نزر من مناقب مسلم بن عقيل (ع)
السؤال: يُرجى تزويدنا بشيءٍ من مناقب وفضائل الشهيد مُسلم بن عقيل (عليه السلام)؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
هو الشهيد مسلم بن عقيل بن أبي طالب، بن عبد المطَّلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصيِّ، بن كلاب، بن مرَّة، بن لؤيِّ، بن غالب، بن فهر، بن مالك، بن النضر، بن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن الياس، بن مضر، بن نزار، بن معدِّ، بن عدنان، وقد ورد في بعض الأخبار الإمساك عند عدنان.
وُلِد في المدينة المنوَّرة في حدود عام (32) من الهجرة، واستُشهِد في الكوفة في التاسع من ذي الحجَّة عام (60) من الهجرة المباركة، على يد عدو الله تعالى اللَّدود عُبيد الله بن زياد وجلاوزته.
من مناقب الشهيد مُسلم:
1ـ ما رواه المحدِّث الطبريِّ بسنده إلى محمَّد بن بشر الهمدانيِّ، وفيه قوله: «بسم الله الرحمن الرحيم، من حُسين بن عليِّ إلى الملإ من المؤمنين والمسلمين، أمَّا بعد: فإنَّ هانئاً وسعيداً قدما عليَّ بكتبكم، وكانا آخر من قدم عليَّ من رسلكم... إلى قوله: وقد بعثتُ إليكم أخي وابن عمِّي وثقتي من أهل بيتي، وأمرته أنْ يكتب إليَّ بحالكم وأمركم ورأيكم، فإنْ كتب إليَّ أنه قد أجمع رأي ملئكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت عليَّ به رسلكم، وقرأت في كتبكم، أقدم عليكم وشيكاً إنْ شاء الله، فلعمري ما الإمام إلَّا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحق، والحابس نفسه على ذات الله والسلام» [تاريخ الطبري ج5 ص353].
أقول: إنَّ قول الإمام (عليه السلام) في حقِّه: «أخي وابن عمِّي وثقتي من أهل بيتي...» يكشف بوضوحٍ عن علوِّ مقام مُسلم بن عقيل (عليه السلام) ورفعة منزلته، إذْ إنَّ وصفه بالأخوَّة والوثاقة، مع إضافته إلى نفسه الشريفة، يُعدُّ من أبلغ الشواهد على جلالة قدره وعظيم شأنه، كما هو واضحٌ.
2ـ وما رواه أيضاً وفيه: «فأتى ذلك الخبر حُسيناً وهو بزبالة، فأخرج للناس كتاباً، فقرأ عليهم: بسم الله الرحمن الرحيم، أمَّا بعد: فإنه قد أتانا خبرٌ فظيعٌ، قُتل مسلم ابن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن يقطر» [تاريخ الطبري ج5 ص398].
أقول: وهذا مما يُشير إلى شدَّة تألّمه وحزنه (عليه السلام) عليه.
3ـ وما رواه الشيخ الصدوقِّ (طاب ثراه) بسنده إلى سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس، قال: قال عليٌّ (عليه السلام) لرسول الله (صلى الله عليه وآله): «يا رسول الله، إنك لتحب عقيلاً؟ قال: إي والله، إني لأحبه حبَّين: حباً له، وحباً لحب أبي طالب له، وإنَّ ولدَه لمقتولٌ في محبَّة ولدك، فتدمع عليه عيون المؤمنين، وتصلِّي عليه الملائكة المقرَّبون. ثمَّ بكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتَّى جرت دموعه على صدره، ثمَّ قال: إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي» [الأمالي ص191].
أقول: لا يخفى ما يدلُّ عليه هذا النصّ من عظيم منزلة مُسلم بن عقيل (عليه السلام) ورفعة مقامه وجلالة قدره، إذْ عدَّه النبيّ (صلى الله عليه وآله) من عترته، وأظهر شدَّة تأثّره بمصيره، فبكى عليه حتَّى جرت دموعه على صدره، كما خصَّه ببيان أنه يُقتل حبّاً ونصرةً لسيّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام)، وهو ما يكشف عن سموّ مقامه وعظيم منزلته عند الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله).
4ـ وما رواه الشيخ ابن المشهديِّ (طاب ثراه) في زيارته، وفيها: «سلام الله وسلام ملائكته المقرَّبين وأنبيائه المرسلين وعباده الصالحين وجميع الشهداء والصدِّيقين، والزاكيات الطيبات فيما تغتدي وتروح عليك يا مُسلم بن عقيل. أشهدُ لك بالتسليم والتصديق والوفاء والنصيحة لخلف النبي (صلى الله عليه وآله)... فجزاك الله عن رسوله وعن أمير المؤمنين وعن الحسن والحسين أفضل الجزاء، بما صبرت واحتسبت وأعنت فنعم عقبى الدار. لعن الله من خذلك وغشَّك. أشهدُ أنك قتلت مظلوماً وأنَّ الله منجزٌ لكم ما وعدكم... السلام عليك أيها العبد الصالح، المطيع لله ولرسوله ولأمير المؤمنين وللحسن والحسين (عليهم السلام)... أشهد وأشهد الله أنك مضيت على ما مضى به البدريُّون والمجاهدون في سبيل الله، المناصحون في جهاد أعدائه، المبالغون في نصرة أوليائه، الذابُّون عن أحبائه، فجزاك الله أفضل الجزاء، وأوفر جزاء أحد ممن وفى ببيعته، واستجاب له دعوته، وأطاع ولاة أمره. أشهدُ أنك قد بالغت في النصيحة، وأعطيت غاية المجهود، فبعثك الله في الشهداء، وجعل روحك مع أرواح السعداء، وأعطاك من جنانه أفسحها منزلاً، وأفضلها غرفاً، ورفع ذكرك في العليين، وحشرك مع النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. أشهدُ أنك لم تهن ولم تنكل، وأنك مضيت على بصيرة من أمرك، مقتدياً بالصالحين، ومتبعاً للنبيين، فجمع الله بيننا وبينك وبين رسوله وأوليائه في منازل المخبتين، فإنه أرحم الراحمين» [المزار الكبير ص١٧٧ـ178].
أقول: الملاحظ أنّ هذه الزيارة نظير زيارة سيّدنا أبي الفضل العبّاس (عليه السلام).
5ـ وما رواه السيد ابن طاووسِ (طاب ثراه) في زيارة أُخرى له، وفيها: «السلام عليك أيها الفادي بنفسه ومهجته، الشهيد الفقيد المظلوم، المغصوب حقُّه، المنتهك حرمته. السلام عليك يا من فادى بنفسه ابن عمِّه، وفدى بدمه دمه. السلام عليك يا أوَّل الشهداء وإمام السعداء. السلام عليك يا مُسلم، يا من أسلم نفسه، وسكن على طاعة الله رمسه، وأخمد حسه... يا من أرضى بفعاله محمَّداً المختار والملك الجبَّار، السلام عليك لقد صبرت فنعم عقبى الدار... أشهدُ بين يدي الله أنك جاهدت وصابرت وخاصمت أعداء الله على طاعته وطاعة نبيه ووصيه ووليه، فمضيت شهيداً وتوليت حميداً» [مصباح الزائر ص١٠٣].
كلمات الأعلام:
1ـ قال العلَّامة الدربنديُّ: (إنَّ لمسلم مقاماتٍ كريمةً ومناقبَ سنيةً، لا يسعها الطوامير والطروس الطوال، وكيف لا، فالعِرق صحيحٌ والمنشأ كريمٌ، والشأن عظيمٌ والعمل جسيمٌ، والعلم كثيرٌ والشأن عجيبٌ، واللسان خطيبٌ والصدر رحيبٌ، فأخلاقه وفق أعراقه، وحديثه يشهد لقديمه، فقول الإمام (عليه السلام) في شأنه يكشف عن كونه في غارب السنام، من ذروة الشرف من المكارم والفواضل والنجدة والفضائل. فجوهرة ذاته القدِّيسة، وخميرة طينته الطَّاهرة، كانت أقرب الخميرات إلى عجينة الرحمة، وطينة أهل بيت العصمة، فقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) كقوله ولدِه وريحانته وليِّ الله وابن وليِّه في شأن مُسلم بن عقيل يفيد أصولاً إيمانيةً وضوابطَ إيقانيةً. فمنها: أنَّ درجته دون درجة أهل العصمة، وفوق درجات غيرهم من أصحاب المقامات الجلية والدرجات العلية. ومنها: أنَّ البكاء عليه من لوازم الإيمان وخواص الإيقان. ومنها: أنه قد بكى عليه جميع أهل السماوات وحملة عرش الرحمن. ومنها: أنَّ شأنه من بين حواريي سيد الشهداء، كان كشأن أبي الفضل العبَّاس وعلي الأكبر والقاسم، أي: من جهة التأييد والتسديد والعصمة على وجهٍ، ومن وجه شدَّة الإيقان) [إكسير العبادات ج2 ص88].
2ـ وقال العلَّامة المامقانيُّ: (وهو سيد السعداء، وأوَّل الشهداء، وسفير سيد الشهداء (عليه السلام) إلى أهل الكوفة، وجلالته لا يفي بها قلمٌ، ولا يحيط بها رقمٌ ... إلى قوله: وأقول: كونه في أعلى درجات العدالة والثقة مما لا يرتاب فيه ذو مسكة، كيف، وإرسال الحسين (عليه السلام) إيَّاه سفيراً من أعظم البراهين على ثقته وعدالته) [تنقيح المقال ج3 ص214].
3ـ وقال العلَّامة السيد المقرَّمُ: (غير خفي أنَّ داعية الحسين مُسلم بن عقيل (عليه السلام) من أولئك الرجال الذين يجب أنْ يُخلَّد ذكرهم ويُقتص أثرهم، فهو صريخة هاشم، وسريٌّ من سروات المجد من آل محمَّد، وقد استصلحه سيد الشهداء للنيابة عنه في الكوفة ثقةً منه بعلمه وتقواه وعقله وبسالته وكرمه، فأقبل (عليه السلام) ناشراً لواء العدل ليكتسح الجور ويكبح جماح الضلال، بيد أنَّ نزعات الباطل حالت دون إقامة الأمت وتثقيفه الأود، فاستشهد دون إكمال رسالته، ولكنه خلَّف من بعده هتافاً عالياً يسمع الصخر الأصم، وعقيرته مرتفعة بين لابتي العالم تعيها أذنٌ واعيةٌ بأنَّ الحق في دعوة سيد الشهداء، وأنَّ الباطل فيمن ناوأه، وأنَّ مبدأً صحيحاً كهذا يجب أنْ يُضحَّى دونه النفس والنفيس، ويُرخَّص في سبيله ذلك الدم الغالي الزاكي، دم مُسلم بن عقيل ومن يحذو حذوه من المجاهدين) [الشهيد مُسلم بن عقيل ص182].
4ـ وقال المحقِّق الشيخ محمَّد حسين الأصفهانيُّ في أرجوزته:
وصلِّ بالإشراق والأصيل **على الإمام من بني عقيل
أوَّل فادٍ فاز بالشهادة ** وحاز أقصى رتب السعادة
كفاه فخراً منصب السفارة ** وهو دليل القُدس والطهارة
كفاه فضلاً شرف الرسالة **عن معدن العزّة والجلالة
وهو أخ ابن عمِّه المظلوم ** نائبه الخاصّ على العموم
وعينُه كانت به قريرة ** حيث رآه نافذَ البصيرة
لسانه الداعي إلى الصواب ** بمحكم السنّة والكتاب
منطقه الناطق بالحقائق ** فهو ممثّل الكتاب الناطق
وليّه المنصوب للهداية ** فهو وليّ صاحب الولاية
إلى آخر أبياته القيِّمة [الأنوار القدسية ص١٦٠].
5ـ وقال السيِّد أبو القاسم الخوئيُّ: (مُسلم بن عقيل ابن أبي طالب، من أصحاب الحسن (عليه السلام)... وسفيره إلى أهل الكوفة، وأوَّل مستشهد في سبيله، أظهر من الشمس، وكيف كان، فجلالة مُسلم بن عقيل وعظمته فوق ما تحويه عبارةٌ، فقد كان بصفِّين في ميمنة أمير المؤمنين (عليه السلام) مع الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، ذكره ابن شهر آشوب في المناقب في حرب صفِّين...) [معجم رجال الحديث ج19 ص165].
إلى غيرها من كلمات الأعلام في هذا المجال.
والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك، أنَّ لمسلم بن عقيل (عليه السلام) من المقام والرفعة عند الله تعالى وأهل البيت (عليهم السلام) أكثر مما نتصوَّر ونعلم، فسلام الله عليه يوم ولد، ويوم استشهد في طريق الإمام الحسين (عليه السلام)، ويوم يُبعث حياً.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق