هل بقيت السيدة فاطمة العليلة (ع) في المدينة؟
السؤال: هل ترك الإمام الحسين (عليه السلام) ابنةً له في المدينة باسم فاطمة العليلة؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
بدايةً لابدَّ أنْ يعلم السائل بأنَّ عدم ذكر أهل النسب للسيدة فاطمة بنت الإمام الحسين الصُّغرى (العليلة) لا يَدلُّ بالضرورة على عدم وجودها، بل لو ورد ذكرها في مصادر أُخرى معتبرةٍ لكفى ذلك في تحقق النسبة وثبوتها؛ وذلك لأنَّ هذا من قبيل المثبتات التي لا تنافي فيما بينها، كما لا يخفى على أهل العلم والمعرفة.
هذا، وقدْ ورد ذكر السيِّدة فاطمة الصغرى (عليها السلام) في جملةٍ من المصادر المهمَّة والمعتبرة، كما سوف يتَّضح إنْ شاء الله تعالى.
نصُّ الرواية:
روى ابن عساكر والخوارزميّ والمجلسيّ، وغيرهم ـ واللفظ للأوَّل ـ بإسناده إلى المفضَّل بن عمر الجعفيّ قال: «سمعتُ جعفر بن محمَّد يقول: حدَّثني أبي محمَّد بن عليّ، حدَّثني أبي عليّ بن الحسين قال: لما قُتل الحسين بن عليّ، جاء غرابٌ فوقع في دمه، وتمرَّغ ثمَّ طار، فوقع في المدينة على جدار فاطمة بنت الحسين بن عليّ ـ وهي الصُّغرى ـ ونَعِبَ، فرفعت رأسها إليه، فنظرت إليه فبكت بكاءً شديداً وأنشأت تقول:
نَعِبَ الغرابُ، فقلتُ: مَن * تنعاه ويلك يا غراب؟
قـال: الإمام، فقلتُ: مَن؟ * قال: الموفَّق للصواب
قلتُ: الحسين؟ فقال لي: * حقَّاً لقد سكن التراب
إنَّ الحسين بكربلا * بين الأسنَّة والضراب
فابكِ الحسينَ بعبرةٍ * تُرضي الإله مع الثواب
ثمَّ استقل به الجناح * فلم يطقْ ردَّ الجواب
فبكيتُ مما حلَّ بي * بعد الوصيّ المستجاب
قال محمَّد بن عليّ بن الحسين: قال أبي عليّ بن الحسين: فنعته لأهل المدينة فقالوا: قدْ جاءتنا بسحرِ عبد المطَّلب، فما كان بأسرع من أنْ جاءهم الخبر بقتل الحسين بن عليّ» [تاريخ دمشق ج70 ص24، مقتل الخوارزميّ ص105، بحار الأنوار ج45 ص171].
أقول: لقدْ دلَّت هذه الرواية دلالةً واضحةً وصريحةً على وجودِ بنتٍ للإمام الحسين (عليه السلام) تسمَّى فاطمة الصُّغرى، بَقيتْ في المدينة المنوَّرة، وهي التي أخبرتْ الناس بمقتل أبيها (عليه السلام) بعد مجيء الغُراب إليها.
إنْ قال قائلٌ: إنَّ من المسلَّم تاريخياً أنَّ فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) قدْ كانت مع أبيها في كربلاء، فكيف يُتصوَّر وجودها في المدينة؟
فنقول: القدر المتيقن أنَّ للإمام الحسين (عليه السلام) بنتين باسم فاطمة، إحداهما حضرت واقعة الطف الأليمة، وهي فاطمة الكبرى، بينما بقيت الأخرى في المدينة المنوَّرة، وهي المعروفة بالعليلة.
فقدْ روى الشيخان الصفَّار والكلينيّ بإسناديهما إلى أبي الجارود، عن أبي جعفرٍ (عليه السلام) قال: «إنَّ الحسين بن عليّ (عليهما السلام) لما حضره الذي حضره، دعا ابنته الكبرى فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) فدفع إليها كتاباً ملفوفاً ووصيةً ظاهرةً، وكان عليّ بن الحسين (عليهما السلام) مبطوناً معهم لا يرون إلَّا أنَّه لما به، فدفعتْ فاطمة الكتاب إلى عليّ بن الحسين (عليه السلام) ثمَّ صار والله ذلك الكتاب إلينا يا زياد. قال: قلت: ما في ذلك الكتاب جعلني الله فداك؟ قال: فيه والله ما يحتاج إليه ولد آدم منذ خلق الله آدم إلى أنْ تفنى الدنيا، والله إنَّ فيه الحدود حتَّى أنَّ فيه أرش الخدش» [بصائر الدرجات ص ١٦٨، الكافي ج1 ص303].
نعم، رُوي أنَّ التي كانت بالطف تُلقَّب بالصُّغرى أيضاً، فقدْ روي عن زيد بن موسى بن جعفرٍ، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام) قال: «خطبت فاطمة الصُّغرى (عليها السلام) بعد أنْ ردَّت من كربلاء، فقالت: الحمد لله عدد الرمل والحصى، وزنة العرش إلى الثرى، أحمده وأؤمن به وأتوكَّل عليه» [الاحتجاج ج2ص 27].
ويُمكن أنْ يُقال فيه: أنَّه يُحتمل أنْ يكون الوجه في توصيفها بـ (العامّ أو الصُّغرى) هو للتفريق بينها وبين السيِّدة الزهراء الكُبرى (صلوات الله عليها)، ومع وجود هذا الاحتمال الوجيه يرتفع التنافي في ذلك.
والقرينة على هذا الاحتمال: هي ما جاء في بعضِ الأخبار من وصفها بالصُّغرى قبال الصدِّيقة الزهراء الكُبرى.
فقدْ روى المحدِّث الطبريّ بسنده عن عبد الله بن الحسن بن الحسن السبط، عن فاطمة الصُّغرى، عن أبيها الحسين، عن فاطمة الكُبرى ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إنَّ النبيّ كان إذا دخل المسجد...إلخ» [دلائل الإمامة ص75].
هذا، وقدْ ترجم العلَّامة النمازيّ في مستدركه للفاطِمَتَين تحت عنوان: (فاطمة الكُبرى بنت مولانا الحسين (صلوات الله عليه)، وفاطمة الصُّغرى، وهي التي كانت مريضةً وبقيت في المدينة) [مستدركات علم رجال الحديث ج8 ص592].
فتحصَّل مما سبق: أنَّ للإمام الحسين (عليه السلام) بنتين باسم فاطمة، الكبرى هي من حضرت في واقعة الطف، والصغرى بقيت في المدينة المنوَّرة.
بقي شيءٌ:
وهو أنَّ وصفَ السيدة فاطمة الصغرى بوصف «العليلة»، وكذلك بقاءَها عند السيدة أمِّ سلمة (رضوان الله عليها)، لم يردْ في المصادر القديمة، وإنما ورد ذكره في بعض المصادر المتأخِّرة.
قال الفاضل الدربنديّ (طاب ثراه): (وعن بعض كتب المقتل: وكان له [أي: الإمام الحسين] بنتٌ تسمَّى بفاطمة، وكانت حين خروجه من المدينة مريضةً، جعلها عند أم سلمة، وكانت كلَّ يومٍ تجيء خلف الباب لعلَّها تجد من كان له اطلاعٌ بحال والدها، ولما طال زمان الفراق، ولم يصل الخبر من والدها، اشتعلت بالبكاء، وتراكمت عليها الأحزان، وكتبت كتاباً لوالدها وبيَّنت فيه حالها، فلما فرغت من كتابها واشتغلت بالنوح والبكاء لفرقة والدها وغيره، فإذا أعرابيّ سمع بكاءها، فتأثر من بكائها، فبكى ساعةً، ثمَّ عَلِم أنَّ الباكية بنت الإمام، وبكاؤها لفراقه (عليه السلام)، فنادى بصوتٍ عالٍ: السلام عليكم يا أهل بيت النبوَّة، ومعدن الرسالة، أنا رجلٌ من البادية، أُريد الرواح إلى كربلاء، فهل لكم حاجةٌ؟ فلما سمعته فاطمة، جاءت خلف الباب وردَّت جواب سلامه، وقالت: يا أعرابيّ، أنا بنت الحسين، فإنه لما عزم إلى كربلاء كنتُ مريضةً، فسلَّمني إلى جدَّتي أم سلمة، زوجة رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم)، فالآن لم يبقَ لي طاقةٌ من هجرانه، وكتبتُ كتابةً وأُريد من يوصلها إليه، فأخذها الأعرابيّ منها، ففي يوم العاشوراء وقت المحاربة بلغ إلى كربلاء، وسلَّمها إليه (عليه السلام)، فلما فتحها واطلع على مضمونها بكى بكاءً شديداً، ثمَّ جاء عند أهل البيت فقرأها لهنَّ، فبكين بكاءً شديداً. ولم يظهر حال الأعرابيّ وأنه كان ملكاً أو بشراً، وهل صار شهيداً أم لا؟ انتهى) [يُنظر: أسرار الشهادات ج3 ص14].
والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك، أنَّ الصحيح ـ تبعاً للأدلَّة ـ هو وجود السيدة العليلة وبقاؤها في المدينة المنوَّرة.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق