هل اقتبس القرآن قصة السيدة مريم (ع) من الأناجيل المنحولة؟

السؤال: الأناجيلُ الرسميَّةُ لا تقدّمُ أيَّ تفاصيلَ تقريباً عن طفولة مريمَ، ولا أنَّها تربَّت أو عاشت في الهيكل. فإنجيلُ لوقا يذكر فقط بشارةَ الملاكِ لمريمَ عندما كانت شابةً مخطوبةً ليوسفَ، لا يوجدُ أيُّ ذكرٍ لنذرِ والديها، أو دخولِها الهيكلَ، أو أنَّ الكهنةَ ربَّوها. من أين جاءت قصَّةُ "مريمَ التي تربت في الهيكل"؟ هذه القصَّةُ تأتي من الأناجيل غير القانونيَّة (الأبوكريفيَّة)، وأهمُّها: إنجيلُ يعقوبَ الأوّل – المعروف بـ "Protoevangelium of James" أو "إنجيلُ يعقوبَ المنحول"، المكتوب في القرن الثاني الميلاديّ. وفي هذا الإنجيلِ نجدُ الرواياتِ التالية: أنَّ والديها (يواقيم وحنَّة) نذرا أن يقدّما مريمَ للهيكلِ، وأنَّ مريمَ عاشت في الهيكلِ منذ عمرِ ثلاثِ سنواتٍ. أنَّ الملائكةَ كانت تطعمُها، وأنَّ الكهنةَ سلّموها لاحقاً ليوسفَ النجَّارِ ليعتنيَ بها. وأتى القرآنُ وأخذ حياةَ مريمَ من هذا الإنجيلِ المتأخِّرِ المنحولِ.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

أوّلاً: عدمُ ذكرِ الأناجيلِ القانونيَّةِ لتفاصيلِ حياةِ السيّدة مريمَ (ع) كما جاءت في القرآنِ لا يقدحُ في القرآنِ أصلاً؛ لأنَّ الأناجيلَ ليست مرجعاً حاكماً عليه حتَّى يُقاسَ صدقُه أو خطؤُه بمقدار موافقته لها أو مخالفته. فالإشكالُ هنا مبنيٌّ من جذره على افتراضٍ غيرِ مُسلَّمٍ، وهو أنَّ القرآنَ يجبُ أن يطابقَ ما في الأناجيلِ القانونيَّةِ، وكأنَّها معيارٌ نهائيٌّ للحقيقةِ، بينما الرؤيةُ الإسلاميَّةُ تقومُ على العكسِ تماماً: القرآنُ ليس تابعاً لتلك النصوصِ، بل هو – بحسب منطقه الداخليّ – مصدِّقٌ لما بقي من الحقّ فيها، ومهيمنٌ عليها، أي كاشفٌ لما وقع فيها من نقصٍ أو تحريفٍ أو إغفالٍ.

وثانياً: حتَّى لو وُجد قدرٌ من التشابه بين ما يذكره القرآنُ وبعضِ ما ورد في الأناجيلِ غيرِ القانونيَّةِ، فإنَّ هذا لا يُفسَّر بالاقتباسِ، بل يُفهم في إطار أوضح وأدقَّ، وهو أنَّ القرآنَ كتابٌ سماويٌّ من نفس المصدر الذي صدرت عنه الرسالاتُ السابقةُ. فالتشابهُ هنا ليس دليلاً على النقلِ، بل على وحدةِ المصدرِ في أصلِ الخبرِ، مع اختلافِ ما طرأ على النصوصِ البشريَّةِ من زيادةٍ أو نقصٍ أو تحريفٍ. وهذا ينسجمُ مع التصوّر القرآنيّ نفسِه، حيث يقدّمُ نفسَه بوصفِه مصدِّقاً لما سبقَ من الحقّ، ومصحِّحاً لما وقع فيه من انحرافٍ.

وثالثاً: القرآنُ لا ينقلُ القصَّةَ بنفس التفاصيلِ الموجودةِ في "إنجيلِ يعقوب"، بل يذكرُ عناصرَ محدَّدةً ومنضبطةً: نذرَ الأمّ، وتقبُّلَ اللهِ لها، وكفالةَ زكريا (ع)، ووجودَها في محرابٍ. هذه ليست نسخةً منقولةً، بل عرضٌ مستقلٌّ، يختلفُ في المضمونِ والهدفِ.

فالقرآنُ لا يسردُ القصَّةَ بنفس البناءِ، بل يركِّزُ على البعدِ الإيمانيّ: الاصطفاءِ، والطهارةِ، والرعايةِ الإلهيَّةِ. وهذا الفرقُ في البناءِ والمقصدِ يكشفُ أنَّنا أمام نصٍّ له منطقه الخاصّ، لا مجرّد اقتباسٍ.

وفي المحصّلة، إنَّ هذا الإشكالَ قائمٌ على منهجٍ مقلوبٍ من أساسِه؛ إذ يجعلُ الأناجيلَ معياراً يُحاكمُ إليه القرآنُ، مع أنَّها – في الرؤية الإسلاميَّة – ليست مرجعاً حاكماً عليه، بل هو المعيارُ المصحِّحُ لها. كما أنَّ التشابهَ الجزئيَّ لا يدلُّ على الاقتباسِ، بل يُفهمُ في إطار وحدةِ المصدرِ الإلهيِّ للرسالاتِ، مع ما طرأ على النصوصِ الأخرى من تحريفٍ أو إضافةٍ. ثمَّ إنَّ العرضَ القرآنيَّ للقصَّةِ يختلفُ في بنائه ومقاصده عن الرواياتِ الأبوكريفيَّةِ، ممَّا يكشفُ عن استقلالِه لا تبعيَّتِه. وبذلك يتبيَّنُ أنَّ الدعوى لا تقومُ على دليلٍ حقيقيٍّ، بل على افتراضاتٍ غيرِ مُسلَّمةٍ وقراءةٍ سطحيَّةٍ للتشابهِ.