هل هجرة المسلمين إلى الحبشة أسطورة؟

السؤال: أثبت المؤرخون الأحباش الأثيُبيُّون، بعد سنواتٍ طويلةٍ من البحث، أنَّه لم تحصل أيُّ هجرةٍ لصحابة «محمد» الأوائل إلى الحبشة (مملكة «أكسوم» في ذلك الوقت)، ولم يلجأ أحدٌ منهم إلى «النجاشيّ»، وأنَّ القصة تلفيقٌ إسلاميٌ لاسيما منها قصص القرآن التي سرقوها كلَّها عن بكرة أبيها من التراث اليهوديّ – التلموديّ (باستثناء قصة «أهل الكهف» التي سرقوها عن التراث السريانيّ). وكل ما في الأمر أنَّهم حوّروا قصةً لرهبانٍ سريانٍ سوريين فرُّوا إلى العاصمة الاقتصاديَّة لـ «مملكة أكسوم» آنذاك (ميناء «أدوليس»/ مدينة «زولا» الأريتيرية حالياً) هرباً بدينهم من الاضطهاد في سوريا أواسط القرن الرابع أو أوائل القرن الخامس. نزار نيوف

: الشيخ أمير الخزاعي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

في مواجهة هذا الادّعاء، نجد أنفسنا أمام شبهةٍ مركّبةٍ لا تلتزم بمسارٍ استدلاليٍّ واحدٍ، بل تنتقل من دعوى تاريخيّةٍ جزئيّةٍ إلى استنتاجٍ كلاميٍّ كلّيٍّ يتمثّل في نفي أصالة القرآن، وهو انتقالٌ يفتقد إلى الترابط المنهجيّ، ولأجل تقديم ردٍّ منضبطٍ، لا بدّ من تفكيك هذا الخطاب، فنقوم بعرض مقاطع كلامه، ثمّ نُعقّب عليها ببيان ما تضمّنته من مغالطاتٍ منطقيّةٍ، وثغراتٍ استدلاليّةٍ، وقفزاتٍ غير مبرّرةٍ بين المقدّمات والنتائج.

وقبل الشروع في هذا التفكيك التفصيليّ، لا بدّ من تقديم مقدّمةٍ منهجيّةٍ تضع الإطار العامّ لفهم محلّ النزاع وحدود الاستدلال فيه، فنقول:

لا شكّ أنّ البحث التاريخيّ يخضع لمنهجٍ خاصٍّ قائمٍ على معايير التوثيق والتمحيص، من قبيل موافقة الحدث لظروفه الزمانيّة والمكانيّة، وإمكان وقوعه، ووجود الشواهد والقرائن المؤيّدة له وغيرها، ومع ذلك، فإنّ الوصول إلى اليقين في بعض الجزئيّات التاريخيّة يبقى أمراً عسيراً، بسبب اندراس كثيرٍ من الآثار وضياع الشواهد عبر الزمن، ممّا يجعل بعض الوقائع في دائرة الظنّ أو الاحتمال القويّ لا الجزم القطعيّ.

وعليه، يمكن الجواب عن الإشكال من زاويتين: الأولى: زاويةٌ تاريخيّةٌ تحليليّةٌ محايدةٌ، والثانية: زاويةٌ قرآنيّةٌ كلاميّةٌ.

أمَّا من الجهة التاريخيَّة:

فغاية ما يُستدلّ به على الإنكار هو عدم العثور على شواهد تُثبت وجود المسلمين في تلك المرحلة في الحبشة، إلّا أنَّ هذا النمط من الاستدلال يعاني من خللٍ منهجيّ؛ إذ إنّ عدم الدليل لا يُساوق دليل العدم، ولا سيّما في وقائع محدودة العدد، قصيرة المدّة، لم يُقِم فيها المسلمون زمناً كافياً، ثمّ رجعوا بعدها، فلم تتوفّر ظروفٌ تسمح بتراكم آثارٍ حضاريّة يمكن الاستناد إليها لاحقاً بوصفها شواهد مادّيّة.

نعم، قد كان لهذه الواقعة أثرٌ غير مباشر فيما وقع لاحقًا من انتشار الإسلام في تلك البلاد، لكن ذلك لا يلازم وجود آثارٍ معاصرة للحدث نفسه.

