لماذا لم يبايع أهل مكة والمدينة الإمام الحسين (ع)؟
السؤال: لماذا لم يبايع أهل المدينة ومكة الحسين بن علي (رحمه الله) وهو قد عاش بينهم ويعرفونه حق المعرفة؟ الجواب: لأن الحسين بن علي (رحمه الله) ليس له مكانة في المدينة ومكة، وليس له أي منجزٍ شرعيّ أو عسكريّ أو سياسيّ، فلم يستطع جمع أنصارٍ له فيهما ولو بعدد أصابع اليد الواحدة، وهذا يدلُّ على أنَّه لا يمتلك مؤهلات السياسة والحكم؛ ولذا خرج الحسين بن علي (رحمه الله) إلى الكوفة انخداعاً بمبايعة رعاع أهل الكوفة له رغم خداعهم وخذلانهم وقتلهم أباه عليَّاً (رضي الله عنه) ولأخيه حسن (رحمه الله).
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الكلام مبنيٌّ على افتراضات خاطئة ومخالفة للواقع:
أمّا عدم مبايعة أهل المدينة له (عليه السلام)، فلأجل أنّه لم يدعهم لذلك، فقد ذكر التاريخ خروجه من المدينة إلى مكة مسرعاً، ورد في تاريخ الطبريّ: (ثُمَّ بعث الرجال إلى حسينٍ عند المساء، فقال: أصبحوا ثمّ ترون ونرى، فكفّوا عنه تلك الليلة ولم يلحّوا عليه، فخرج حسينٌ من تحت ليلته، وهي ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب سنة ستين) [تاريخ الطبريّ ج٥ ص٣٤١]، وهذا الأمر مشهورٌ في التواريخ.
وأمّا في مكة فيكفيك قول ابن مطيع لـمّا لقي الإمام الحسين (عليه السلام) قبل دخوله مكّة: (الزم الحرم، فإنّك سيّد العرب، لا يعدل بك – والله – أهل الحجاز أحداً، ويتداعى إليك الناس من كلّ جانب) [تاريخ الطبريّ ج٥ ص٣٥١].
وجاء فيه أيضاً: (فأقبل حتّى نزل مكة، فأقبل أهلها يختلفون إليه ويأتونه ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق، وابن الزبير بها قد لزم الكعبة، فهو قائمٌ يصلّي عندها عامّة النهار ويطوف، ويأتي حسيناً فيمَن يأتيه، فيأتيه اليومين المتواليين، ويأتيه بين كلّ يومين مرّةً، ولا يزال يشير عليه بالرأي وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير، قد عرف أنّ أهل الحجاز لا يبايعونه ولا يتابعونه أبداً ما دام حسينٌ بالبلد، وأنَّ حسيناً أعظم في أعينهم وأنفسهم منه، وأطوع في الناس منه).
وجاء في كلام ابن الزبير مع الحسين (عليه السلام) أيضاً: (أما إنّك لو أقمت بالحجاز، ثمّ أردتَ هذا الأمر هاهنا ما خولف عليك إنْ شاء الله)، وفي كلام ابن عباس: (أقِمْ بهذا البلد، فإنَّك سيد أهل الحجاز) [تاريخ الطبريّ ج٥ ص٣٨٣].
وقد اجتمع للحسين (عليه السلام) أنصارٌ من مكّة، ولكنّهم تفرّقوا عنه بعد وصول نبأ مقتل مسلم بن عقيل (عليه السلام)، فلم يصحبوه في كربلاء – ولعلّ هذا ما أوهم السائل أنّه لم يبايعه من مكّة أحد -، فقد جاء في [تاريخ الطبريّ ج٥ ص٣٩٩] بعد أنْ ذكر وصول خبر نبأ مسلم، وإذن الحسين للناس بالانصراف: (فتفرّق الناس عنه تفرّقاً، فأخذوا يميناً وشمالاً حتّى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة، وإنَّما فعل ذلك لأنّه ظنّ أنّما اتّبعه الأعراب؛ لأنّهم ظنّوا أنّه يأتي بلداً قد استقامت له طاعة أهله، فكره أنْ يسيروا معه إلّا وهم يعلمون علامَ يقدمون، وقد علم أنّهم إذا بيّن لهم لم يصحبه إلّا مَن يريد مواساته والموت معه).
وثمّ أنصارٌ حُفظت أسماؤهم قد التحقوا بالحسين (عليه السلام) في هذه المرحلة، مثل: مجمع بن زياد بن عمرو الجهنيّ إذ قيل: إنّه التحق به من المدينة [إبصار العين ص201]، وعمار بن حسان الطائيّ، فإنّه قيل: إنّه صحبه في مكة ولازمه إلى كربلاء [إبصار العين ص197]، وقد يقف الباحث على غيرهم.
على أنّه لو سُلّم أنّه لم يبايع الحسين أحدٌ، أو أنّه بايعه قلَّةٌ، فيوجد لذلك سببٌ واضحٌ، وهو أنّه قد أوضح أنَّ خروجه ينتهي بقتله فلم يخرج معه إلَّا مَن وطّن نفسه على الموت، وغالب النفوس تميل إلى الراحة والدعة، ورد في خطبته بمكة المروية في مصادر متعددة: «خُطَّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة من جيد الفتاة... وخُيِّرَ لي مصرعٌ أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء... مَن كان باذلاً فينا مهجته، وموطّناً على لقاء الله نفسه فليرحلْ، فإنّي راحلٌ مصبحاً إنْ شاء الله» [نزهة الناظر ص86، المصابيح لأبي العباس الحسنيّ ص371، مثير الأحزان ص29]. بل كان مقتله مستفيضاً معلوماً لدى المسلمين؛ لتكرّر إخبار النبيّ (صلى الله عليه وآله) به، فلاحظ كتاب: (بكاء الرسول على الإمام الحسين برواية أهل السنة والجماعة بالأسانيد الصحيحة والحسنة لمحمد عبد الله نجم)، وغير ذلك مما جمع هذه الروايات من الكتب.
وأما ما ذكرت - من أنّه ليس للحسين منجز شرعيّ أو سياسيّ أو عسكريّ -، فلا شكّ أنّ قيمة المنجز الشرعيّ هي بمقدار ما يقرّبه من الله ويوجب الفضل له عند الله عز وجل، وقد ورد في حق الحسين عليه السلام وأخيه الحسن أنّهما «سيدا شباب أهل الجنَّة» بأسانيد صحيحة، وسيادتهما على أهل الجنَّة إن كانت بالقرب من الله فهو المطلوب، وإلا فكيف يجعلهما الله سيّدين على أهل الجنَّة – ومنهم الصحابة – ولا منجز لهما حسب قولك؟
وينبغي أنْ يُلتفت إلى أن المنجز السياسيّ لا ينفك عن المنجز الشرعيّ، فإنّ السياسة إنْ كانت غير محكومةٍ للدين، وصادرةٍ عن معرفةٍ بالدين وحدوده وأحكامه، فهي سياسةٌ لا قيمة لها كما في السياسة المتداولة اليوم المبنيَّة على الجدل والخداع، وإنما السياسة إصلاح أمور العباد ضمن إطار الدين والتعاليم الحقَّة؛ لذا ورد في وصف أهل البيت عليهم السلام – كما في الزيارة الجامعة -: «ساسة العباد، وأركان البلاد»، فاتضح بذلك أنَّ السياسة تنطلق من الدين، والمنجزات السياسيَّة لا بُدَّ أنْ تصدر من عارفٍ بالدين، والحسين (عليه السلام) إمامٌ مفترض الطاعة في أمور الدين والدنيا، وعارفٌ بما يحتاجان إليه، ولا شكّ أنّه بذلك يكون عارفاً بالسياسة بمعناها الصحيح، ولو مُكّن لأدّى ما عليه بأفضل وجهٍ.
والحمد لله رب العالمين.
اترك تعليق