هل التوقيعات الصادرة عن الإمام المهدي (ع) معتبرة؟

السؤال: كيف يمكن الاطمئنان إلى صحَّةِ التوقيعات المنسوبة إلى الإمام المهديّ (عليه السلام)، مع أنّها نُقِلت بطريق الآحاد وعن طريق السفراء الأربعة؟

: الشيخ أمير الخزاعي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

للإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ أوَّلاً من تحديد طبيعة هذه التوقيعات، وكيفيَّةِ انتقالها إلى الشيعة، ثمَّ دراسة المناهج التي اعتمدها علماء الإماميَّةِ في التعامل معها من حيث السند والدلالة والقرائن المحفوفة بها؛ إذ إنَّ البحث في حجّيَّةِ التوقيعات لا ينفصل عن البحث العامّ في حجّيَّةِ الرواية وطرق إثبات صدور النصوص عن المعصومين (عليهم السلام).

وعلى هذا الأساس، يمكن الجواب عن السؤال من خلال عدَّةِ جهاتٍ:

الأولى: ما وصل منهم ليست اجتهاداتٍ شخصيَّةً، بل نصوصٌ منقولةٌ:

فإنَّ ما وصلنا عن طريق هؤلاء النوّاب، عبارةٌ عن (التوقيعات)، أي ما كان يُكتب ردّاً على مسائل وأسئلةٍ تُطرح على الإمام (عليه السلام) [ينظر: مجمع البحرين ج4 ص408]. فحينما كان الشيعة يواجهون إشكالاتٍ فقهيَّةً أو مسألةً غامضةً، كانوا يكتبون بها إلى أحد النوَّاب الأربعة، فيوصلها بدوره إلى الإمام، فيتلقَّى منه الجواب مكتوباً، ويُعيده إليهم. وهكذا كانت التوقيعات تصدر من الإمام المعصوم مباشرةً، لا من عند النوَّاب أنفسهم؛ إذ لم يكن لهم فيها إلّا دور الوساطة والأمانة في النقل، فكانوا قناةً أمينةً بين الإمام وأتباعه.

ومن هنا، فإنَّ كلَّ ما وصل عنهم إنَّما هو في الحقيقة كلام الإمام المعصوم (عليه السلام)، وليس اجتهاداً شخصيَّاً منهم، ويؤكّد هذا ما نقله محمَّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقانيّ، عندما ساوره الشكّ في أجوبة الحسين بن روحٍ، فقال: «فعدت إلى الشيخ أبي القاسم بن روحٍ (قدَّس الله روحه) من الغد وأنا أقول في نفسي: أتراه ذكر ما لنا يوم أمس من عند نفسه، فابتدأني: يا محمَّد بن إبراهيم، لأنْ أخرَّ من السماء فتخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكانٍ سحيقٍ أحبّ إليَّ من أنْ أقول في دين الله (عزَّ وجلَّ) برأيي أو من عند نفسي، بل ذلك عن الأصل ومسموعٌ عن الحجَّةِ صلوات الله عليه وسلّامه» [كمال الدين ص508-509].

وهذا النصّ من أوضح ما يكون في نفي التصرّف بالرأي، وتأكيد أنّهم أمناء نَقَلةٌ، فمن هنا يصبح مصبّ البحث والجواب عن الإشكال في اعتبار وحجّيَّةِ التوقيعات.

الثانية: التوقيعات تخضع لنفس ضوابط علم الحديث:

فأوَّلاً، لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّه كما وُضِع علم الرجال والدراية لفحص أسانيد الأحاديث المنقولة ودراسة مضامينها، فإنَّ التوقيعات أيضاً ـ باعتبارها نصوصاً منسوبةً إلى الإمام المعصوم (عليه السلام) ـ تخضع للمنهج ذاته في التحقيق والاعتبار. فعلم الرجال يُعنى بدراسة حال الرواة وطبقاتهم، كما أنّ علم الدراية يُعنى بفحص المتن من حيث انسجامه مع الروايات الأخرى، وعدم معارضته للقرآن الكريم، إضافةً إلى النظر في القرائن المتَّصلة والمنفصلة التي تُسهم في تقوية الرواية أو استبعادها. وهذه المهمَّةُ منوطةٌ بالفقيه المجتهد الذي يجمع بين أدوات الفهم والاستنباط. وبما أنَّ التوقيع نصٌّ يُروى عن المعصوم، فإنَّه يُعامل معاملة سائر الأحاديث من حيث التثبّت السنديّ والدقَّةِ الدلاليَّةِ، ولا فرق بينه وبين سائر الروايات من هذه الجهة.

وثانياً، ممَّا يعزّز الوثوق بهذه التوقيعات: أنّ أغلبها ورد في مصادر معروفةٍ بالاعتبار والوثاقة، فقد وردت هذه التوقيعات في عددٍ من المصادر المتقدِّمة والمعتبرة، مثل: كتابي تهذيب الأحكام والغيبة للشيخ الطوسيّ، وكتابي من لا يحضره الفقيه وكمال الدين للشيخ الصدوق، وقد وردت التوقيعات فيها بأسانيد، وهذا يفتح الباب للتعامل معها على أساس نقد الحديث المعروف، ممَّا يقوّي الاعتماد عليها عند أهل الدراية.

الثالثة: ذكر قرائن وشواهد تدلّ على صحَّةِ الاطمئنان بالتوقيعات:

ومن القرائن القويَّةِ الدالَّةِ على صحَّةِ التوقيعات، هو التزام الفقهاء بالعمل بها، سواءً صراحةً أو ضمناً، في موارد فقهيَّةٍ متعدِّدةٍ. وهذا الالتزام العمليّ يُعدّ نوعاً من الإجماع العمليّ، أو التواتر السلوكيّ، الذي يعضّد الوثوق بصدورها، لا سيَّما عند من يُقرّ بحجّيَّةِ سيرة العلماء.

ويؤيّد ذلك أيضاً: ما نُقِل من الكرامات والوقائع المرتبطة بهذه التوقيعات:

فمنها: ما رُوي عن محمَّد بن فضلٍ الموصليّ، وكان يشكّ في نيابة الحسين بن روحٍ (رضي الله عنه)، فاتّفق مع الحسن بن عليّ الوجناء على امتحانه، فكتب الوجناء كلماتٍ بحبرٍ خفيٍّ على ورقةٍ وختمها وأرسلها إلى الحسين بن روحٍ، فجاء الجواب في نفس الورقة وقد كُتِبت الردود على المواضع نفسها بالمداد الظاهر، فبُهِت محمَّد بن فضلٍ وأدرك صدق النيابة، فدخل مع صاحبه معتذرَين بعد أنْ تبيَّن لهما صدق الوساطة والانتساب [الغيبة للطوسيّ ص315-317].

ومنها أيضاً: ما تضمَّنته التوقيعات من الإخبار بالمستقبل؛ كما في ما رواه الحسن بن أحمد المكاتب أنَّه حضر عند عليّ بن محمَّدٍ السمريّ قبل وفاته بأيَّامٍ، فأخرج توقيعاً جاء فيه: «يا عليّ بن محمَّدٍ السمريّ، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنَّك ميّتٌ ما بينك وبين ستَّةِ أيَّامٍ...»، ثمَّ أخبر بانتهاء السفارة ووقوع الغيبة التامَّةِ، فوقع الأمر كما أخبر التوقيع تماماً [كمال الدين، ص516، الفصول العشرة ص10، الغيبة للطوسيّ ص395].

ومن أهمّ القرائن أيضاً: أنّ التوقيعات كانت تخرج بخطّ الإمام المهديّ (عليه السلام) نفسه، وهو عين الخطّ المعروف عن الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام)، بحيث كان أصحاب الإمام العسكريّ وخواصّه يعرفونه ويطمئنّون إليه، الأمر الذي شكّل وسيلةً عمليَّةً لإثبات صدور التوقيعات من نفس المشكاة، وقطع الطريق على المدّعين والمزوّرين.

وقد أشار الشيخ الطوسيّ إلى ذلك بقوله: إنَّ توقيعات صاحب الأمر (عليه السلام) كانت تخرج على يد عثمان بن سعيدٍ وابنه محمَّد بن عثمان بنفس الخطّ السابق الذي كان معروفاً لدى الشيعة؛ ولذلك استمرَّت الشيعة على الوثوق بهما والرجوع إليهما [الغيبة ص357].

كما روى عبد الله بن جعفرٍ الحميريّ: «لمَّا مضى أبو عمروٍ رضي الله عنه أتتنا الكتب بالخطّ الذي كنَّا نكاتب به»، [الغيبة للطوسيّ ص362].

وفيه أيضاً: «ثمَّ إنَّهم كتبوا في ذلك كتاباً وأنفذوه إلى الناحية، وأعلموه بما تشاجروا فيه، فورد جواب كتابهم بخطِّه عليه وعلى آبائه السلام...»[الغيبة للطوسيّ ص285].

وهذه الدقَّةُ في استمرار الخطّ نفسه عبر السفراء، مع توثيقهم المسبق من الإمام الهادي والعسكريّ (عليهما السلام)، وامتداد ذلك لسنواتٍ طويلةٍ، كلّها تشكّل منظومة قرائن متراكمةً تُنتج الوثوق والاطمئنان بصدور تلك التوقيعات، وتُضعف احتمال التزوير.

وبناءً على ما تقدَّم؛ فإنَّ التوقيعات الصادرة عن الإمام المهديّ (عليه السلام) على يد النوَّاب الأربعة، مدعومةٌ بالسند والقرائن، ومنقولةٌ عن المعصوم مباشرةً، وواردةٌ في مصادر معتمدةٍ، وملتزمٌ بها فقهاء الطائفة، ومدعومةٌ بشهاداتٍ تاريخيَّةٍ وكراماتٍ خاصَّةٍ، فلا يبقى بعد ذلك وجهٌ للتشكيك في حجّيَّتها، بعد خضوعها لقواعد الحديث من حيث السند والدلالة، فمتى ثبتت صحَّةُ الإسناد وسلامةُ الدلالة، لم يبقَ مجالٌ للشكّ في حجّيَّتها؛ إذ تُعامل معاملة سائر الروايات المنقولة عن المعصوم، والنائب في مقام النقل بمنزلة الراوي الذي ينقل عن الإمام مباشرةً، فما يُقال هناك يُقال هنا.

وقد أُلّفت حول التوقيعات عددٌ من المؤلفات المتخصِّصةِ التي جمعها العلماء ودقَّقوا فيها من حيث المتن والسند، من أبرزها التي يمكن مراجعتها لمزيدٍ من البحث:

قرب الإسناد إلى صاحب الأمر لعبد الله بن جعفرٍ الحميريّ، التوقيعات المقدَّسة لجعفر وجداني، مجموعة كلمات وتوقيعات وأدعية الإمام المهديّ (عليه السلام) لخادمي الشيرازيّ، موسوعة توقيعات الإمام المهديّ لمحمَّد تقي أكبرنژاد، توقيعات الناحية المقدَّسة للعلَّامة المجلسيّ، وغيرها.

والحمد لله ربّ العالمين.