ويُضاف إلى ذلك: أنَّ الواقعة جرت في بيئةٍ لم تكن فيها آليّات التوثيق منتظمة أو دقيقة، الأمر الذي يجعل غياب الشاهد التاريخي في مثل هذه الظروف أمراً طبيعيّاً، بل متوقّعاً.

وعليه، فإنّ المطالبة بدليلٍ مادّيٍّ أو تراثيٍّ مباشرٍ في مثل هذه القضايا تبدو مطالبةً غير مبرّرة منهجيّاً؛ لأنّها تفترض شروطاً توثيقيّة لا تنسجم مع طبيعة الزمان والمكان اللذين وقعت فيهما الحادثة.

وأمّا أصل إمكان وقوع هذه الحادثة: فلا يواجه أيّ إشكالٍ من الناحية التاريخيّة، بل هو منسجم مع طبيعة العلاقات التجاريّة والتنقّلات القائمة آنذاك بين الجزيرة العربيّة والحبشة، فلا يترتّب عليه أيّ محذورٍ عقليّ أو استحالةٍ تاريخيّة.

ويدلّ على ما ذكرناه: أنَّ من أنكر هذه الواقعة من بعض المستشرقين – أمثال: نولدكه، ولئونه كائتاني، وإغناطس غولدزيهر، وغيرهم - فإنّ أقصى ما استندوا إليه هو غياب الشواهد، لا إقامة دليلٍ إيجابيّ على النفي، أو استناد إلى كلام المؤرّخون وغيرهم. ومن الواضح أنَّ تحصيل مثل هذا الدليل في القضايا التاريخيّة الجزئيّة أمرٌ متعذّر في الغالب.

ونحن - بحسب ما اطّلعنا عليه في أبحاث المستشرقين وغيرهم ممّن ناقش هذه الواقعة - لم نجد استناداً إلى دليلٍ إثباتيّ على النفي، بل مدار كلامهم على غياب الشاهد لا أكثر، ومن ثمّ فإنّ نسبة وجود «إثباتٍ تاريخيّ» قاطعٍ على عدم وقوع الهجرة إلى هؤلاء المؤرّخين تمثّل خروجاً عن واقع البحث، وتندرج ضمن التهويل الخطابيّ الذي لا يسنده تحقيقٌ علميّ دقيق. وعليه، تبقى المسألة -في أسوأ الفروض -ضمن دائرة الإمكان التاريخيّ، ولا موجب للجزم بعدمها.

وعلى هذا الأساس، فإنّ ما ذكره المستشكل من قوله: «أثبت المؤرّخون الأحباش الأثيوبيّون…» لا يرقى إلى مستوى الاستدلال العلميّ؛ إذ هو دعوى عامّة مبهمة تفتقر إلى الحدّ الأدنى من التوثيق، فلا تُذكر أسماء هؤلاء المؤرّخين، ولا تُحدّد مصادرهم، ولا تُبيَّن مناهجهم في البحث، فهو أقرب إلى دعوى إنشائيّة لا تقريرٍ علميّ قابلٍ للفحص.

ومن المعلوم في المنهج العلميّ أنّ مثل هذه العبارات العامّة: («أثبت العلماء»، «أجمع المؤرّخون»)، لا تُقبل ما لم تُسند إلى مراجع محدّدةٍ يمكن الرجوع إليها وتقويمها، وهذا النمط من الخطاب يُستعمل غالباً لإضفاء هيبةٍ صوريّةٍ على الدعوى، بما يثني القارئ عن مساءلتها، وهو شبيه بمن يقول كذباً: «أثبت علماء الغرب بعد تجارب سرّيةٍ أنَّ القهوة تُسبّب فقدان الذاكرة»، من غير أنْ يقدّم أيّ إحالةٍ علميّة معتبرة، فهو استعمل هنا مغالطة الاحتكام إلى السلطة المجهولة.

ثمّ إنّ المستشكل بعد ذلك يخرج عن مسار البحث، فيرتكب مغالطةً أخرى واضحة، حيث ينتقل من التشكيك في واقعةٍ تاريخيّةٍ إلى الطعن في أصل القرآن وقصصه، وهذا انتقالٌ غير مبرّر منطقيّاً؛ إذ لا تلازم بين الأمرين أصلاً، فالهجرة إلى الحبشة لم تُذكر في القرآن بنصٍّ صريح، وإنّما وردت في بعض روايات شأن النزول على سبيل التفسير، لا على نحوٍ يكون جزءاً من النصّ القُرآنيّ، فحتى لو سُلِّم – جدلًا -بعدم وقوع هذه الحادثة، فإنّ ذلك لا يستلزم بأيّ وجهٍ بطلان القرآن أو التشكيك في أصالته.

والواقع أنَّ هذا النمط من الاستدلال قائم على قفزةٍ غير مبرّرةٍ من الجزئيّ إلى الكلّيّ، ومن نقض واقعةٍ تاريخيّةٍ إلى إبطال منظومةٍ نصيّةٍ كاملةٍ، مع أنَّ الرابط المنطقيّ بينهما مفقود، فهو أشبه بمن يقول: «إذا تأخّر الطالب عن الحصّة اليوم، فسوف يفشل في الامتحان، ثمّ ينحرف ويصبح مجرمًا»، حيث تُبنى نتائج جسيمة على مقدّماتٍ لا تقتضيها، وهو ما يسمى بمغالطة المنحدر الزلق.

وأمّا ما ذكره من دعوى (سرقة) القصص القُرآنيّ من التراث اليهوديّ والمسيحيّ، مع استثناء قصّة أهل الكهف لإضفاء طابعٍ يوهم بالموضوعيّة، فهو في حقيقته قائم على مغالطةٍ منهجيّة؛ إذ يتعامل مع (السرقة) وكأنَّها حقيقة ثابتة، من دون أنْ يقدّم دليلاً مستقلاً عليها، ثمّ يبني عليها استنتاجاتٍ لاحقةٍ، فبدل أنْ يثبت أصل الدعوى، يجعلها قاعدةً عامّة، ثمّ يتعامل مع بعض الموارد - كقصّة أهل الكهف - بوصفها استثناءً يؤكّد تلك القاعدة المفترضة، وهذا قلبٌ لطريقة الاستدلال، ومصادرة على المطلوب.

ثمّ إنّ وجود قصّةٍ معيّنةٍ في تراثٍ سابقٍ لا يلازم كونها منتحلةً، بل يمكن أنْ تكون شاهداً على أصلٍ تاريخيٍّ أو دينيٍّ مشترك، خصوصاً إذا لاحظنا أنَّ القرآن نفسه يصرّح مراراً بوجود تحريفٍ فيما نُقل من الديانات السابقة.

وعليه، فإنّ وروده بقصّةٍ لها جذورٌ في ذلك التراث، مع اختلافٍ في البنية والمضمون، يمكن فهمه في إطار التصحيح وإعادة العرض، لا في إطار الاقتباس.

وقصّة أهل الكهف مثالٌ واضحٌ على ذلك؛ إذ مع اشتراكها في أصل الحكاية مع بعض السرديّات السريانيّة، إلّا أنَّ الفوارق الجوهريّة في العرض القُرآنيّ—من حيث البنية، والغاية، والدلالات العقديّة—تكشف عن استقلاليّة النصّ القُرآنيّ، لا تبعيّته، فإنّ هذا التمايز يُفهم في سياق كون القرآن ناظراً إلى تلك الموروثات، فيُعيد تقديمها بصورةٍ منقّحةٍ، خاليةٍ ممّا لحقها من تحريفٍ أو إضافة، وهو ما ينسجم مع دعواه في تصحيح ما وقع فيه أهل الكتاب من تبديلٍ.

ومن هنا، فإنّ الاستدلال بوجود أصلٍ سابق للقصّة على بطلان القرآن، استدلالٌ معكوسٌ، يغفل عن احتمالٍ أقوى، وهو أنَّ هذا الاشتراك يؤكّد وجود أصلٍ واقعيّ مشترك، لا أنَّه دليلٌ على الاقتباس.

وأمّا ما ذكره أخيرًا من أنَّ قصّة الهجرة إلى الحبشة مأخوذة من روايةٍ عن رهبانٍ سريانٍ فرّوا إلى مركزٍ اقتصاديّ في زمانهم، فهو أيضاً مبنيّ على خللٍ منهجيّ واضح؛ إذ يفترض أنَّ مجرّد التشابه بين القصّتين يقتضي بالضرورة أنَّ إحداهما مقتبسة من الأخرى، مع أنَّ هذا الاستنتاج لا يقوم على قاعدةٍ علميّة معتبرة، فالتشابه في بعض العناصر لا يدلّ بذاته على التبعيّة أو التحوير، بل قد يكون ناشئاً عن وحدة الظروف الإنسانيّة، كالهروب من الاضطهاد أو البحث عن ملاذٍ آمن، وهي أنماط متكرّرة في التاريخ البشري.

ومن هنا، فإنّ الاستدلال المذكور قائم على تحويل مجرّد احتمال إلى يقين، من دون إقامة قرائن رابطة تُثبت علاقة النقل أو التأثّر، كوجود شواهد تاريخيّة على انتقال النصوص، أو إمكان الاطّلاع المباشر، أو غير ذلك من دلائل الارتباط السببي بين الروايتين، والحال أنَّ التشابه -في منطق البحث التاريخي -وإنْ كان شرطاً لازماً لفرضيّة الاقتباس، لكنّه ليس شرطاً كافياً لإثباتها، بل لا بدّ من ضمّ شواهد إضافيّة تثبت وقوع هذا النقل فعلاً.

ويزداد هذا الإشكال وضوحاً: إذا لاحظنا أنَّ روايات الهجرة إلى الحبشة لم ترد بصيغةٍ مجملة أو أسطوريّة، بل اشتملت على تفاصيل دقيقة، من ذكر الأسماء، وتتبع الأحوال، وتحديد المواقف التي صدرت عن مشركي قريش، وبيان طبيعة المواجهة التي وقعت بين المسلمين والمحيط السياسي آنذاك، وهذه الخصوصيّات السرديّة لا تنسجم مع فرضيّة الاختلاق أو النقل من روايةٍ أخرى، بل تعطي الحدث طابع الواقعة التاريخيّة المتداولة بين جماعةٍ عايشتها أو تلقّتها عمّن عاصرها.

ثمّ إنَّ هذه التفاصيل لم يثبت تعارضها مع الواقع التاريخي المعروف لتلك المرحلة، كما أنَّ افتراض كونها مختلقة.

وعليه، فإنّ ما ذُكر لا يتجاوز كونه تخميناً صيغ بعبارةٍ جازمة، وهو أشبه بمن يقول: «بما أنَّ حضارتي المايا ومصر بنتا الأهرامات، إذن إحداهما أخذت عن الأخرى»، مع أنَّ هذا النوع من الاستنتاج يتجاهل احتمالاتٍ أخرى معقولة، كاستقلال التجربتين أو اشتراكهما في دوافع إنسانيّة أو بيئيّة متقاربة. ومن ثمّ، فإنّ هذا النمط من الاستدلال لا يرقى إلى مستوى البرهان، بل يظلّ في حدود الظنّ غير المدعوم بقرائن كافية.

أمّا من الجهة القرآنيّة:

فبعد تسليم جميع ما ذكر وعدم القبول بما ذكرنا، ومع التسليم بوجود إجماعٍ بين المؤرّخين المسلمين على أصل وقوع الهجرة -وإنْ اختلفوا في تفاصيلها من حيث العدد والكيفيّة -إلّا أنَّ القرآن الكريم لم يذكر قصّة الهجرة إلى الحبشة بنصٍّ صريح، وإنْ كان بعض المفسّرين قد ذكروا نزول بعض الآيات في هذا السياق. وعليه، فإنّ التشكيك في أصل وقوع هذه الواقعة – جدلًا -لا يستلزم أيّ مساسٍ بحجيّة القرآن، لعدم ابتناء ثبوته عليها، فلا يلزم ما ذكره المستشكل.

وللمزيد يمكن مراجعة ما كتبه سامي العامري في كتابه بعنوان: (هل القرآن الكريم مقتبس من كتب اليهود والنصارى)؟

والحمد لله ربّ العالمين