هل العيوب الخلقية والزوائد البدنية تنافي الحكمة الإلهية؟

السؤال: نلاحظ وجود تفاوتٍ في كمال الخِلقة الظاهريَّة، حيث تظهر بعض العيوب والتشوُّهات الخَلقيَّة عند الولادة، كما تبرز في جسم الإنسان بعض الأعضاء والزوائد التي تبدو بلا وظيفةٍ أو فائدةٍ، مثل صيوان الأذن، والزائدة الدوديَّة، وغيرها. فكيف يمكننا التوفيق بين هذه الظواهر المشهودة وبين كمال الحكمة والتدبير الإلهيِّ في الخلق؟

: الشيخ أحمد الكعبي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ إثارة شبهة «العبث في الخلق» أو «الزوائد غير المفيدة» تُعدُّ من أركان المشرب المادِّيِّ الحسِّيِّ ـ الذي مثَّله تاريخيّاً أمثال بوخنر وشبلي شميل ـ للتشكيك في وجود خالقٍ حكيمٍ للكون. وتتأسَّس هذه الشبهة على خلطٍ منهجيٍّ بين عدم العلم بالشيء والعلم بعدمه.

ولأجل تفكيك هذه الشبهة، وتقديم ردٍّ عقليٍّ وطبِّيٍّ متكاملٍ يجمع بين حقائق التشريح المتقدِّم وقواعد الحكمة والعدل الإلهيِّ، نقسم الجواب إلى محاور منهجيَّةٍ محكمةٍ:

أوَّلاً: القانون المعرفيُّ وتراجع مساحة المجهول (عدم الوجدان لا يدلُّ على عدم الوجود):

تكمن ركيزة الاعتراض الأولى في مغالطةٍ منطقيَّةٍ فاحشةٍ، وهي الخلط بين «غياب الفائدة في نفس الأمر» وبين «عدم إدراك الإنسان لهذه الفائدة». فالقائل بالعبثيَّة يستبدل عدم الوجدان بعدم الوجود، بينما الحقيقة العلميَّة تؤكِّد أنَّ العلم البشريَّ التجريبيَّ ما زال يكشف المحجوب عن مجاهيل النفس الإنسانيَّة.

وقد أقرَّ كبار رموز العلم بتواضعٍ علميٍّ أمام أسرار الخلق:

فقد أقرَّ ألبرت أينشتاين أنَّ ما يعلمه بالنسبة إلى ما يجهله كنسبة درجةٍ صغيرةٍ في أسفل مكتبته إلى مكتبته الضخمة بأكملها.

وعلَّق على كلامه المفكِّرُ أحمد أمين بأنَّ النسبة الحقيقيَّة لجهلنا بكنه المادَّة، والكهرباء، والذرَّة، والحياة نفسها أقلُّ من ذلك بكثيرٍ؛ فنحن نعلم «كيف» تعمل الأشياء، ولا نعلم «ماهيَّتها».

وأكَّد الدكتور ميريت ستانلي كونجدن أنَّ العلم تجريبيٌّ تجزيئيٌّ لا يملك صفة الحسم النهائيِّ، بل نتائجه احتماليَّةٌ قابلةٌ للتعديل والتبديل مع اتِّساع رقعة الاكتشاف [ينظر: مجلة رسالة الإسلام المصريَّة س4 ع1 ص24].

وعنون الدكتور ألكسيس كاريل ـ الحائز على جائزة نوبل في الطبِّ ـ في كتابه [الإنسان ذلك المجهول ص17]، فصلاً كاملاً بعنوان: «جهلنا بأنفسنا»، مبيِّناً أنَّ مناطق واسعةً من الجسد والنفس البشريَّة لا تزال مجهولةً تماماً، وغارقةً في العتمة العلميَّة.

وهذا ينسجم مع التوجيه القرآنيِّ بمحدوديَّة الإدراك البشريِّ لعمق المصالح التكوينيَّة: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]، و﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم: 7]، وما لخَّصه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله البليغ: «الدنيا كلُّها جهلٌ إلَّا مواضع العلم» [التوحيد للصدوق ص371].

وتجدر الإشارة إلى أنَّ هذا الاستدلال ليس توسُّلاً بالجهل، بل هو قراءةٌ في تاريخ الطبِّ التجريبيِّ، حيث كانت قائمة (الأعضاء الضامرة أو الزائدة) عند المادِّيِّين في القرن التاسع عشر تضمُّ أكثر من (180) عضواً، ثمَّ انكمشت هذه القائمة مع تطوُّر التشريح والدقَّة المجهريَّة لتصل إلى صفرٍ؛ ممَّا يثبت أنَّ العيب كان في المجهر، لا في الخِلقة.

وثانياً: مغالطة مركزيَّة الإنسان وشموليَّة النظام الكونيِّ:

يقع المعترضون في مغالطة تضخيم الذات، وذلك بجعل المنفعة الشخصيَّة المباشرة للإنسان هي الميزان المطلق للحكمة الإلهيَّة. فإذا لم يدرك الفرد منفعة جزءٍ ما، ادَّعى العبثيَّة! بينما الحكمة تُقاس بالتناسق العامِّ والنظام الكلِّيِّ للوجود.

ولتقريب هذا المعنى العقليِّ، نورد تمثيلين:

1ـ تمثيل العصفور ومعمل النسيج:

كأنَّ عصفوراً طار فوق معمل نسيجٍ ضخمٍ يعجُّ بالآلات المعقَّدة التي تنتج أفخر الأقمشة، فصاح العصفور مستنكراً: «ما فائدة هذا الصخب؟ لا أرى فيه حبَّة قمحٍ تمنحني منفعةً مباشرةً».

2ـ تمثيل النملة ومصفاة النفط:

كمثل نملةٍ صغيرةٍ زحفت على أرض مصفاة نفطٍ عملاقةٍ تدير اقتصاد دولٍ، فقالت استخفافاً: «ما نفع هذا الهيكل الحديديِّ؟ إنَّه لا يقدِّم لي قطرة ماءٍ».

فالإنسان الذي يتَّخذ من عدم علمه بالوظائف المباشرة دليلاً على العبث يعيد إنتاج السذاجة المعرفيَّة ذاتها؛ فالنظام الكلِّيُّ يخدم مقاصد عليا شموليَّةً.

وثالثاً: حقيقة الأعضاء التي ظُنَّت «زائدةً» في ضوء الطبِّ الحديث:

لقد حسم الطبُّ التشريحيُّ والبيولوجيا الجزيئيَّة دلالة الهدفيَّة في الجسد، وكشفا عن وظائف حيويَّةٍ بالغةِ الأهميَّة للأعضاء التي صنَّفها المادِّيُّون قديماً أعضاءً «زائدةً وعبثيَّةً»، ومنها:

1ـ اللوزتان: ثبت علميّاً أنَّهما خطُّ الدفاع الأوَّل ونظام الإنذار المبكِّر للجسد؛ إذ تنتجان الخلايا اللمفاويَّة التي تهاجم الميكروبات الداخلة عبر التنفُّس والفم.

2ـ الزائدة الدوديَّة والمصران الأعور: يمثِّل المصران الأعور بيئةً نموذجيَّةً لنموِّ البكتيريا النافعة المساعدة لعمليَّات الهضم والتخمير في القولون، بينما تعمل الزائدة الدوديَّة جزءاً فعَّالاً من الجهاز اللمفاويِّ في إنتاج خلايا المناعة، كما تُعدُّ مخزناً للبكتيريا النافعة، وتؤدِّي دوراً مهمّاً في استعادة التوازن البكتيريِّ بعد بعض الأمراض.

3ـ صيوان الأذن: يعمل بتصميمٍ هندسيٍّ فريدٍ على تجميع الموجات الصوتيَّة وتوجيهها بدقَّةٍ نحو القناة السمعيَّة، وتحديد اتجاه الصوت ومصدره.

4ـ ثدي الرجل: يمثِّل دلالةً تكوينيَّةً وبنيةً بيولوجيَّةً تؤكِّد وحدة الجنس البشريِّ وتكامله الجنينيَّ المشترك، وله أدوارٌ جماليَّةٌ وهرمونيَّةٌ متناسقةٌ في الهيكل العظميِّ والعضليِّ الصدريِّ.

إنَّ هذه الحقائق التشريحيَّة تؤكِّد تراجع مساحة «المجهول» لصالح «المعلوم الهادف»، وتثبت أنَّ ما يُظنُّ أنَّه بلا وظيفةٍ هو مجرَّد مسألة وقتٍ ريثما تكشف العلوم تفاصيله.

ورابعاً: معالجة قضيَّة «العيوب والتشوُّهات الخَلقيَّة» كلاميّاً وعقائديّاً:

أمَّا بالنسبة إلى التشوُّهات والعيوب الخَلقيَّة الطارئة ـ كالعاهات الجسديَّة الولاديَّة والخلل الجينيِّ ـ فإنَّ المدرسة العقليَّة والكلاميَّة تفكِّكها وفق القواعد التالية:

1ـ قانون تزاحم العلل في عالم المادَّة:

إنَّ العالم الذي نعيش فيه هو عالمٌ مادِّيٌّ محكومٌ بقوانين الأسباب والمسببات الفيزيائيَّة والكيميائيَّة، ومن طبيعة عالم المادَّة حصول التزاحم بين العلل، كحدوث طفرةٍ جينيَّةٍ بسبب تعرُّض الأمِّ لإشعاعٍ أو دواءٍ خاطئٍ، وإلغاء هذا التزاحم يقتضي إلغاء القوانين الطبيعيَّة للكون كلِّيّاً، وتحويله إلى عالمٍ مجرَّدٍ، وهو ما يتنافى مع حكمة خلق عالم المادَّة والابتلاء والامتحان.

2ـ مبدأ العوض والتعويض الإلهيِّ (العدل الإلهيُّ):

إنَّ الله سبحانه وتعالى ـ وهو العادل الحكيم ـ يعوِّض كلَّ صاحب عاهةٍ أو تشوُّهٍ ولاديٍّ في دار الخلود والأبد بعطايا ونعمٍ جليلةٍ تكافئ ما فاته وتزيد، بحيث يغدو ذلك النقص الدنيويُّ الزائل عين النعمة والخير في المآل الأبديِّ؛ ممَّا يحقِّق تمام العدل الإلهيِّ.

3ـ قصور القابل لا بخل الفاعل:

الخلل أو التشوُّه الجينيُّ ليس إرادةً ذاتيَّةً أوليَّةً من الخالق بالنقص، بل هو ناتجٌ عن قصور القابل؛ أي: المادَّة والجين المتأثِّر بالظرف البيئيِّ. فالفيض الإلهيُّ تامٌّ ومطلقٌ، ولكنَّ القابل المادِّيَّ قصُر عن قبول الصورة الكاملة بسبب التزاحم الفيزيائيِّ.

4ـ فلسفة الابتلاء والتكامل الإنسانيِّ:

إنَّ هذه العيوب هي مجلىً للامتحان التكوينيِّ والابتلاء الإنسانيِّ، سواءٌ لصاحب العاهة في الصبر والتسامي الروحيِّ، أو للمجتمع في الرعاية والرحمة والمسؤوليَّة الأخلاقيَّة. وبذلك يتحقَّق التكامل النفسيُّ والمعنويُّ للبشر، وهو الهدف الأسمى للوجود الإنسانيِّ في الدنيا، بوصفها دار ممرٍّ لا دار مقرٍّ.

وخامساً: النظام الأكمل ومفهوم التضادِّ التكوينيِّ:

إنَّ وجود بعض مظاهر النقص الجزئيِّ الطارئ في عالم المادَّة لا يقدح في الكمال الكلِّيِّ للنظام؛ إذ لولا النقص والتفاوت لما ظهرت قيمة الصحَّة والتمام؛ فالأشياء بأضدادها تُعرف، وكما أنَّ الظلَّ في الرسم الفنِّيِّ ليس عدماً أو إفساداً للوحة، بل هو الشرط التكوينيُّ لإبراز التجسيم، وأبعاد الأشكال، وعمق الضوء، كذلك التفاوت المادِّيُّ الجزئيُّ يبرز كمال الصنع وعظمة السلامة العامَّة في النظام الكلِّيِّ للأشياء.

الخلاصة:

إنَّ غياب الإدراك البشريِّ لا يلغي الهدفيَّة الربَّانيَّة، وما تتوهَّمه النظريَّة السطحيَّة عبثاً أو نقصاً، يتكفَّل العلم والطبُّ الرصين ببيان كماله التكوينيِّ. فالكون خُلق بإرادةٍ حكيمةٍ مدبِّرةٍ تضع كلَّ تفصيلٍ في موضعه اللائق ضمن النظام الأكمل للوجود.