) ضرورةً أمنيَّةً ملحَّةً لإعادة التوازن.

2ـعهد المعتصم العبَّاسيّ (التشديد والشهادة):

تغيَّرت السياسة اللينة بعد موت المأمون وتولّي المعتصم، حيث كان الأخير يرى في الإمام خطراً عقائديّاً وسياسيّاً يهدّد شرعيَّة حكمه، فاستدعى المعتصم الإمام الجواد من المدينة المنورة إلى بغداد سنة مائتين وعشرين للهجرة ليكون تحت الإقامة الجبريَّة المباشرة والمشدَّدة. لقد كان هذا الاستقدام بمثابة الإقامة الجبريَّة تتبعه عمليَّةٌ أكبر وهي التصفية الجسديَّة.

بالإضافة إلى أنَّ الحضور الروحيَّ والمعرفيَّ للإمام محمدٍ الجواد (عليه السلام) شكَّل عمقاً استراتيجيّاً هدَّد شرعيَّة السلطة العبَّاسيَّة؛ نتيجة الحادثة الفقهيَّة الشهيرة التي رواها المؤرّخون عن زرقان نقلاً عن قاضي القضاة ابن أبي دؤاد في مجلس الخليفة المعتصم. حيث كشفت مناظرة تحديد حدّ السرقة عن تفوّقٍ معرفيّ للإمام الجواد (عليه السلام) على فقهاء السلطة؛ إذ تمكَّن بالاستناد إلى الأدلَّة القرآنيَّة والنبوية التوفيقيَّة استدلالاً بآية: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: 18]، من حسم الحكم الفقهيّ، ممَّا دفع المعتصم لاعتماد رأيِه وإقصاء آراء الفقهاء الرسميِّين.

ولم يكن هذا التميّز المعرفيّ حدثاً عابراً، بل شكَّل أزمة شرعيَّةٍ للنظام الحاكم؛ ممَّا دفع ابن أبي دؤاد إلى ممارسة التحريض السياسيّ عبر تنبيه المعتصم إلى خطورة هذا الحدث؛ كونَه يكرّس الأحقّيَّة الإماميَّة في الوجدان الشعبيّ على حساب السلطة الزمنيَّة للخليفة [ينظر: بحار الأنوار ج5 ص6]. هذا التوجّس الأمنيّ أدَّى سريعاً إلى انتقال السلطة من استراتيجيَّة الاحتواء إلى استراتيجيَّة التصفية الجسديَّة؛ حيث أوعز الطاغية المعتصم لابنة أخيه أُمّ الفضل بأن تسمَّه لأنَّه وقف على انحرافها عن أبي جعفرٍ (عليه السلام) وشدَّة غيرتها عليه فأجابته إلى ذلك وجعلت سمّاً في عنبٍ رازقيٍّ ووضعته بين يديه، فلمَّا أكل منه ندمت وجعلت تبكي فقال: «ما بكاؤكِ؟ والله ليضربنَّكِ الله بفقرٍ لا ينجبر، وبلاءٍ لا ينستر»، فماتت بعلَّةٍ في أغمض المواضع من جوارحها، صارت ناصوراً فأنفقت مالها وجميع ما ملكته على تلك العلَّة، حتى احتاجت إلى الاسترفاد [ينظر: بحار الأنوار ج5 ص17].

وقد قضى جواد الأئمَّة نحبه شهيداً بالسمّ في سنٍّ مبكرةٍ؛ حيث بلغ عمره الشريف خمسة وعشرين عاماً، ليكون بذلك الأصغر سنّاً في سلسلة أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام). وعلى الرغم من التعدّديَّة الرواياتيَّة في تحديد الميقات الزمنيّ الدقيق لشهادته، وثَّق المؤرّخون عدَّة أقوالٍ منها: الخامس من ذي القعدة، أو أواخر شهر ذي الحجة (بخمسٍ أو ستّ ليالٍ بقين أو خلون منه)، في حين يتَّجه المشهور تاريخيّاً إلى أنَّ شهادته كانت في أواخر شهر ذي القعدة [الكافي ج1 ص497].

نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أوَّلاً وآخِراً.