السبب في اجتناب المحارفين وذوي العاهات

السؤال: روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «ليجتنب المؤمن معاملة ذوي العاهات والمحارَفِين»، فما هو السبب في اجتناب المحارَفِين، وذوي العاهات؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

يُشير السائل إلى ما رواه الشيخ الكلينيّ (طاب ثراه) بسنده إلى العبَّاس بن الوليد بن صبيح، عن أبيه قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «لا تشترِ من محارَف، فإنَّ صفقته لا بركة فيها» [الكافي ج5 ص157].

وما رواه أيضاً بسنده إلى ميسر بن عبد العزيز قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «لا تعامل ذا عاهة، فإنَّهم أظلم شيء» [الكافي ج5 ص158].

وقريبٌ منه ما رواه الشيخ الصدوق (طاب ثراه) في كتابه الفقيه [ج3 ص164] عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، فراجع.

إذا بان هذا، فلنعقد الكلام في مقامين:

المقام الأوَّل: في معاملة المحارَفين:

قال العلَّامة الطريحيّ (طاب ثراه): (المحارَف بفتح الراء: المحروم الذي إذا طلب لا يرزق، أو يكون لا يسعى في الكسب، وهو خلاف قولك المبارك، ومنه الحديث: «كان في بني إسرائيل رجلٌ عابد، وكان محارَفاً لا يتوجَّه في شيءٍ فيصيب فيه شيئاً»... ومنه الحديث: «لا تشترِ من محارَف، فإنَّ صفقته لا بركة فيها». والمحارَف أيضاً: المنقوص من الحظ، لا ينمو له مال، والحرف بالضم اسمٌ منه، وقد حُورِف كسب فلان إذا شدد عليه في معاشه، كأنه ميل برزقه عنه. وفلانٌ يحترف لعياله أي: يكتسب من هنا ومن هنا ...إلخ) [مجمع البحرين ج5 ص37].

ومنه يتَّضح أنَّ للمحارَف معنيين اثنين، وقد يضاف إليهما معنىً آخر، فيكون للمحارَف ثلاثة معانٍ، وهي:

1ـ هو المحروم من الرزق وقليل الحظ.

2ـ هو الذي لا يسعى في الكسب وطلب المعيشة.

3ـ وقد يفسَّر (المحارَف) بالمنحرِف عن الحق، كما يُفهم من رواية العابد الإسرائيليّ المشار إليها في كلمات العلَّامة الطريحيّ المتقدِّمة. أو مما رواه الصدوق (طاب ثراه) عن سعيد بن غزوان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المؤمن لا يكون محارَفاً» [صفات الشيعة ص٣٣].

أمَّا بناءً على المعنى الأوَّل، فالمناسب أنْ يكون السبب في النهي عن الشراء من المحارَف هو الإرشاد إلى عدم وجود البركة في معاملته؛ لأنَّ صفقاته التي يقوم بها خاليةٌ من البركة والربح المقصود من عقد المعاملة.

وأمَّا بناءً على المعنى الثاني، فإنَّ (النهي عن الشراء مِن مثل هذا على القاعدة، فإنَّ مَن لا يسعى في الكسب لكسله وتهاونه أو لغير ذلك، فإنه كثيراً ما لا يتقن عمله، أو لا يلتزم غالباً أو كثيراً ما بوعوده التجاريَّة. وعليه، فإنَّ التعامل معه سيكون مقتضياً للخسارة وفقد ثقة العملاء، إذْ إنَّ مَن يتعاقد معه لشراء البضاعة الكذائيَّة بالكيفيَّة المطلوبة ليسلمها في الزمن المحدَّد ويبني على ذلك وعوده لعملائه، فإنه حيث يخل المحارَف بالكم أو الكيف أو الجهة، فسيتبعه إخلاله هو بوعوده في الكم أو الزمان أو الكيف أو الجهة، فيفقد ثقة المتعاملين معه ويخسر قسماً من صفقاته. وقد يؤول أمره إلى الانكسار، إضافة إلى أنَّ الردع عن التعامل معه هو نوع عقوبةٍ له على كسله ولا مبالاته، إضافة إلى أنَّ ذلك كثيراً ما يشكل رادعاً لأولئك عن عدم السعي) [يُنظر: المعاريض والتورية للشيرازيّ ص270].

وأمَّا بناءً على المعنى الثالث، فإنَّ النهي عن التعامل مع المنحرِف يكون على القاعدة أيضاً، (فإنَّ مقاطعتهم الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة من أكبر الروادع ومن سبل دفع ورفع تمدد ظواهر الانحراف وتوسعه. ولعلَّ من مُقرِّبات هذا المعنى إلى الذهن قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ الله عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: 11]، وقد يدلُّ عليه ما ذكره اللغويون من: «وإذا مال الإنسان عن شيءٍ يقال: تحرَّف وانحرف واحرورف) [المعاريض والتورية ص272].

والمتحصَّل:

أنه بناءً على المعنى الأوَّل، فالمناسب أنْ يكون النهي عن المعاملة إرشاداً إلى قلَّة البركة في معاملته.

وأمَّا بناءً على المعنى الثاني، فالنهي يكون على القاعدة في المعاملات عند العقلاء.

وأمَّا على المعنى الثالث، فالنهي أيضاً على القاعدة، لأنَّ مقاطعة المنحرف سببٌ في عدم توسُّع رقعة الانحراف والضلال.

المقام الثاني: في معاملة ذوي العاهات:

قال العلَّامة المجلسيّ (طاب ثراه) في قوله (عليه السلام) «لا تعامل ذا عاهة، فإنَّهم أظلم شيء» ما هذا لفظه: (وهو المريض بالأمراض المسريَّة، كالجذام والبرص. والظلم باعتبار السراية، فالظلم مجازٌ. أو لأنَّهم مع علمهم بالسراية يعاشرون الناس) [ملاذ الأخيار ج10 ص471].

بيان ذلك: أنَّ المراد من ذوي العاهات ليس مطلق أصحاب العاهات، وإنما خصوص العاهات المُعدية، كالجذام والبرص ونحوهما، ولذلك يكون النهي عن معاملتهم خوف العدوى وانتقال المرض، وبذلك يكون التعبير عنه بالظلم من باب المجاز، أو يكون النهي عن المعاملة باعتبار علمهم بالمرض المعديّ ومع ذلك يُعاشرون الناس ويخالطونهم، وبذلك يكون التعبير عنه بالظلم تعبيراً حقيقيّاً، لكونهم السبب في العدوى وانتقال المرض، كما هو واضحٌ.

ومنه يتَّضح: أنَّ النهي عن معاملة ذوي العاهات ليس مطلقاً، وإنما هو مختصٌّ بأصحاب الأمراض المُعدية فقط خوف انتقال العدوى وانتشار المرض، وهو أمرٌ عقلائيٌّ قبل أنْ يكون شرعيّاً، كما لا يخفى.

نعم، لو بنينا على عدم معاملة ذوي العاهات بشكلٍ عامٍّ أو مطلقٍ، لكان النهي عن معاملتهم ناشئاً من نقصهم الجسميّ الذي يوجب انحراف النفس غالباً [يُنظر كتاب: المال أخذاً وعطاءً وصرفاً ص١٥٢]، أو لعلَّةٍ أُخرى.

والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ النهي عن معاملة (المحارَف) راجعٌ إلى بعض المصالح والمنافع جزماً، وأمَّا بالنسبة إلى (ذوي العاهات) فهو راجعٌ إلى دفع المخاطر والمهالك، كما تبيَّن سابقاً.. والحمد لله ربِّ العالمين.