لبس السواد في عزاء أهل البيت (ع)
السؤال: ورد في جملةٍ من الأخبار النهيُ عن لبس السواد مطلقاً، فهل هذا النهي شاملٌ لما يفعله الشيعة من لبس السواد على الإمام الحسين وباقي أهل البيت (عليهم السلام) أم لا، يُرجى بيان ذلك؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
قبل الشروع في الجواب لا بأس بذكر بعض الروايات الناهية عن لبس السواد، وبعدها نعلِّق عليها بما يناسب المقام، والله الموفِّق.
1ـ روى الكُلينيّ (طاب ثراه) بسندٍ معتبرٍ إلى أبان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لما فتح رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) مكَّة، بايع الرجال ثمَّ جاء النساء يبايعنه ... إلى قوله: قال: لا تلطمن خداً، ولا تخمشن وجهاً، ولا تنتفن شعراً، ولا تشققن جيباً، ولا تسودن ثوباً» [الكافي ج5 ص ٥٢٧].
2ـ وروى (طاب ثراه) أيضاً عن العدَّة، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن بعض أصحابه رفعه قال: «كان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يكره السواد إلَّا في ثلاث: الخف، والعمامة، والكساء» [الكافي ج6 ص449].
3ـ وروى الصدوق (طاب ثراه) بسنده عن أبي بصير، عن عبد الله (عليه السلام) قال: حدَّثني أبي، عن جدِّي، عن أبيه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال فيما علم أصحابه: «لا تلبسوا السواد، فإنه لباس فرعون» [علل الشرائع ج2 ص ٣٤٧]، إلى غيرها من الروايات الواردة في هذا المعنى.
إذا بان هذا فلنا بعض التعليقات، نذكرها ضمن أمور:
الأمر الأوَّل: إنَّ هذه الروايات لا إطلاق فيها، لكونها ناظرةً إلى زيِّ أعداء الله تعالى كفرعون (لعنه الله)، وبني العبَّاس الذين عُرفوا بلبس السواد وأمروا بلبسه؛ ولذلك يكون النهي في هذه الروايات نهياً عن قصد تشبُّه الشيعة بزيِّ الظلمة والمجرمين، وليس عامّاً لكلِّ قصد ونيَّة.
1ـ قال السيد جعفر الطباطبائيّ (طاب ثراه): (إنَّ كراهة لبس السواد ليس من حيث كونه لبس سواد تعبُّداً، وإلَّا لما استثنى ما استثنى منه من نحو الخف والعمامة والكساء، بل إنّما هي من حيث كونه زيَّ أعداء الله سبحانه الذين اتخذوه من بين سائر الألوان ملابس لهم، فيكون الممنوع عنه حينئذٍ التزيِّ بزيهم والتشبُّه بهم، الذي منه التلبُّس بما اتخذوه ملبساً لأنفسهم ... ومعلوم أنَّ عنوان التشبُّه بهم ونحوه من التزيِّ بزيهم لا يتأتى مع كون القصد من ذلك غيره، بل الدخول في عنوانٍ هو في نفسه مطلوب من حيث هو كذلك، مندوب شرعاً، وهو التلبُّس بلباس المصاب المعهود في العرف والعادة قديماً وحديثاً للتحزُّن على مولانا الحسين (صلوات الله عليه)) [إرشاد العباد ص35].
2ـ وقال العلَّامة الشيخ فاضل الصفَّار (حفظه الله تعالى): (ويتوصَّل من ذلك إلى أنَّ النهي عن لبس السواد ورد للإرشاد، وقد نشأ من العنوان الثانويّ، تخليصاً للمؤمنين من التشبُّه بأعداء الله سبحانه ورسوله والأئمَّة (عليهم السلام) لا بالعنوان الأوليّ) [فقه الشعائر الدينيَّة ج3 ص88].
وبناءً على هذا، فإنَّ لبس السواد إذا كان من أجل التحزُّن لأهل البيت (عليهم السلام) والمواساة لهم فلا يكون مشمولاً لتلك الأخبار الناهية.
الأمر الثاني: لو أعرضنا عما تقدَّم وقلنا بإطلاق الروايات المانعة، فهي مخصَّصةٌ بما ورد في جملة من الأخبار الدالَّة على رجحان لبس السواد في مصائب أهل البيت (عليهم السلام)، نذكر بعضاً منها:
1ـ روى ابن سعد بسنده عن عاصم، عن أبي رزين، قال: «خطبنا الحسن بن علي وعليه ثيابٌ سودٌ، وعمامةٌ سوداء» [الطبقات الكبرى ج1ص ٣٠٨]. وذلك بعد مقتل أمير المؤمنين (عليه السلام).
قال السيد عبد العزيز الطباطبائيّ (طاب ثراه) تعليقاً عليه: (وخطبة الحسن (عليه السلام) هذه هي التي بعد مقتل أبيه؛ ولهذا كان عليه ثياب سودٍ حداداً على أبيه، وذكر ذلك المدائنيُّ أيضاً، كما حكاه عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة) [ترجمة الإمام الحسن من طبقات ابن سعد ص٧١].
2ـ وروى الشيخ البرقيّ (طاب ثراه) بسندٍ معتبر عن الحسين بن زيد، عن عمر بن علي بن الحسين، قال: «لما قتل الحسين بن علي (عليه السلام) لبسن نساء بني هاشم السواد والمسوح، وكنَّ لا يشتكين من حرٍّ ولا برد، وكان علي بن الحسين (عليه السلام) يعمل لهن الطعام للمأتم» [المحاسن ج2 ص٤٢٠].
ومن البيِّن إمضاء الإمام السجَّاد (عليه السلام) لفعلهنَّ هذا؛ لعدم الردع عنه لو كان ممنوعاً من الناحية الشرعيَّة؛ لأنَّ من الممتنع عادة عدم اطلاعه على ذلك، فهو متضمِّن لتقريره لا محالة [يُنظر: إرشاد العباد للطباطبائيّ ص29].
3ـ وروى الشيخ عبد الله المامقانيّ (طاب ثراه) عن الأصبغ بن نُباتة أنه قال: «دخلت مسجد الكوفة بعد قتل أمير المؤمنين ورأيتُ الحسن والحسين (عليهما السلام) لابسي السواد» [الشعائر الحسينيَّة للشيخ السند ص ٣٨٦]. إلى غير ذلك مما ورد في لبس السواد عليهم حزناً وحداداً.
قال الميرزا النوريّ (طاب ثراه) بعد نقله لبعض القصص والأخبار في هذا المقام ما نصُّه: (قلتُ: وفي هذه الأخبار والقصص إشارةٌ، أو دلالةٌ على عدم كراهة لبس السواد، أو رجحانه حزناً على أبي عبد الله (عليه السلام)، كما عليه سيرة كثير في أيام حزنه ومأتمه) [مستدرك الوسائل ج3 ص328].
فتحصَّل: أنَّ الروايات الدالَّة على رجحان لبس السواد في مصائب خير العباد مخصِّصةٌ لتلك الأخبار العامَّة، وتكون النتيجة بعد إعمال التخصيص هي كراهة لبس السواء إلَّا في مصائب أهل البيت (عليهم السلام)، كما هو واضح.
الأمر الثالث: لو أعرضنا عما تقدَّم أيضاً وقبلنا به، فأدلَّة تعظيم الشعائر الدينيَّة، وإحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام) مقدَّمة عليها.
1ـ قال الميرزا جواد التبريزيّ (طاب ثراه): (بقي أمرٌ تعرَّض له صاحب الحدائق (قدِّس سرُّه)، فإنه بعد أنْ نقل هذه الروايات قال: «لا يبعد استثناء لبس الأسود في مأتم الحسين (عليه السلام) من هذه الأخبار، لما استفاضت به الأخبار من الأمر بإظهار شعائر الأحزان». ولم يبيِّن الوجه في عدم شمول هذه الروايات لذلك.
والوجه في عدم الشمول هو: أنَّ في لبس المؤمنين الثياب السوداء في وفيات الأئمَّة (عليهم السلام) وبالخصوص في أيام محرَّم الحرام وشهر صفر إظهاراً لمودتهم وحبّهم لأهل البيت (عليهم السلام) فيحزنون لحزنهم، وأنَّ هذا العمل من المؤمنين إحياءٌ لأمر أهل البيت (عليهم السلام)، وقد روي عنهم (عليهم السلام): «رحم الله مَن أحيا أمرنا»، فإذا ارتدى عامَّة الناس من الرجال والشباب والأطفال الثياب السود كان ذلك ظاهرةً اجتماعيَّةً تلفت نظر الغريب فيسأل: ماذا حدث؟ بالأمس كان الأمر طبيعيّاً وكانت ألوان ثياب الناس مختلفة، وأمَّا اليوم فقد لبسوا كلّهم السواد؟! فعندما يوضَّح له بأنَّ اليوم يوم حزنٍ ومصيبةٍ على ريحانة الرسول الحسين بن علي (عليه السلام)، كان هذا الأمر في حدِّ نفسه إحياءً لأمره (عليه السلام)؛ ولهذا اشتهر أنَّ بقاء الإسلام بشهري محرَّم وصفر، وذلك لأنَّ حقيقة الإسلام والإيمان قد أُحييت بواقعة كربلاء، وهذا دليلٌ لابدَّ من المحافظة عليه لتراه الأجيال القادمة ماثلاً أمامهم، فيحصل لهم اليقين به، فإنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) نفسه قد أثبت أحقيَّة التشيع، وأبطل سائر ما عداه) [رسالة مختصرة في لبس السواد ص٢٠].
2ـ وقال العلَّامة الشيخ فاضل الصفَّار (حفظه الله تعالى): (الحق أنَّ التمسُّك بإطلاق الروايات الناهية لإثبات كراهة لبس السواد مطلقاً محلُّ تأمل؛ لأنَّ نسبتها مع أدلَّة استحباب تعظيم الشعائر هي العموم من وجه، وفي مورد الاجتماع تترجَّح أدلَّة الاستحباب عليها، لغلبة مصالحها الأوَّليَّة والثانويَّة، وإباء أدلَّة الشعائر عن التخصيص، بل التمسُّك بإطلاقات الكراهة حتَّى في مورد لبس السواد تعظيماً للشعائر ممتنعٌ في نفسه؛ لأنه من مصاديق التمسُّك بالعام في الشبهة المصداقيَّة... إلى قوله: إذْ لعلَّ للبس السواد في عزاء الإمام الحسين (عليه السلام) خصوصيَّةٌ خاصَّةٌ ناشئةٌ من كونه إظهاراً للحزن والولاية والبراءة وإحياء لأمرهم ونحوها من عناوين راجحة، فلا تشمله أدلَّة النهي تخصُّصاً [فقه الشعائر الدينيَّة ج3 ص92ـ94].
فتحصَّل: أنَّ أدلَّة تعظيم الشعائر الدينيَّة وتعظيم أمر أهل البيت (عليهم السلام) وإحياء أمرهم مقدَّمة على الروايات الناهية عن لبس السواد؛ ولذلك تكون الروايات الناهية ناظرةً إلى غير حالة اللبس في غير الشعائر.
بقي شيء:
وهو أنَّ الملاحِظ لكلمات الأعلام وفتاويهم بهذا الشأن يجدها صريحةً وواضحةً في جواز لبس السواد واستحبابه، نكتفي بذكر بعض منها:
قال المرجع الدينيّ الشيخ بشير النجفيّ (دام ظلُّه) في جواب سؤالٍ وجِّه إليه: (الحزن وإبرازه على الحسين (عليه السلام) وباقي أهل البيت (عليهم السلام) أمرٌ مرغوبٌ به ومطلوب شرعاً. ولبس السواد بالطرق المتعارفة منه، بل أبرزها تجسيد لذلك، ومن يفعل ذلك لأجل ما ذكرناه يستحقُّ الأجر والثواب الجزيلين من الله سبحانه. وينبغي إبراز امتياز الحزن على سيد الشهداء (عليه السلام) على الحزن على باقي المعصومين (عليهم السلام) امتثالاً لأمرهم؛ وذلك يتحقّق في لبس السواد في شهري محرَّم وصفر، وفي يوم وفيّات المعصومين (عليهم السلام)، والله الهادي وهو العالم) [يُنظر: الموقع الإلكترونيّ لمكتب سماحته].
والنتيجة النهائيَّة من جميع ما تقدَّم: أنَّ هذه الروايات المانعة من لبس السواد غير شاملةٍ لما يفعله المؤمنون من لبس السواد؛ حزناً على أهل البيت (عليهم السلام)، وتعظيماً لأمرهم وإحياءً لذكرهم، لما بيَّناه تفصيلاً.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق