الوقوف في عرفات شعيرة إلهية، أم ممارسة وثنية؟

السؤال: هل الوقوف في جبل عرفات شعيرةٌ إسلاميَّةٌ، أم عبادةٌ وثنيَّة؟ وهل تسميته بعرفات له ارتباطٌ بصنمٍ ما، أو آلهةٍ من آلهة المشركين؛ فقد نقلت بعض كتب التّاريخ - كالمفصّل في تاريخ العرب -: أنَّ جبل عرفات كان محجّاً لآلهة من آلهة العرب في الجاهليَّة؟

: الشيخ حسين العابد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

الوقوف في عَرَفَات - بمعنى الكون في جبل عَرَفَة من زوال يوم التّاسع من ذي الحجَّة وإلى الغروب، مقروناً بنية التقرّب إلى الله تعالى - هو من أركان الحجِّ العظمى، وشعيرة من شعائر الإسلام التي يجب تعظيمها [ينظر: الروضة البهيَّة ج1 ص 518].

وثبوت هذه الشعيرة في الإسلام من البديهيات، حيث يقول سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨].

ولم تأتِ هذه الشعيرة من خلفياتٍ أو أصولٍ شركيَّةٍ أو وثنيَّةٍ - كما قد يُتوهَّم -، بل على العكس تماماً؛ إذ من المعلوم أنَّ الذي رفع قواعد البيت الحرام وأرسى تعظيمه، ومناسك الحجِّ في مجتمع مكَّة وقبائلها هو النبيّ إبراهيم (عليه السلام)، إلَّا أنّ هذه القبائل - والتي كانت قد دانت بدين إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) - قد انحرف غالبها فيما بعدُ عن الإبراهيميَّة الحنيفيَّة، واختلط عندها دين إبراهيم (عليه السلام) القائم على أساس التوحيد بالمعتقدات الشركيَّة والممارسات الوثنيَّة، ولم تسلم حتَّى مناسك الحجِّ من ذلك ولا الحرم والبيت الحرام، فعلى الرغم من أنَّ العرب في الجاهليَّة بقيت محافظةً على أصل الحجِّ وتعظيم الحرم والبيت، إلَّا أنّ حجَّها وتعظيمها اعتراه الكثير من المعتقدات الشركيَّة والمظاهر الوثنيَّة، ويُرجع أرباب التاريخ والسير ذلك إلى فترة حكم قبيلة (خُزاعة)، وبالتحديد «عَمرو بن لحيّ»؛ الذي قيل فيه: إنّ العرب كانت قد دانت وخضعت له أيّما خضوع، فما ابتدع بدعة إلَّا تابعته فيها [ينظر: نشوة الطرب في تاريخ جاهليَّة العرب ج1 ص٢١٠].

ثمّ بقي هذا الانحراف عن الحنيفيَّة قائماً متفشّياً إلى مجيء الإسلام، مطهِّراً لكلّ ذلك - بما في ذلك مناسك الحجِّ - من شوائب الشرك والوثنيَّة، وقد استمرّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) يتحرّك في هذا الاتّجاه إلى أواخر دعوته؛ إذ روى الفريقان بطرق متعددة: أنَّه وفي سنة تسع للهجرة قام النبيّ (صلى الله عليه وآله) بإرسال أمير المؤمنين (عليه السلام) ليبلّغ كفّار مكَّة بسورة براءة، ومنع أنْ يطوف بالبيت مشرك أو عريان بعد ذلك اليوم.

وللمركز عدة أجوبة سابقة ذات صلة، يمكن مراجعتها، منها: (هل الصفا والمروة شعيرة جاهليَّة أم عبادة إلهيَّة)، و(تبليغ سورة براءة).

وأمَّا سبب تسمية جبل عرفات بذلك:

فالمرويّ عن أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام): أنّ الأمين جبرائيل (عليه السلام) كان قد عرّف النبيّ إبراهيم (عليه السلام) على مناسكه هناك، وأمره أنْ يعترف هناك بذنوبه، فمِن قوله (عليه السلام): «اعرف» و«اعترف» سمّي ذلك الموضع بجبل عرفة وعرفات. روى الشيخان البرقيّ والصدوق بإسنادهما إلى معاوية بن عمّار، قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن عرفات، لِم سُمّيت عرفات؟ فقال: إنّ جبرئيل (عليه السلام) خرج بإبراهيم (صلوات الله عليه) يوم عرفة، فلمّا زالت الشمس قال له جبرئيل: يا إبراهيم، اعترف بذنبك واعرف مناسكك، فسُمّيت عرفات لقول جبرئيل (عليه السلام): اعترف واعرف» [المحاسن ج2 ص٣٣٥، علل الشرائع ج2 ص٤٣٦].

ورُوي أيضاً: أنَّ النبي آدم (عليه السلام) اعترف هناك بذنوبه، لمّا قال جبرئيل (عليه السلام) لآدم هناك: «اعترف بذنبك، واعرف مناسك»، فقال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، فجرت السنَّة في ولده أنْ يكون مكاناً للاعتراف بالذنوب والتوبة [ينظر: مجمع البيان ج2 ص٤٦].

ولا تعارض بين الخبرين كما لا يخفى.

وقيل في سبب التسمية وجوهٌ أخرى ذكرها المفسّرون [ينظر: مجمع البيان ج2 ص٤٥، تفسير الآلوسيّ ج2 ص٨٨].

والحمد لله ربّ العالمين.