هل أثبت القرآن أن فرعون كان رقيق القلب؟
السؤال: بالنسبة لفرعون، لم ينتبه محمدٌ إلى أنَّه أبرز لنا صفتين جميلتين له من خلال محاولته جعله وحشاً: إنَّه يحب زوجته جدّاً؛ لذا وافق على طلبها، وإنَّ قلبه رقيقٌ جدّاً ليتبنى طفلاً لا يعرف له أصلاً أو نسباً، وكاد يعطيه اسمه «الفرعون». هذه ليست شخصيةً سيئةً أو شريرة، هذا إنسانٌ يحمل بداخله قلباً، بل قلباً جميلاً.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
المشكلة أنَّ صاحب الكلام لم يكتشف في فرعون «قلباً جميلاً»، وإنّما ارتكب مغالطةً طفوليّةً: انتزع موقفاً محدوداً من سياقه، ونسب فضل الموقف إلى غير صاحبه، ثمّ جعله يمحو سيرةً كاملةً من الإجرام، وبالطريقة نفسها يمكن القول: إنَّ كلَّ لصٍّ كريمٌ؛ لأنََّه أعطى ابنه مصروفاً، وكلّ قاتلٍ رحيمٌ لأنّه سقى قطّته، وكلّ مستبدٍّ ديمقراطيٌّ لأنّه استشار زوجته في لون الستائر!
فقول الكاتب إنَّ فرعون كان «يحبّ زوجته جدّاً لأنّه وافق على طلبها»، فهو منطقٌ عجيبٌ؛ لأنّ موافقة الرجل على طلبٍ واحدٍ لزوجته لا تحوّله إلى زوجٍ مثاليٍّ، فضلاً عن أن تلغي طغيانه. كم من مجرمٍ يحبّ بعض أفراد أسرته؟ وكم من طاغيةٍ يدلّل أبناءه بينما يهدم بيوت الآخرين؟ هل أصبحت محبَّة الزوجة ميزاناً وحيداً للحكم على الإنسان، حتى لو كان يذبح أبناء الناس ويستحيي نساءهم؟ بهذا المنطق الساذج يمكن تبرئة كلّ سفاحٍ في التاريخ بمجرّد العثور على رسالة حبٍّ كتبها لزوجته أو صورة يظهر فيها وهو يحمل طفلاً.
بل إنَّ القرآن نفسه قدّم لنا شهادة امرأة فرعون على حقيقة زوجها، حين قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ [التحريم: 11]. فهي لم تقل: يا ربّ احفظ لي زوجي الرقيق صاحب القلب الجميل، بل طلبت النجاة منه ومن عمله. ومع ذلك يأتي شخصٌ بعد آلاف السنين، لم يرَ فرعون ولم يعش في قصره، ليشرح لامرأته نفسها أنَّ زوجها كان إنساناً رائعاً، وأنّها على ما يبدو لم تفهم رهافة قلبه كما فهمها صاحب المنشور!
ثم إنَّ عبارة «كاد يعطيه اسمه الفرعون» تكشف جهلاً آخر؛ لأنَّ «فرعون» ليس اسماً شخصياً حتّى يعطيه لموسى، وإنما هو لقبٌ لحاكم مصر، كقولنا «الملك» أو «القيصر»، فالتخيّل بأنّ الطفل كان سيُسمى «الفرعون الصغير» لا يستند إلى القرآن ولا إلى التاريخ، وإنَّما إلى خيال كاتب يحاول أن يسخر من النص، فإذا به يسخر من معلوماته هو.
والأشد طرافةً أنَّ الكاتب يتصوَّر أنَّ القرآن أراد تصوير فرعون «وحشاً» بالمعنى القصصيّ الساذج، أي: مخلوق لا يحبّ ولا يضحك ولا يشعر بأيّ عاطفةٍ. والقرآن لم يقل ذلك أصلاً؛ فالطغاة ليسوا بالضرورة كائنات بلا مشاعر، وإنّما تكمن جريمتهم في أنّهم يحتكرون المشاعر لأنفسهم ولمَن حولهم، بينما لا يرون بقية الناس بشراً يستحقّون الحياة. قد يحبّ الطاغية زوجته، ولكنّه يقتل زوجات الآخرين. وقد يرحم طفلاً في قصره، ولكنّه يصدر أمراً بقتل آلاف الأطفال خارجه، وقد يحنو على خادمٍ قريبٍ منه، ولكنَّه يستعبد أمّةً كاملةً. وهذا لا يجعله «جميلاً من الداخل»، بل يكشف أنَّ قلبه كان أنانيّاً وانتقائيّاً وفاسداً.
إنَّ جريمة فرعون لم تكن أنَّه لم يعرف الحبَّ قطُّ، بل إنَّه قال لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24]، وقسّم المجتمع شيعاً، واستضعف طائفةً منه، وذبّح أبناءهم واستحيا نساءهم، وطارد موسى ومن آمن معه، وجحد الآيات استكباراً، ثمّ قاد جنوده إلى الهلاك، فهل تمحى هذه الجرائم؛ لأنَّ امرأة فرعون أقنعته بعدم قتل طفل واحدٍ؟ إنَّ منطقاً كهذا لا يصلح حتّى لتقييم شخصيّةٍ في مسلسل، فضلاً عن قراءة التاريخ والقرآن.
القرآن أكثر واقعيةً من هذه القراءة السطحيّة؛ فهو لا يقول إنَّ الشرير يجب أنْ يكون شريراً في كلّ ثانيةٍ ومع كلّ شخصٍ، وإنَّما يكشف أنَّ الإنسان قد يحمل عاطفةً خاصّةً، ثمّ يفسد حين تتحوّل ذاته ومصلحته وسلطانه إلى مركز الكون.
وفرعون لم يكن وحشاً لأنَّه عجز عن الشعور، بل لأنَّه شعر بنفسه وبملكه، ولم يشعر بآلام الذين كان يذبح أبناءهم ويستعبدهم، وتلك ليست علامة قلب جميلٍ، بل واحدةٌ من أبشع صور القسوة: أنْ تملك القدرة على الرحمة، ثم تحصرها في قصرك وتحرم منها شعباً بأكمله.
اترك تعليق