تاريخ شهادة أمير المؤمنين (ع)
السؤال: لم ترد روايةٌ واحدةٌ صحيحةٌ في تعيين يوم استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وإنْ صَحَّ استشهاده في شهر رمضان؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
لا يخفى على من طالع تراثنا الشريف ـ بل حتَّى عند بعض العامَّة ـ وجود عدَّة رواياتٍ مُعتبرةٍ تدلُّ على أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قد ضُرب في فجر التاسع عشر من شهر رمضان المبارك، واستُشهد في ليلة الحادي والعشرين منه، سنة أربعين للهجرة، نذكر جملةً منها:
1ـ روى الشيح الحِمْيريّ القمِّيّ عن محمَّد بن الوليد، عن عبد الله بن بكيرٍ قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الغُسل في رمضان، وأي الليل أغتسل؟ قال: تسع عشرة، وإحدى وعشرين، وثلاثة وعشرين. وفي ليلة تسع عشرة يكتب وفد الحاج، وفيها ضُرب أمير المؤمنين، وقضى (عليه السلام) ليلة إحدى وعشرين» [قرب الإسناد ص١٦٧]. والسند موثَّقٌ.
وقد نصَّ على اعتباره ـ أيضاً ـ المحقق الخوانساريّ، والسيّد الخوئيّ (قدِّس سرُّهما)، فلاحظ [مشارق الشموس ص ٣٢٩، مستند العروة الوثقى ج3 ص231].
2ـ وروى الشيخ الكلينيّ عن محمَّد بن يحيى، عن محمَّد بن الحسين وصفوان بن يحيى وعلي بن الحكم، عن العلاء بن رزينٍ، عن محمَّد بن مُسلمٍ، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «الغسل في ليالٍ من شهر رمضان، في تسع عشرة، وإحدى وعشرين، وثلاث وعشرين، وأصيب أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) في ليلة تسع وعشرة، وقبض في ليلة إحدى وعشرين (صلوات الله عليه)» [الكافي ج4 ص154]. والسند صحيحٌ، لوثاقة جميع رواته، كما لا يخفى.
وقد نصَّ على صحته ـ أيضاً ـ المجلسيان (طاب ثراهما)، فلاحظ [روضة المتقين ج11 ص50، مرآة العقول ج16 ص376].
3ـ وروى الشيخ الصدوق عن أبيه (رضي الله عنه) قال: حدَّثنا علي بن إبراهيم بن هاشمٍ، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن حريز بن عبد الله قال: قال محمَّد بن مسلمٍ، عن أبي جعفرٍ (عليه السلام): «الغسل في سبعة عشر موطناً: ليلة سبع عشرة من شهر رمضان، وهي ليلة التقاء الجمعين ليلة بدرٍ، وليلة تسع عشر، وفيها يكتب الوفد وفد السنة، وليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي مات فيها أوصياء النبيين (عليهم السلام)» [الخصال ص٥٠٨].
والسند صحيحٌ، لوثاقة جميع رواته أيضاً.
4ـ ورواها الشيخ الطوسيّ بسنده الصحيح عن محمَّد بن مُسلمٍ عن أحدهما (عليه السلام) وفيه قوله: «وليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي أصيب فيها أوصياء الأنبياء» [تهذيب الأحكام ج1 ص114].
وقد صرَّح بصحتها ـ أيضاً ـ جمعٌ من العلماء، فلاحظ [روضة المتقين ج1 ص222، ملاذ الأخيار ج1 ص424، شرح فروع الكافي للمازندرانيّ ج1 ص٣٧٠].
وتقريب الدلالة فيها: أنَّ قوله (عليه السلام): «وليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي مات فيها أوصياء النبيين. أو أصيب فيها أوصياء الأنبياء» يشمل جميع أوصياء الأنبياء، وعلى رأسهم أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما هو واضحٌ.
قال المجلسيّ الأوَّل: (قال أبو جعفرٍ الباقر (عليه السلام).. إلخ، الظاهر أنَّه صحيحة محمَّد بن مُسلمٍ التي رواها الشيخ بإسناده إليه عن أحدهما (عليهما السلام)، فغيَّر بعض التغييرات، أو رواية غيرها ... إلى قوله: «وليلة إحدى وعشرين» وهي التي أصيب فيها أوصياء الأنبياء، ووقع البلاء عليهم، ومنهم أفضل الأوصياء أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)) [روضة المتقين ج1 ص222].
5ـ وروى الشيخ الطوسيّ ـ أيضاً ـ بسنده عن الحسين بن سعيدٍ الأهوازيّ، عن القاسم بن عروة، عن عبد الله بن بكيرٍ، عن زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن الليالي التي يُستحب فيها الغسل في شهر رمضان؟ فقال: ليلة تسع عشرة، وليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وقال: في ليلة تسع عشرة يكتب فيها وفد الحاج، وفيها يفرق كلُّ أمرٍ حكيمٍ. وليلة إحدى وعشرين رفع فيها عيسى (عليه السلام)، وفيها قبض وصيّ موسى (عليه السلام)، وفيها قبض أمير المؤمنين (عليه السلام)...» [تهذيب الأحكام ج4 ص196].
أقول: أمَّا سند الشيخ الطوسيّ إلى الحسين بن سعيدٍ فهو صحيحٌ، والحسين بن سعيدٍ ثقةٌ بالاتفاق، وباقي رجاله من الثقات عدا (القاسم بن عروة) إذْ لم ينصَّ على وثاقته بشكلٍ صريحٍ، ولكنه مقبول الرواية، لذكره في القسم الأوَّل من رجال ابن داوود الحليّ (قدِّس سرُّه)، بل والنصّ على مدحه. [يُنظر: الرجال ص١٥٣]؛ ولذلك يُمكن القول باعتبار الرواية وإمكان التعويل عليها من ناحية السند.
روايات العامَّة:
1ـ روى أبو بكرٍ ابن أبي الدنيا بسنده عن محمَّد بن إسحاق قال: «ضرب عليٌّ في رمضان سنة أربعين في تسع عشرة ليلةً مضت منه، ومات في إحدى وعشرين ليلةً مضت من شهر رمضان» [مقتل علي ص58].
2ـ وروى أيضاً بسنده عن أبي الطفيل وزيد بن وهبٍ ومحمَّد بن عليٍّ وغيرهم: «أنَّ علياً ضُرب لثمان عشرة خلت من شهر رمضان، وتوفِّي في أوَّل ليلةٍ من العشر، يعني الأواخر من شهر رمضان» [مقتل علي ص59].
3ـ وروى أبو الفرج الأصفهانيّ بسنده عن الأسود والكنديّ والأجلح قالا: «توفِّي أمير المؤمنين عليٌّ (عليه السلام) وهو ابن أربع وستين سنةً، سنة أربعين في ليلة الأحد لإحدى وعشرين ليلةً مضت من شهر رمضان» [مقاتل الطالبيين ص25]. إلى غير ذلك ممّا يتعلَّق بأهل العامَّة.
كفاية الشهرة:
هذا، وليُعلم بأنَّه حتَّى لو لم ترد رواياتٌ معتبرةٌ في ذلك لكانت الشهرة كافيةً في المقام، إذْ تُعدُّ الشهرة في مثل هذه الموارد من الطرق العقلائيَّة المعتبرة في الإثبات. وقد ثبت بصورةٍ مستفيضةٍ ومشهورةٍ أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) ضُرب في فجر التاسع عشر من شهر رمضان، واستُشهد في ليلة الحادي العشرين منه، كما قلنا. وقد صرَّح بذلك جمعٌ من العلماء، نقتصر على ذكر بعضهم رعايةً للاختصار:
1ـ قال الشيخ الكلينيّ: (قُتل (عليه السلام) في شهر رمضان لتسعٍ بقين منه، ليلة الأحد سنة أربعين من الهجرة، وهو ابن ثلاثٍ وستين سنةً، بقي بعد قبض النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) ثلاثين سنةً، وأمّه فاطمة بنت أسد بن هشام بن عبد منافٍ، وهو أوَّل هاشميّ ولده هاشمٌ مرَّتين) [الكافي ج1 ص452].
2ـ وقال الشيخ المفيد: (كانت وفاة أمير المؤمنين (عليه السلام) قبيل الفجر من ليلة الجمعة، ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان، سنة أربعين من الهجرة، قتيلاً بالسيف. قتله ابن ملجمٍ المراديّ (لعنه الله) في مسجد الكوفة، وقد خرج (عليه السلام) يوقظ الناس لصلاة الصبح ليلة تسع عشرة من شهر رمضان) [الإرشاد ج1 ص9].
3ـ وقال الشيخ الطوسيّ: (أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بن عبد المطَّلب بن هاشم بن عبد منافٍ، وهو وصيّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله).... إلى قوله (طاب ثراه): وقبض (عليه السلام) قتيلاً بالكوفة ليلة الجمعة، لتسع ليالٍ بقين من شهر رمضان، سنة أربعين من الهجرة، وله يومئذٍ ثلاث وستون سنةً، وأمُّه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد منافٍ، وهو أوَّل هاشميّ ولد في الإسلام بين هاشميين، وقبره بالغريّ من نجف الكوفة) [تهذيب الأحكام ج6 ص19].
4ـ وقال الشيخ الطبرسيّ: (قُبض ليلة الجمعة لتسعٍ بقين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة قتيلاً شهيداً، قتله عبد الرحمن بن ملجمٍ المراديّ (لعنه الله) وقد خرج لصلاة الفجر ليلة تسعة عشر من شهر رمضان، وهو ينادي: "الصلاة الصلاة" في المسجد الأعظم بالكوفة، فضربه بالسيف على أمّ رأسه، وقد كان ارتصده من أوَّل الليل لذلك، وكان سيفه مسموماً. فمكث (عليه السلام) يوم التاسع عشر، وليلة العشرين ويومها، وليلة الحادي العشرين إلى نحو الثلث من الليل ثمَّ قضى نحبه (عليه السلام)، وقد كان يعلم ذلك قبل أوانه، ويخبر به الناس قبل أوانه) [إعلام الورى ج1 ص309].
5ـ وقال الشيخ عبَّاس القمِّيّ: (المشهور بين علماء الشيعة أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قُبض ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان سنة أربعين للهجرة، بعد أنْ ضربه أشقى الأمَّة عبد الرحمن بن ملجمٍ المراديّ اللعين بالسيف على رأسه في مسجد الكوفة، في وقت التنوير ليلة الجمعة) [منتهى الآمال ج1 ص239].
إلى غيرها من كلمات الأعلام في هذا المجال، كما لا يخفى.
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ المشهور عند الطائفة المحقة تبعاً للروايات المعتبرة أنَّ استشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام) كان في ليلة الحادي العشرين من شهر رمضان المبارك، سنة أربعين من الهجرة النبويَّة.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق