حضور السيدة الزهراء (ع) في مجالس العزاء
السؤال: هل صحَّ حضور الزهراء (عليها السلام) في مجالس الإمام الحسين (عليه السلام)؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم ـ عزيزي السائل ـ أنَّ المستفاد من ملاحظة الأخبار الشريفة وكلمات الأعلام هو صحَّة حضور الزهراء (عليها السلام) في مجالس العزاء لأبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، ولتوضيح هذه المسألة بشيءٍ من التفصيل نتكلَّم في أربعة أمور:
الأمر الأوَّل: الملاحَظ من كثرة الروايات الواردة أنَّ لأهل البيت (عليهم السلام) إحاطةً واسعةً بعالم الوجود بإذن الله تعالى وتفويضه، ومن هنا لا يُستغرب حضورهم في مجالس العزاء واطلاعهم عليها.
ويؤيِّد ذلك ما ورد في بعض الأخبار من أنَّ الدنيا كلّها تكون بيد عزرائيل (عليه السلام) كالدرهم في يد أحدنا يقلُّبه كيف يشاء، فإذا كان هذا شأن أحد الملائكة، فكيف بسادة الخلق وأشرفهم الذين فاقوا عزرائيل وغيره من الملائكة منزلةً وكرامةً عند الله تعالى [يُنظر: الفقيه للصدوق ج1 ص134].
قال أستاذ الفقهاء الميرزا النائينيّ (طاب ثراه) في جواب سؤال وجِّه إليه، ما نصُّه:
(السؤال: الأئمَّة (عليهم السلام) هل يحضرون مجالس العزاء؟ وهل يعلمون بمن نصب لهم العزاء أم لا؟
اعتقادنا معاشر الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة أنَّ أئمّتنا المعصومين (صلوات الله عليهم) بعد مماتهم الجسمانيّ أحياءٌ عند ربِّهم، وقد ورد في الدعاء المأثور في إذن الدخول الجامع لجميع المشاهد المشرَّفة ما محصَّله: أنَّهم (عليهم السلام) يسمعون كلام من يستأذن منهم في الدخول على مشاهدهم، وورد أيضاً في زيارة الحسين (عليه السلام) هذه العبارة: «أشهد أنّك تشهد مقامي وتسمع كلامي»، وقد ورد في الرواية أنَّه (عليه السلام) ليرى الباكين عليه ويستغفر لزوَّاره. وبالجملة: فإنِّي ما كنتُ أحتمل أنَّ أحداً من الفرقة الناجية الاثني عشريَّة (ثبّتها الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) يشكُّ في ذلك أو يجهله أو لا يكون عارفاً بهذا اليسير من مقام الإمامة مع ظهوره، أنَّه من ضروريات مذهب الشيعة وتواترت به الأخبار تواتراً قطعيّاً، وأسأل الله تعالى أنْ يوفِّق إخواني ويُعرِّفهم قدر نعمته التي خصَّهم بها وهي الإيمان بالولاية والإمامة إنْ شاء الله تعالى، ويثبّتهم عليها ويُنوِّر قلوبهم بنوره. وقد ورد أنَّ نور الإمام في قلوب شيعته أنور من الشمس المضيئة، نوَّر الله قلوبنا بذلك بمنِّه وفضله إنْ شاء الله تعالى) [الفتاوى ج3 ص556].
الأمر الثاني: المستفاد من كلمات بعض الأعلام (دامت بركاته): أنَّ الروايات الدالَّة على أنَّ البكاء على سيِّد الشهداء (عليه السلام) يُسعد فاطمة (عليها السلام) ـ كما جاء في كامل الزيارات لابن قولويه وغيره ـ تدلُّ على حضورها (عليها السلام)؛ لأنَّ الجذر اللغوي لمفردة الإسعاد متقوِّم بالحضور الفعلي، بمعنى أنِّ تحقق الإسعاد حقيقةً بحضور الشخص في مجلس المراد إسعاده.
قال الزمخشري: (أسعدت النائحةُ الثكلى: أعانتها على البكاء والنوح) [أساس البلاغة ص440]، أي: بحضورها في المجلس نفسه، أمَّا البكاء على الفقيد في مجلسٍ آخر غير مجلسه، فلا يُسمَّى إسعاداً في اللغة.
توضيح ذلك: إنَّ حضورنا في مجالس أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) يُعدُّ إسعاداً للصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) كما دلَّت عليه الأخبار، ولازم إسعادها هذا هو حضورها (عليها السلام) في تلك المجالس فعلاً؛ ولذلك تكون روايات الإسعاد هذه دالَّة على حضور السيِّدة الزهراء في مجالس العزاء.
فإذا تمَّ هذا الوجه فهو كافٍ في إثبات حضور الزهراء (عليها السلام) في مجالس العزاء، كما هو واضح.
الأمر الثالث: روى السيِّد الخطيب علي بن الحسين الهاشميّ النجفيّ، المتوفَّى عام (1396هج) فقال: «روي أنَّ فُضيلاً صنع مأتماً للحسين (عليه السلام)، ولم يُخبر به إمامنا الصادق (عليه السلام)، فلما كان اليوم الثاني أقبل إلى الإمام روحي فداه، فقال له: يا فُضيل، أين كنت البارحة؟ قال: سيِّدي شُغل عاقني، فقال: يا فُضيل لا تخفي عليَّ، أما صنعت مأتماً وأقمت بدارك عزاءً في مصاب جدِّي الحسين (عليه السلام)؟ فقال: بلى سيِّدي، فقال (عليه السلام): وأنا كنتُ حاضراً، قال: سيِّدي ـ إذاً ـ ما رأيتك؟! أين كنتَ جالساً؟ فقال (عليه السلام): لما أردتَ الخروج من البيت أما عثرتَ بثوبٍ أبيض؟ قال: بلى سيِّدي، قال (عليه السلام): أنا كنتُ جالساً هناك، فقال له: سيِّدي لم جلستَ بباب البيت، ولمَ ما تصدَّرت في المجلس؟ فقال الصادق (عليه السلام): كانت جدَّتي فاطمة (عليها السلام) بصدر المجلس جالسة، لذا ما تصدَّرتُ إجلالاً لها» [ثمرات الأعواد ج1 ص31].
والرواية صريحةٌ في حضور الصدِّيقة الزهراء في مجالس عزاء الإمام الحسين (عليه السلام)، كما هو واضح.
نعم، قد يُشكل عليها بجملةٍ من الإشكالات، نذكر المهم منها:
الإشكال الأوَّل: أنَّ الرواية ضعيفةٌ بسبب حذف سندها، ومعه لا يُمكن الأخذ بها والتعويل عليها؟
والجواب: ليس مدار الحُجيَّة والاعتبار للسند وحده، بل للمتن والمضمون أيضاً الدخالة في الحُجيَّة؛ ولذلك فلا ملازمة بين ضعف السند وبين ضعف المتن، إذْ قد تكون الرواية ضعيفة من حيث السند ولكنَّها معتبرة من حيث المتن والمضمون، وقد يكون العكس أيضاً.
والمنبِّه على هذا الأمر: ما ذهب إليه مشهور الأعلام من القول بالكاسريَّة والجابريَّة للسند، إذْ يكون عمل المشهور جابراً لضعف السند، كما يكون إعراضهم كاسراً لقوَّة السند، كما لا يخفى على المتتبع الفطن.
الإشكال الثاني: إنَّ هذه الرواية غير موجودة في المصادر القديمة، ولذلك لا يُمكن الركون إليها والأخذ بها؟
والجواب: إنَّ عدم وجود الرواية في المصادر القديمة لا يعني كذبها واختلاقها، لضياع جملةٍ من المصادر القديمة التي يُحتمل أنَّ المصنِّف قد أخذ الرواية منها، وإلَّا فمن البعيد جدَّاً أنْ يكون المصنِّف (طاب ثراه) قد تعمَّد الكذب على أسياده الكرام (صلوات الله عليهم)!
