ما هي الآثار الحضارية والتكنولوجية لعلوم أهل البيت (ع)؟
السؤال: قال الإمام الصادق (عليه السلام): «إنَّ عندنا علم ما كان وعلم ما هو كائن إلى أنْ تقوم الساعة»، نتساءل أحياناً عن أثر هذا العلم حضارياً وتكنولوجياً، إذْ المأثور عنهم بهذا الشأن قليل جداً؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
يُشير السائل إلى ما رواه الشيخ الكلينيّ بسندٍ صحيحٍ عن أبي بصير قال: «دخلتُ على أبي عبد الله (عليه السلام) فقلتُ له: جُعِلت فداك، إني أسألك عن مسألة، ههنا أحدٌ يسمع كلامي؟ قال: فرفع أبو عبد الله (عليه السلام) ستراً بينه وبين بيتٍ آخر فأطَّلع فيه ثمَّ قال: يا أبا محمَّد، سَلْ عمَّا بدا لك.
قال: قلت: جُعِلت فداك، إنَّ شيعتك يتحدَّثون أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) علَّم علياً (عليه السلام) باباً، يُفتح له منه ألف باب؟ قال: فقال: يا أبا محمَّد، علَّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) ألف باب، يُفتح من كلِّ بابٍ ألف باب. قال: قلت: هذا والله العلم، قال: فنكت ساعةً في الأرض، ثمَّ قال: إنه لعلمٌ وما هو بذاك.
قال: ثمَّ قال: يا أبا محمَّد، وإنَّ عندنا الجامعة، وما يدريهم ما الجامعة؟ قال: قلت: جُعِلت فداك، وما الجامعة؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإملائه، من فلق فيه وخط عليٍّ بيمينه، فيها كلُّ حلال وحرام وكلُّ شيء يحتاج الناس إليه حتَّى الأرش في الخدش... قال: قلت: هذا والله العلم، قال: إنه لعلمٌ وليس بذاك.
ثمَّ سكت ساعة، ثمَّ قال: وإنَّ عندنا الجفر وما يدريهم ما الجفر؟ قال: قلت: وما الجفر؟ قال: وعاءٌ من أدم فيه علم النبيين والوصيين، وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل، قال: قلت: إنَّ هذا هو العلم، قال: إنه لعلمٌ وليس بذاك.
ثمَّ سكت ساعة ثمَّ قال: وإنَّ عندنا لمصحف فاطمة (عليها السلام) وما يدريهم ما مصحف فاطمة؟ قال: قلت: وما مصحف فاطمة (عليها السلام)؟ قال: مصحفٌ فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرَّات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد، قال: قلت: هذا والله العلم، قال: إنه لعلمٌ وما هو بذاك.
ثمَّ سكت ساعة ثمَّ قال: إنَّ عندنا علم ما كان، وعلم ما هو كائن إلى أنْ تقوم الساعة. قال: قلت: جعلت فداك، هذا والله هو العلم، قال: إنه لعلمٌ وليس بذاك.
قلت: جعلت فداك، فأي شيء العلم؟ قال: ما يحدث بالليل والنهار، الأمر من بعد الأمر، والشيء بعد الشيء، إلى يوم القيامة» [الكافي ج1 ص ٢٣٩].
إذا بان هذا فنقول ما يلي:
1ـ إنَّ هذا الإشكال مبنيٌّ على افتراض أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) كانوا في ظرفٍ يسمح لهم بإظهار جميع ما عندهم من العلوم والمعارف، والحال أنَّ المتتبع لسيرتهم يعلم أنَّهم عاشوا تحت ضغوطٍ سياسيَةٍ وأمنيَّةٍ شديدة، وتعرَّضوا للمراقبة والسجن والتضييق، بل قُتلوا جميعاً قبل أنْ تتاح لهم فرصة نشر ما عندهم من العلوم والمعارف على نطاقٍ واسع.
مضافاً إلى ذلك: فإنَّ دور الأئمَّة (عليهم السلام) لم يكن تأسيس حضارةٍ ماديَّةٍ، أو قيادة مشروعٍ تكنولوجيٍّ، وإنَّما كان حفظ الدين وبيان العقيدة الحقة وتربية الأمَّة؛ ولذلك نجد أنَّ أكثر أسئلة الناس كانت تدور على الأحكام الشرعيَّة والقضايا اليوميَّة، لا على الاكتشافات العلميَّة أو المشاريع التقنيَّة.
ويكفي شاهداً على ذلك: ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) حين قال: «سلوني قبل أنْ تفقدوني» ـ وهي كلمةٌ تكشف عن سعة علمه ـ ومع ذلك لم يستثمر كثيرٌ من الحاضرين هذه الفرصة الفريدة، حتَّى قام بعضهم يسأله عن أمورٍ جزئيَّةٍ وتافهةٍ، كقوله: كم شعرة في لحيتي؟! فالمشكلة لم تكن دائماً في عدم وجود العلم، بل كثيراً ما كانت في عدم وجود السائل المؤهَّل، أو المجتمع المستعد لتلقي هذا النوع من المعارف.
وعليه، فإنَّ عدم وصولنا إلى تراثٍ واسعٍ في الجوانب التكنولوجيَّة أو الحضاريَّة لا يعني عدم امتلاكهم لهذا العلم، بل قد يكون ناشئاً من طبيعة الظروف التي عاشوها، ومن طبيعة الأسئلة والاهتمامات التي كانت مطروحةً في عصرهم.
2ـ يُضاف إلى ما تقدَّم: أنَّ ما وصل إلينا من تراث أهل البيت (عليهم السلام) لا يمثِّل بالضرورة جميع ما صدر عنهم من علومٍ ومعارف، فإنَّ قسماً كبيراً من الكتب والأصول الحديثية فُقدت عبر الحروب والاضطهاد وتقلُّبات الزمن؛ ولذلك فلا يصحُّ الحكم على مجموع علومهم من خلال ما وصل إلينا فقط.
ويكفي في ذلك: أنَّ عدداً من المصادر الحديثيَّة والعلميَّة المهمَّة لم تصل إلينا، ككتاب مدينة العلم للشيخ الصدوق، الذي عدَّه العلماء من كتبه الكبيرة والمهمَّة، فضلاً عن عشرات الأصول والكتب التي كانت متداولةً بين المتقدِّمين ثمَّ فُقدت بمرور الزمن.
ومن هنا، فإنَّ الاستدلال بعدم وجود رواياتٍ كثيرةٍ في بعض المجالات على عدم صدور شيءٍ عنهم في تلك المجالات، استدلالٌ لا يخلو من خلل، إذْ عدم الوجدان لا يدلُّ على عدم الوجود.
وعليه، فإنَّ محدوديّة ما بأيدينا من النصوص لا تكشف عن محدوديّة علومهم (عليهم السلام)، بل غاية ما تكشف عنه هو محدودية ما وصل إلينا من ذلك التراث العظيم، كما هو واضح.
3ـ على أنَّ ما وصل إلينا من تأسيسهم (عليهم السلام) لجملةٍ من العلوم المهمَّة كالطبّ والكيمياء والفلك وغيرها شاهدٌ على سعة علمهم الذي أخبروا به في هذه الأحاديث المشار إليها.
النتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) لم تسنح لهم الفرصة بإظهار جميع علومهم ومعارفهم، لصعوبة الظرف الذي مرُّوا به في حياتهم القصيرة، كما أنَّ ما وصل إلينا من علومهم لا يمثِّل جميع ما قالوه وبيَّنوه لأصحابهم؛ لتلف عددٍ من تلك الكتب والمصادر الأصلية كما أسلفنا؛ ولذلك فلا يصح الإشكال بعدم وجود آثارٍ حضاريَّةٍ وتكنولوجيَّةٍ لأئمَّة أهل البيت (عليهم السلام).. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق