تقويم العولمة بين الخير والشر من منظور الإمامية

السؤال: هل هناك فوائدٌ للعولمة من وجهة نظر الشيعة الإماميَّة، أو هي شرٌّ مطلق؟

: اللجنة العلمية

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ البحث في العولمة ليس بحثاً في لفظٍ عابر، بل هو تفكيكٌ لظاهرةٍ مركَّبةٍ تتداخل فيها الأبعاد الفكريَّة والاقتصاديَّة والثقافيَّة. ومع كونها مفردةً مستحدثةً، إلَّا أنَّه يمكن إرجاعها إلى أصلٍ في اللغة العربيَّة.

فالعولمة (ثلاثيٌّ مزيد، يقال: عولمة، على وزن قولبة، واللفظ مشتقٌّ من العالَم.. أي: صرنا عالَميِّين، ومعنى العالَميَّة: أن تتحد كلّ شعوب العالم في جميع أمورها على نحوٍ واحدٍ وهيئةٍ واحدةٍ في الجملة، فيكونوا كبيتٍ واحد، وأسرةٍ واحدة..) [فقه العولمة ص31، معجم المعاني الجامع (العولمة)].

وفي اصطلاح علم الاجتماع والأدب المعاصر، فإنَّ العولمة: (إعطاء الشيء صفة العالَميَّة، من حيث النطاق والتطبيق) [فقه العولمة ص32]. ووُصفت بالنظر إلى الواقع المعاصر بأنَّها: (هيمنة النمط الرأسماليّ الأمريكيّ…) [نفس المصدر ص34].

فهي عمليَّةٌ شاملةٌ بدأت من أجل الهيمنة الاقتصاديَّة، ثم توسعت إلى المجالات السياسيَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة وحتى الدينيَّة، ليكون الجميع في خدمتها. وهي في نظر الشعوب المستباحة منها: (تلك العمليَّات التي من خلالها تصبح الدولة القوميَّة وسيادتها عرضةً للتداخل من قبل فاعلين عابرين للحدود الوطنيَّة) [ينظر: ما هي العولمة لأولريش بك ص26-27].

وتقويمها ضمن المنهج الإماميّ، القائم على قاعدة «الحسن والقبح العقليَّين» ومبدأ «عرض الأمور على الكتاب والسنَّة»، لا يحكم على العولمة حكماً مطلقاً، بل يفككها إلى محتوىً وشكلٍ. فالعولمة بما هي وسيلة نشرٍ واتصالٍ وتبادلٍ إنسانيّ، ليست شرّاً بذاتها، بل قد تكون تجلِّياً لمقصدٍ قرآنيٍّ أصيل: {لِتَعَارَفُوا} [الحجرات:13]، وتفتح آفاقاً لانتشار الحق والخير، بل قد تكون وسيلةً لتمهيد الأرض لقيم العدل الإلهيّ التي بشَّر بها أهل البيت (ع).

إلَّا أنَّ الإشكال كلّ الإشكال هو: «ماذا نعولم؟». فإن كان المعولَم فكراً منسجماً مع الفطرة والوحي، فهي نعمةٌ كبرىً، وإن كان محمَّلاً برؤىً ماديَّةٍ أو قيمٍ متفلِّتةٍ، انقلبت إلى أداة هيمنةٍ واستلابٍ. وهنا تتجلَّى خطورة ما أشار إليه التعريف الواقعيّ: (هيمنة النمط الرأسماليّ الأمريكيّ) حيث تتحول العولمة من جسر تواصلٍ إلى أداة فرضٍ ثقافيٍّ.

وقد نبَّه القرآن الكريم إلى هذا المنزلق بقوله تعالى: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120]، إشارةً إلى وجود سعيٍ دائمٍ لجرِّ الفرد المسلم إلى التنازل عن ثوابته. ويؤكد هذا المعنى نهيه تعالى: {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 48]، بما يؤكد رفض الانجرار خلف قيمٍ تخالف الوحي الإلهيّ، وفيه أيضاً تحذيرٌ من الذوبان في الآخر، لا من التواصل معه، فيرسم لنا سبحانه حدّاً فاصلاً بين الانفتاح الواعي والتبعيَّة المذمومة.

وفي تراث أهل البيت (عليهم السلام)، يتجسد هذا الوعي في كلماتٍ جامعةٍ، كما روي عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «لا تشبَّهوا باليهود والنصارى» [وسائل الشيعة ج4 ص57]، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «فإنَّه قلَّ مَن تشبَّه بقومٍ إلَّا أوشك أن يكون منهم» [نهج البلاغة ص506]، وعن الإمام الحسين (عليه السلام): «ويزيد رجلٌ فاسقٌ، شارب خمرٍ، قاتل النفس المحرمة، معلنٌ بالفسق، مثلي لا يبايع لمثله» [الفتوح ج5 ص14].

وهذه ليست شعاراتٍ ظرفيَّةً، بل قواعدٌ حضاريَّةٌ ترفض الذوبان تحت أيّ ضغطٍ ثقافيٍّ أو سياسيٍّ.

وعليه، فالعولمة في الرؤية الإماميَّة ليست شرّاً مطلقاً ولا خيراً مطلقاً، بل هي «أداة»؛ فإن دخلت في دائرة القيم الإلهيَّة كانت امتداداً للحق، وإن وقعت في قبضة الهيمنة الماديَّة صارت خطراً على الهويَّة والدين. وهذا التفكيك هو عين المنهج العلميّ والفقهيّ الذي يزن الأشياء بميزان الدليل لا بردود الأفعال.

بعد هذا البيان يأتي سؤالٌ في غاية الأهميَّة: كيف يمكن الحفاظ على ثقافتنا وأخلاقنا في ظلّ هذا التدفق الهائل من المعلومات والانبهار بما يقدمه الغرب من منجزات، إذا ثبت أنَّ العولمة ساحة صراعٍ لا مهرب منها، فإنَّ السؤال الأعمق هو: كيف نحفظ الذات من الذوبان دون أن ننغلق عن العالم؟ والجواب في المنهج الإماميّ ينبني على معادلةٍ دقيقةٍ: "الانفتاح الواعي مع التحصين الداخليّ".

فأول أسس المواجهة هو بناء القوَّة، امتثالاً لقوله تعالى: {وَأَعِدّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال:60]، وهي قوَّةٌ شاملةٌ لا تقتصر على السلاح، بل تشمل العلم والاقتصاد والإعلام. ومن دون هذه القوَّة تتحول الأمَّة إلى مستهلكٍ لما يُفرض عليها، لا فاعلٍ في تشكيل الواقع.

ثم يأتي العلم بوصفه سلاح العصر، وقد أشار الحديث المرويّ عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) إلى ذلك بوضوحٍ حين أكد ضرورة الاستفادة من منجزات الآخرين، انسجاماً مع التوجيهات الواردة: «اطلبوا العلم ولو بالصين» [بحار الأنوار ج2 ص32].

وقد أشار الإمام الصادق (عليه السلام) إلى العلوم التجريبيَّة بالخصوص، وهي المرتكز الرئيس لأهمّ ما تستند عليه العولمة من تطورٍ في العلوم الطبيعيَّة والتكنولوجيَّة، فقال (عليه السلام) – في حديثٍ –:

«إذا أردت أن تعرف سعة حكمة الخالق، وقصر علم المخلوقين، فانظر إلى ما في البحار من ضروب السمك ودواب الماء والأصداف والأصناف التي لا تُحصىٰ، ولا تعرف منافعها إلَّا الشيء بعد الشيء يدركه الناس بأسبابٍ تحدث، مثل القرمز فإنَّه لمَّا عرف الناس صبغه، بأنَّ كلبةً تجول على شاطئ البحر فوجدت شيئاً من الصنف الذي يسمى الحلزون، فأكلته فاختضب خطمها بدمه، فنظر الناس إلى حسنه فاتخذوه صبغاً، وأشباه هذا ممَّا يقف الناس عليه حالاً بعد حالٍ وزماناً بعد زمانٍ» [التوحيد للمفضَّل ص77].

فأدرج التجريبيَّات ضمن المنافع التي ينتفع منها الناس، وما به يُعتبر وما يُستدل به على سعة خلق الله عزَّ وجلّ.

فالموقف الإماميّ لا يرفض التقدم الغربيّ من حيث هو تقدمٌ، بل يرفض الانبهار الذي يلغي الهويَّة. والفرق دقيقٌ: أن تأخذ التقنية وتبقى أنت، لا أن تأخذها فتفقد نفسك.

ومن أهمّ دوائر الحماية «الأسرة»، التي تمثل خط الدفاع الأول، كما قال تعالى: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} [التحريم: 6]. ففي زمن الانفتاح الإعلاميّ، تصبح الأسرة مسؤولةً عن بناء الوعي الأخلاقيّ، لا مجرد الرقابة الشكليَّة. وهنا تتجلَّى قيمة قول الإمام الصادق (عليه السلام): «كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً» [الأمالي للصدوق ص484]، إذ يتحول الفرد إلى سفيرٍ لقيمه في عالمٍ مفتوحٍ.

كما أنَّ الوعي الجمعيّ للأمَّة عنصرٌ حاسمٌ، فلا بدَّ من استحضار التاريخ الحضاريّ، وتعزيز الثقة بالذات، ورفض عقدة النقص أمام الغرب، وهو ما أشار إليه النص بقوله تعالى: {وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ} [آل عمران: 139]، وقوله تعالى: {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} [هود: 38]، في إشارةٍ إلى رفض عقدة النقص أمام الآخر، وتثبيت معادلة النديَّة في المواجهة. فالهزيمة النفسيَّة أخطر من الهيمنة الخارجيَّة؛ لأنَّها تمهِّد لها.

ولا يكتمل هذا البناء إلَّا بالتمييز بين «التعارف» و«الذوبان»؛ فالإسلام يقرّ الأول ويرفض الثاني، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13]، وقوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ… أَن تَبَرُّوهُمْ} [الممتحنة: 8]. وهو تأسيسٌ لعلاقةٍ إنسانيَّةٍ عادلةٍ، لا تبعيَّة فيها ولا قطيعة. فلم يدعُ الإسلام إلى الانغلاق مطلقاً، بل دعا إلى انفتاحٍ خاضعٍ لضوابط العقل والشرع.

وخلاصة القول: إنَّ الحفاظ على الثقافة والأخلاق في عصر العولمة لا يكون بالانغلاق ولا بالاستسلام، بل ببناء إنسانٍ واعٍ يمتلك معياراً داخليّاً يزن به ما يرد إليه، فيأخذ ما ينسجم مع هويته، ويرفض ما يهددها. وهكذا تتحول العولمة من خطرٍ داهمٍ إلى فرصةٍ مشروطةٍ، تُستثمر لصالح الأمَّة لا على حسابها.

والحمد لله ربّ العالمين، وصلَّى الله على خير خلقه محمدٍ وآله الطاهرين.