هل كلمة نبي ذات أصل وثني؟

السؤال: بخصوص كلمة النبيّ يقول علي الشوك «فالكلمة العبريَّة التي تقال للنبيّ هي navi أو nabhi ويظنَّ أنَّ جذرها الاشتقاقيَّ يرجع الى كلمة نابو nabu الاكديَّة، وتعني: هذه يدعو يسّمي، فالنبيُّ بالعبريَّة داعيةٌ، أو ناطقٌ باسم الرب. والكلمة لفظاً ومضموناً تذكرنا بنيبوNebo ملهم الكتابة والكلام عند السومريين» [الاساطير بين المعتقدات القديمة والتوراة علي الشوك طبعة أزمنه 2020 ص5]. هل توافقونه على ذلك؟ وهل يجوز لله استخدام كلمات من نحت حضارات تعبد الأصنام؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ الإشكال في هذا الطرح لا يكمن في اللغة نفسها، بل في المنهج الذي ينتقل من التشابه اللفظيّ إلى نتائج لا يدلُّ عليها اللفظ، فمجرد وجود تقاربٍ في اللفظ بين «نبي» و«نابو» لا يبرر القفز إلى القول بأنَّ مفهوم النبوَّة ذو أصلٍ وثنيٍّ؛ لأنَّ هناك فرقاً أساسياً يجب الانتباه إليه: اللفظ قد يتشابه، لكنَّ المعنى قد يكون مختلفاً تماماً، والخلط بين هذين المستويين هو أصل الإشكال.

فـ «النبيّ» في التصوّر الدينيّ هو إنسانٌ مصطفى يتلقى الوحيَ من الله، بينما «نابو» إلهٌ وثني ضمن منظومة شركيّة. فحتى لو تشابهت الألفاظ، فالمعاني هنا متباعدةٌ جذريّاً، ولا يمكن اختزال هذا الفرق الكبير في مجرد تقاربٍ صوتيٍّ.

فهذا النوع من الطرح يعتمد غالباً على الإيحاء أكثر من البرهان؛ إذ تُذكر أسماء مثل «نابو» و«الأساطير السومريّة» لإعطاء انطباعٍ بوجود جذورٍ وثنيّةٍ، بينما الحقيقة لا تتجاوز فرضيّة لغويّة ظنيّة، لا توجد أدلّةٌ قاطعةٌ على هذا الاشتقاق، بل مجرد احتمالٍ يُعرض وكأنَّه حقيقة، ثم تُبنى عليه نتائج كبيرة. وهذا خللٌ منهجيٌّ واضحٌ: تضخيم معطياتٍ ضعيفةٍ، ثم استخدامها لتفسير أصلٍ دينيٍّ.

وما يُطرح هنا على أنَّه اشتقاق لا يتجاوز كونه تشابهاً لغويّاً داخل عائلةٍ لغويّةٍ واحدةٍ، فاللغات الساميّة – كالعربيّة والعبريَّة والأكّاديَّة – يظهر بينها قدرٌ من التقارب في بعض الألفاظ بحكم القرابة بينها؛ ولذلك فإن مجرد وجود تقاربٍ بين لفظين لا يعني أنَّ أحدهما مأخوذٌ من الآخر، بل قد يكون كلاهما راجعاً إلى أصلٍ لغويٍّ أقدم مشترك، ومن هنا فإن جعل هذا التشابه دليلاً على علاقة اشتقاقيّةٍ مباشرةٍ هو توسيعٌ للدلالة اللغويّة خارج حدودها العلميّة.

وأمّا السؤال: هل يجوز لله استخدام ألفاظٍ من حضاراتٍ وثنيّةٍ؟

فهو مبنيٌّ على تصورٍ غير دقيقٍ لطبيعة اللغة، فاللغة ليست ملكاً لعقيدةٍ معينةٍ، بل هي أداةٌ إنسانيّةٌ مشتركةٌ يتداولها الناس قبل أن تُحمَّل بدلالاتٍ دينيّةٍ أو فكريّةٍ، والله يخاطب الناس بلغاتهم المتداولة بينهم: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4]، فلا معنى للبحث في أصلٍ وثنيٍّ أو غير وثنيٍّ للألفاظ؛ لأنَّ الاعتبار ليس لأصل الكلمة، بل للمعنى الذي تُستعمل فيه.

فقد تُستخدم الكلمة في بيئةٍ معينةٍ بدلالةٍ فاسدةٍ أو منحرفةٍ، ثم يأتي الوحي فيأخذ اللفظ نفسه ويُعيد بناء معناه على أساسٍ صحيحٍ. وبذلك لا يكون الوحي تابعاً للغة، بل مُصحِّحاً لدلالاتها وموجِّهاً لها، وهو ما يرفع هذا الإشكال من أساسه.

وفي المحصّلة، لا يوجد دليلٌ علميٌّ حاسمٌ على أنَّ كلمة «نبي» مأخوذةٌ من «نابو»، وكلُّ ما يُطرح في هذا السياق لا يتجاوز فرضيّاتٍ لغويّةً ظنيّةً. وحتى لو وُجد تشابه، فهو لا يمسّ المفهوم الدينيَّ؛ لأن الألفاظ قد تتشابه، بينما تختلف المعاني جذريّاً. أمّا تحويل هذا التشابه إلى دعوى أنَّ الدين يستمد مصطلحاته من الأساطير، فهو خلطٌ منهجيٌّ لا يقوم على أساسٍ علميٍّ متين.