وقد يُقال أيضاً: إذا كان للرواية مصدرٌ أقدم لزم أنْ يطَّلع عليه غيره، والحال أنا لا نجدها إلَّا في هذا الكتاب فقط؟
فيقال في جوابه: ليس من الضروري أنَّ كلَّ ما عَثر عليه المتأخِّرون من الأصول والمصادر أنْ يَعثر عليه القدماء.
والشاهد على هذا: ما عثر عليه الشيخ ابن إدريس الحليّ، والميرزا النوريّ، والسيِّد محمَّد الحجَّة الكوهكمريّ من الأصول دون القدماء [يُنظر: القواعد الرجاليَّة للإيروانيّ ص 117]؛ ولذلك فقد يكون المصنِّف (طاب ثراه) قد اطَّلع على بعض المصادر التي فُقدت في عصرنا هذا.
فتحصَّل: أنه يُمكن التعويل على رواية السيد الهاشميّ (طاب ثراه) لإثبات حضور الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) في مجالس العزاء.
الأمر الرابع: قد يُقال بأنَّ حضور الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) لمجالس العزاء أمرٌ غير مقبول في حدِّ نفسه؛ وذلك لمنافاته قانون المكان والزمان؛ ولذلك ترفض هذه الفكرة، لعدم إمكانها في حدِّ نفسها.
فنقول: إنَّ حضور الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) لمجالس العزاء يُمكن أنْ يتصوَّر بعدَّة صور، كلّها داخلةٌ في حيِّز الإمكان والجواز، منها:
الصورة الأُولى: أنْ يكون حضورها (عليها السلام) بمعنى «الإحاطة والشهود»، وجواز هذه الصورة من الأمور الواضحة جدَّاً، لدلالة الآيات والروايات عليها، أمثال قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]، فإنَّ المراد من قوله (جلَّ جلاله): ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ هو أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) [يُنظر: الكافي ج1 ص219].
ولا شكَّ في أنَّ الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) هي سيِّدة الأئمَّة والحُجيَّة عليهم، كما هو واضح.
الصورة الثانية: أنْ يكون حضورها (عليها السلام) بـ «البدن البرزخيّ»، وجواز هذه الصورة من الأمور الواضحة أيضاً، فإنَّ البدن البرزخيّ له القابلية على الحضور في أماكن متعددة وأزمنة مختلفة، وذلك لكونه خارجاً عن حيِّز الزمان والمكان أصلاً، كما لا يخفى.
الصورة الثالثة: أنْ يكون حضورها (عليها السلام) بـ «البدن الماديّ»، وهذا هو القدر الذي يُستشكل فيه، لما فيه من إشكاليَّة الزمان والمكان، ولكنْ يُمكن أنْ يوجَّه بوجهٍ لا يتنافى مع قانون الزمان والمكان.
فيُقال: إنَّ الثابت في جملة من الأخبار الشريفة أنَّ أرواح الشيعة قد خُلقت من طينةٍ، خُلقَ منها بدن المعصوم (عليه السلام)، ولذلك يكون لأبدانهم الشريفة ما للأرواح من القدرة والإحاطة، ومنها الحضور في مجالس العزاء، لخروج الأرواح عن حيِّز الزمان والمكان، كما هو واضح.
من تلك الروايات:
1ـ ما رواه الشيخ الكُلينيّ (طاب ثراه) بسنده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنَّ الله خلقنا من عليين، وخلق أرواحنا من فوق ذلك، وخلق أرواح شيعتنا من عليين، وخلق أجسادهم من دون ذلك، فمن أجل ذلك القرابة بيننا وبينهم، وقلوبهم تحنُّ إلينا» [الكافي ج1 ص243].
2ـ ومنها ـ أيضاً ـ ما رواه بالإسناد عن محمَّد بن مروان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) سمعته يقول: «إنَّ الله خلقنا من نور عظمته... إلى أنْ قال: وخلق أرواح شيعتنا من طينتنا، وأبدانهم من طينة مخزونة مكنونة أسفل من ذلك الطينة» [الكافي ج1 ص243].
وعليه، فالمستفاد من هذه الأحاديث الشريفة أنَّ لأبدانهم (عليهم السلام) ما للأرواح من اللطافة التي تفوق حيِّز الزمان والمكان، كما هو واضح.
الأشباه والنظائر:
هذا، وقد يجد المتتبع لفكرة حضور الزهراء في المجالس الحسينيَّة جملة من الأشباه والنظائر، نذكر منها:
الشبيه الأوَّل: ما دلَّ على حضورهم (عليهم السلام) عند المحتضر، فهو يدلُّ على إمكان حضور الزهراء (عليها السلام) في مجالس العزاء.
قال العلَّامة المجلسيّ (طاب ثراه): (إنَّ حضور النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) والأئمَّة (صلوات الله عليهم) عند الموت مما قد ورد به الأخبار المستفيضة، وقد اشتهر بين الشيعة غاية الاشتهار، وإنكار مثل ذلك لمحض استبعاد الأوهام ليس من طريقة الأخبار، وأمَّا نحو حضورهم وكيفيته، فلا يلزم الفحص عنه، بل يكفي فيه وفي أمثاله الإيمان به مجملاً على ما صدر عنهم (عليهم السلام)) [بحار الأنوار ج٦ ص200].
وللمركز بعض الأجوبة السابقة حول حضورهم (عليهم السلام) عند الاحتضار، يمكن مراجعتها.
الشبيه الثاني: ما جاء في بعض الأخبار من أنَّ الصدٍّيقة الزهراء (عليها السلام) تحضر عند زوَّار ولدها أبي عبد الله الحسين (عليه السلام).
فقد روى ابن قولويه القميّ بالإسناد إلى داود بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّ فاطمة بنت محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) تحضر لزوَّار قبر ابنها الحسين (عليه السلام)، فتستغفر لهم ذنوبهم» [كامل الزيارات ص231].
الشبيه الثالث: ما دلَّ على أنَّ ملك الموت (عليه السلام) يحضر لقبض الأرواح في كلِّ مكان وزمان.
ومنه يتَّضح أنَّ فكرة حضور الزهراء (عليه السلام) في مجالس العزاء ليست فكرة غريبة عن المنظومة الدينيَّة، بل لها أشباه ونظائر، كما لا يخفى.
ولعلَّ من أجل هذا كلِّه أفتى زعيم الحوزة العلميَّة السيد أبو القاسم الخوئيّ (طاب ثراه) بإمكان ذلك وجوازه، في جواب استفتاء وُجِّه إليه، ونصُّ ذلك:
(ترشد بعض الروايات إلى أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) والزهراء (عليها السلام) يحضرون مآتم عزاء الإمام الحسين (عليه السلام) فما رأي مولانا الكريم، وعلى فرض الورود فهل يشمل حضور بقية الأئمَّة (عليهم السلام)؟
الخوئي: هذا أمر مُمكن، وبعض الروايات دلَّت عليه، والله العالم) [صراط النجاة ج3 ص319].
وقد وافقه على ذلك الفقيه الميرزا جواد التبريزيّ (طاب ثراه).
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ حضور الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) لمجالس العزاء الحسينيّ ممكن في حدِّ نفسه، وقد دلَّت عليه أخبار الإحاطة الوجوديّة، وروايات الإسعاد الكثيرة، وكذلك رواية السيِّد الهاشميّ.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق