هل يؤمن الإمام المهدي (عج) بوحدة الأديان حقاً؟
السؤال: مهديُّ الشيعة هو أولُ من آمن بوحدة الأديان والشرائع!! روى النعمانيّ: ”أخبرنا عليُّ بن الحسين قال حدثنا محمدُ بن يحيى قال حدثنا محمدُ بن حسان الرازيّ قال حدثنا محمدُ بن عليٍّ الصيرفيّ عن الحسن بن محبوب عن عمرو بن شمر عن جابر قال: دخل رجلٌ على أبي جعفر الباقر (ع) فقال له: عافاك اللهُ اقبض مني هذه الخمسمائة درهم فإنَّها زكاةُ مالي. فقال له أبو جعفر (ع): "خذها أنت فضعها في جيرانك من أهل الإسلام، والمساكين من إخوانك المؤمنين، ثم قال: إذا قام قائمُ أهل البيت قسم بالسوية، وعدل في الرعية، فمن أطاعه فقد أطاع الله ومن عصاه فقد عصى الله، وإنَّما سمي المهديُّ مهدياً لأنَّه يهدى إلى أمرٍ خفيٍّ، ويستخرج التوراة وسائر كتب الله عز وجل من غارٍ بأنطاكية ويحكم بين أهل التوراة بالتوراة وبين أهل الإنجيل بالإنجيل وبين أهل الزبور بالزبور وبين أهل القرآن بالقرآن" [الغيبة ص٢٣٧].
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
أوّلاً: مفهومُ (وحدة الأديان) – بصيغته المعاصرة – لا يقوم على مجرّد وجود أصلٍ مشتركٍ بين الرسالات، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، فيجعل جميع الأديان طرقاً متساويةً إلى الحقيقة، بحيث لا يكون هناك حقٌّ واحدٌ مُلزمٌ، ولا شريعةٌ خاتمةٌ ناسخةٌ لما قبلها، بل كلُّها تعبيراتٌ متكافئةٌ عن المطلق. وهذه الفكرةُ - بهذا المعنى - لا تنسجم مع البنية الأساسيَّة للعقيدة الإسلاميَّة؛ لأنَّ الإسلام يقرُّ بأنَّ أصل الدين واحدٌ وهو التوحيد، لكنَّه يقرّر أيضاً أنَّ الشرائع تتعاقب وتُنسَخ، وأنَّ الشريعة الخاتمة بعد بعثة النبيّ (ص) هي المرجعُ النهائيّ. فالفارقُ هنا دقيقٌ لكنَّه حاسمٌ: الإسلامُ يعترف بوحدة المصدر، لا بتعدّد الحقّ على نحوٍ متساوٍ في كلّ زمانٍ، ومن هنا فإنَّ إسقاط مفهوم (وحدة الأديان) بهذا المعنى الفلسفيّ على النصوص الإسلاميَّة هو تحميلٌ لها بما لا تحتمله.
وثانياً: إذا اتّضح هذا المفهومُ، يتّضح أنَّ الرواية المذكورة بعيدةٌ تماماً عن هذا المعنى، فقولُ الإمام الباقر (ع): «يحكم بين أهل التوراة بالتوراة… وبين أهل الإنجيل بالإنجيل…» لا يعني إقرار هذه الشرائع بصيغتها الحاليَّة، ولا الاعتراف باستمرارها كطرقٍ مستقلةٍ للحقّ، بل يعني إقامة الحجَّة على أتباعها من داخل ما يعتقدون به؛ لأنَّه ألزمُ لهم في الحجَّة وأقربُ لإظهار التناقض أو التحريف.
ثمَّ إنَّ الرواية نفسها تقيّد هذا الفهم بقولها: «ويستخرج التوراة وسائر كتب الله»، أي النسخ الحقيقيَّة غير المحرّفة، وهذا يدلّ على أنَّ الحكم سيكون وفق ما أنزله اللهُ فعلاً، لا وفق ما هو متداولٌ بعد التحريف والتبديل. وعليه، فالقضيَّةُ ليست تعدّديةً في الحقّ، بل إرجاعُ كلّ جماعةٍ إلى الحقيقة التي ضيّعتها، وإقامةُ العدل الإلهيّ على أساسها.
فدورُ الإمام المهديّ (عج) ليس تأسيس رؤيةٍ تصالحيَّةٍ بين الأديان بمعنى المساواة بينها، بل كشفُ الحقّ ورفعُ الانحراف وتحقيقُ العدل. ومن مقتضى هذا الدور أن يُخاطب كلَّ قومٍ بما تقوم به الحجَّةُ عليهم، لا أن يقرّهم على ما هم عليه، فالحكم بما في التوراة لأهل التوراة ليس اعترافاً باستقلالها كطريق حقٍّ بعد الإسلام، بل إلزامٌ لهم بما في أصل كتابهم الذي يشهد للحقّ نفسه.
وفي المحصّلة؛ إنَّ الاستدلال بهذه الرواية على أنَّ "المهديَّ أولُ من آمن بوحدة الأديان" استدلالٌ غيرُ صحيحٍ، فالروايةُ لا تؤسّس لتعدّد الحقائق، بل تؤكدُ وحدة الحقّ، وتبيّن أنَّ الوصول إليه يكون بإلزام كلّ إنسانٍ بما يعرفه ويؤمن به، حتّى تنكشف له الحقيقةُ من داخله، لا من خارجه.
اترك تعليق