هل شعائر الإمام الحسين (ع) تغري بالمعصية؟
السؤال: ورد في الروايات أجرٌ عظيمٌ على البكاءِ على الإمام الحسين (عليه السلام) وإقامةِ العزاءِ عليه، وهذا يؤدّي إلى تعطيلِ الفرائضِ والأحكام، والتجري على ارتكابِ الحرامِ، وفتحِ بابِ التمادي على أحكامِ الله تعالى، وعدمِ الاكتراثِ بالمعاصي، فللْفُسَّاقِ أن يتَّكِلوا فيما يفعلونَه من معاصٍ على ولائِهم ومحبَّتِهم وعلى مثلِ هذه الرواياتِ التي تفيد غفرانَ ذنوبِهم بالبكاءِ على الإمام الحسينِ (عليه السلام)، وهكذا الحالُ بالنسبةِ للأحاديثِ الواردةِ في فضلِ الزيارةِ.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
نجيب عن ذلك بجوابينِ:
الأول: الجواب النقضيُّ:
قد ورد في أعمالٍ أخرى واجبةٍ أو مستحبةٍ من الثوابِ الجزيلِ والثناءِ الجميلِ ما يردُ عليه ذاتُ الإشكالِ المتقدِّمِ، أي إشكال الإغراءِ بالمعصيةِ، كالحجّ، والعمرة، والصلاة، والصيام، والوضوء، والصدقة، والإقراض، وقراءة القرآن، والإطعام، وصلاة الليل، والصلاة على النبيِّ وآلِه وغيرها ممَّا لا يخفى على أقلِّ مطالعٍ في ثواب الأعمال.
فمثلاً: ورد في الحجِّ عن الإمام الصادقِ (عليه السلام) أنَّه قال: «قال علي بن الحسينِ (عليه السلام): حجُّوا واعتمروا تصحَّ أبدانُكم، وتتَّسِعْ أرزاقُكم، وتُكْفَوْا مؤونات عيالِكم، وقال: الحاجُّ مغفورٌ له وموجوبٌ له الجنَّةُ ومستأنَفٌ له العملُ ومحفوظٌ في أهلِه ومالِه» [الكافي ج4 ص252]. فلاحظْ قولَه (عليه السلام): «مستأنَفُ العملِ».
بل في عدَّةِ بياناتٍ تشبيهُ العائد من الحجّ بمن ولدَتْه أمُّه لا ذنبَ عليه [ينظر: الكافي ج4 ص253].
وورد في صلاة الليل عن الإمام الصادقِ (عليه السلام) أنَّه قال: «إنَّ صلاةَ المؤمنِ بالليلِ يَذهبُ بما عمل من ذنبٍ بالنهارِ» [الكافي ج3 ص266].
ويُضافُ إلى ذلك: أنَّ انفتاح باب التوبة وما ورد في حقِّها -كتاباً وسنَّةً -بما لا يخفى على مسلمٍ، سيكون بناءً على هذا المنطق أكبر بابٍ للإغراء والتجري والتمادي؛ حيث يقولُ تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]، ويقولُ سبحانَه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].
وعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «إنَّ اللهَ أشدُّ فرحاً بتوبةِ عبدِه من رجلٍ أضلَّ راحلتَه وزادَه في ليلةٍ ظلماءَ فوجدَها، فاللَّه أشدُّ فرحاً بتوبةِ عبدِه من ذلك الرجلِ براحلتِه حين وجدَها». وعنه (عليه السلام) قال: «التائبُ من الذنبِ كمن لا ذنبَ له، والمقيمُ على الذنبِ وهو مستغفرٌ منه كالمستهزئِ»، وعنه (عليه السلام) قال: «كلَّما عاد المؤمنُ بالاستغفارِ والتوبةِ عاد اللهُ عليه بالمغفرةِ وإنَّ اللهَ غفورٌ رحيمٌ يقبلُ التوبةَ ويعفو عن السيئاتِ فإيَّاك أن تقنِّط المؤمنينَ من رحمةِ اللهِ» [الكافي ج2 ص434ـ435].
الثاني: الجواب الحليّ:
أوَّلاً: إنَّ الحكمة النافذة لله سبحانَه اقتضت أن يتربى الإنسان في رحلتِه إلى الكمال متقلِّباً بشكلٍ معتدلٍ بين كفَّتَي الخوف والرجاء لا ينبغي أن تطغى إحداهما على الأخرى؛ ولذا كما وعدَنا سبحانَه بالثواب العظيم على الأعمال الصالحة أيضاً توعَّدَنا بالعقاب الأليمِ على ترك الواجبات واقتراف القبائح والمحرماتِ.
يقول سبحانَه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: 42ـ43].
ويقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: 21].
ويقول تعالى - في آكل حقّ اليتيم -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10].
ويقولُ تعالى - في المتهاون في صلاته -: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 4–5].
ويقولُ تعالى - في حقّ الغاشّ للآخرينَ -: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ﴾ [المطففين: 1ـ4].
ويقولُ تعالى - في حقّ المستهزئينَ بالناس -: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: 1-9]. إلى غير ذلك من آيات الوعيد وبيانات التهديد.
وليس للمؤمن أنْ يقصر نظرَه إلى أحد الجانبينِ دون الآخرِ، وإلا وقع بأحد حدَّي الإفراطِ أو التفريطِ؛ فإذا قصر نظره على ثواب الأعمال دون ملاحظة الوعيد على تركِ الواجباتِ واقتراف المحرماتِ وقع بالإغراءِ والتمادي، وإذا قصر نظره على بيانات التهديدِ والوعيدِ وقع باليأسِ والقنوطِ؛ وبالتالي البقاءِ في دائرةِ المعاصي أو الجمود، وكلا الأمرينِ ضارٌّ في مسير الإنسان، مهلِكٌ له.
وثانياً: إنَّ جميع الأعمال الصالحة الواجبة أو المستحبة والتي منها بل من أعظمِها إحياءُ أمر أهل البيت (عليهم السلام) وشعائرِهم المقدَّسة ليست عللاً تامَّةً لتحصيل الثواب والقبول، والرضا من اللهِ سبحانَه وتعالى، بل هي مقتضياتٌ لذلك، وعلى الإنسان ملاحظةُ بقية الأسباب؛ كرفعِ الموانع وتحقيق الشروط كما أنَّ الأمر في التوبة كذلك، ومن أهمِّ تلك الشروطِ التي يتوقفُ قبول العمل عليها والتي نصَّ عليها القرآنُ الكريمُ:
1ـ الإيمان؛ فلا يُقبلُ عمل غير المعتقدِ بالاعتقاداتِ الحقَّة، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: 2ـ3]. ويقول سبحانَه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
2ـ الإخلاص؛ بأنْ تكون نيةُ الإنسان تحصيلَ رضا الله سبحانَه وامتثال أوامرِه، لا المكاسبَ الدنيويَّةَ بالذات، أو السمعةَ والرياءَ، يقول تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]، ويقولُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 264].
3ـ التقوى؛ بأنْ لا يكونَ مقيماً على المعاصي، مصرّاً عليها، مجترئاً متجاسراً على محارم الله تعالى؛ كمن يتصدَّقُ وهو سارقٌ، أو يصلّي وهو غاصبٌ، أو يحجُّ وفي رقبَتِه حقوقٌ للغير يمتنع عن أدائِها، يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27].
ولمزيدٍ من التفصيل يمكنُ مراجعة: [المباحث الحسينية ج1 ص289، الإلهيات ج4 ص323].
والحمد لله ربّ العالمين.
اترك تعليق