القرآن فيه كل شيء، فهل فيه أخطاء؟

السؤال: هل تعني عبارة: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، أنَّ الخطأ أو النقص يمكن أنْ يكون ضمن هذا الشيء؟ بمعنىً آخر، هل يشتمل القرآن على الأخطاء باعتباره نصّاً شاملاً؟

: الشيخ أحمد الكعبي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ الشبهة المطروحة ترتكز على مغالطةٍ لفظيَّةٍ ومنهجيَّةٍ، ناشئةٍ عن عدم التدقيق في السياق التفسيريِّ للآية المباركة، وضوابط الاستدلال الأصوليِّ واللغويِّ لعموم ألفاظها.

ولتفكيك هذه الشبهة ودحضها بالكامل، نقرِّر الإجابة عبر ثلاثة أركانٍ:

أوَّلاً: تحرير معنى (الكتاب) في الآية الكريمة:

يتوهَّم صاحب الشبهة أنَّ لفظة «الكتاب» في قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38] تشير إلى القرآن الكريم تدويناً؛ وبناءً على هذا الفهم الخاطئ يبني شبهته.

بيد أنَّ تتبُّع السياق القرآنيِّ يكشف بوضوحٍ أنَّ المراد بـ«الكتاب» هنا هو (اللوح المحفوظ)؛ أي: كتاب التكوين والتقدير الإلهيِّ العامِّ؛ بدليل صدر الآية المباركة: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. فالكلام مسوقٌ لبيان أنَّ شؤون الخلائق كلَّها، من إنسانٍ وحيوانٍ وطيرٍ، مقدَّرةٌ ومكتوبةٌ ومسجَّلةٌ في اللوح المحفوظ، دون إهمالٍ أو تفريطٍ.

وإذا ثبت أنَّ المراد بالصيغة هو اللوح المحفوظ المعنيُّ بكتابة المقادير، بطلت الشبهة من أساسها؛ لعدم توجُّهها نحو القرآن الكريم المعجز المدوَّن بأيدينا [ينظر: تفسير الميزان ج7 ص81].

وثانياً: تفكيك مغالطة دخول (الخطأ) تحت عموم (الشيء):

لو تنزَّلنا منهجيّاً ـ مجاراةً للخصم ـ وقلنا إنَّ المراد بـ«الكتاب» هو القرآن الكريم، فإنَّ شبهة دخول الأخطاء تحت عموم قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ تتهافت من وجهين:

1ـ الوجه الوجوديُّ والكلاميُّ:

إنَّ (الشيء) في لغة العرب وعلم الكلام يطلق على «الموجود الثابت المتحقِّق» في الأعيان أو الأذهان. أمَّا (الخطأ، والباطل، والنقص، والكذب)، فكلُّها أعدامٌ ونقائصُ نسبيَّةٌ؛ أي: عدمُ الصواب، وعدمُ المطابقة للواقع. والعدم والباطل ليسا بشيءٍ حقيقةً؛ فلا يدخلان موضوعاً تحت عموم كلمة ﴿شَيْءٍ﴾ الوجوديَّة؛ أي: إنَّهما يخرجان عنها تخصُّصاً. فالقرآن يحوي كلَّ كمالٍ معرفيٍّ ووجوديٍّ، والخطأ ليس كمالاً، بل نقصٌ، فلا يطلق عليه لفظ «الشيء» الوجوديُّ في هذا المقام المعرفيِّ.

2ـ قرينة السياق وهدف النزول:

إنَّ عموم قوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مقيَّدٌ لزوماً، وبقرينة العقل والسياق، بـ(كلِّ شيءٍ يتَّصل بالهداية، والتشريع، ودلالة الخلق إلى الله). فالقرآن كتاب هدايةٍ وتشريعٍ، لا كتاب علومِ فيزياءٍ أو جغرافيا تفصيليَّةٍ، والخطأ والنقص يتنافيان تماماً مع الغرض من الهداية؛ فلا يمكن لعاقلٍ أن يدَّعي دخول (الخطأ) في برنامج الهداية الربَّانيَّة المنزَّهة.

وثالثاً: صيانة القرآن وعصمته من الباطل والخطأ بالنصوص القاطعة:

لقد حسم القرآن الكريم مادَّة هذه الشبهة بنصوصٍ قاطعةٍ واضحةِ الدلالة، تنصُّ على تنزيهه المطلق وصيانته التامَّة من أيِّ شكلٍ من أشكال الباطل أو النقص أو الاختلاف، ومن ذلك:

قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42]. والخطأ والخلل من أجلى مصاديق الباطل، والآية تنفيه نفياً مطلقاً ومستقبليّاً.

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]؛ فنفي الاختلاف والخلل دليلٌ قاطعٌ على كمال الصنعة، وصدق المصدر، وعصمة التدوين.

خلاصة القول:

إنَّ القرآن الكريم يشتمل على كلِّ حقيقةٍ وجوديَّةٍ ومعرفيَّةٍ تقود الإنسان نحو الهداية والكمال المطلق، وهو معصومٌ منزَّهٌ بالدليل العقليِّ والبرهان النقليِّ القاطع عن أيِّ سقطةٍ أو خطأٍ؛ لأنَّ الخطأ نقصٌ، والكمال لا يتضمَّن النقص، والمنزِّل للحجج منزَّهٌ عن العبث والتقصير والجهل، سبحانه وتعالى علوّاً كبيراً.