هل أمر النبي (ص) أبا بكر وعمر بالالتحاق بجيش أسامة؟
السؤال: يقول أهل العامَّة في ردِّهم على الشيعة في مسألة جيش أسامة: إنَّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) أمر وحثَّ الصحابة على الخروج مع جيش أسامة على سبيل العموم، ولم يحدِّد أسماء الذين سيخرجون مع جيش أسامة، لا أبو بكر ولا عمر ولا غيرهما. فما هو التعليق المناسب على ذلك؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
من جملة الأحداث الإسلاميَّة المهمَّة ما حدث في شهر صفر من العام الحادي عشر من الهجرة النبويَّة، وملخَّص ما ذُكر في كتب السِّيَر والتواريخ:
هو أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) جهَّز جيشاً تحت قيادة أسامة بن زيد من أجل غزو الروم. وقد عقد اللواء له بيده، ثمَّ قال له: اغز بسم الله وفي سبيل الله، فقاتل من كفر بالله. فخرج أسامة بلوائه حتَّى عسكر في الجرف ـ وهو موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام ـ ومعه وجوه المهاجرين الأوَّلين والأنصار، ومنهم أبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطَّاب.
وكان أسامة بن زيد آنذاك شاباً، ولذلك تكلَّم قومٌ منهم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأوَّلين؟! فغضب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) غضباً شديداً، فخرج وقد عصَّب على رأسه عصابةً وعليه قطيفة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال: أما بعد أيها الناس، فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة؟ ولئن طعنتم في إمارة أسامة، لقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وأيم الله، إنْ كان للإمارة لخليقاً، وإنَّ ابنه من بعده لخليق للإمارة.
ثمَّ جاء المسلمون الذين سيخرجون مع أسامة يودِّعون رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إلى العسكر بالجرف، وقد ثقل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فجعل يقول: أنفذوا بعث أسامة، لعن الله من تخلَّف عنه، وكرَّر ذلك.
فبينا أسامة يُريد الركوب إذا جاء رسول أم أيمن إليه فقال له: ادخل، فإنَّ رسول الله يموت، فقام من فوره فدخل المدينة واللواء معه، فجاء به حتَّى ركزه بباب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ورسول الله قد مات في تلك الساعة، وانتهى أمر البعث والغزو الذي أمرهم به رسول الله (صلَّى الله عليه وآله).
إذا بان هذا التمهيد، فنقول:
إنَّ أمر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بإنفاذ جيش أسامة شاملٌ لجميع المهاجرين والأنصار، ومنهم أبو بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطَّاب، كما هو واضح، لأنَّ الأمر إذا صدر للجميع فهو شاملٌ لكلِّ الأفراد إلَّا ما خرج بدليل، ولم يثبت استثناء أبي بكر وعمر بدليلٍ خاص حتَّى يُقال بعدم ذكرهما بالاسم.
والشاهد على ذلك: ما صرَّح به جمعٌ من المحدِّثين والمؤرِّخين من النصِّ على أسماء بعض الوجوه المشاركة في جيش أسامة، ومنهم أبو بكر وعمر، ممَّا يعني أنَّهم فهموا من أمر النبي (صلَّى الله عليه وآله) شموله لهما أيضاً.
أخبار المسألة:
1ـ روى ابن سعد الزهريّ: «فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواءً بيده، ثمَّ قال: أغز بسم الله في سبيل الله، فقاتل من كفر بالله. فخرج بلوائه وعقوداً، فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الأسلميّ وعسكر بالجرف، فلم يبق أحدٌ من وجوه المهاجرين الأوَّلين والأنصار إلَّا انتدب في تلك الغزوة، فيهم أبو بكر الصدِّيق، وعمر بن الخطَّاب، وأبو عبيدة بن الجرَّاح، وسعد بن أبي وقَّاص، وسعيد بن زيد، وقتادة بن النعمان، وسلمة بن أسلم بن حريش» [الطبقات الكبرى ج2 ص١٩٠].
2ـ وروى أحمد بن يحيى البلاذريّ: «خرج رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) عاصباً رأسه، حتَّى جلس على المنبر، وكان الناس قد تكلَّموا في أمره حين أراد توجيههم إلى مؤتة، فكان أشدُّهم قولاً في ذلك عيَّاش بن أبي ربيعة. فقال: أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة، فلعمري لئن قلتم في إمرته، لقد قلتم في إمرة أبيه من قبله، ولقد كان أبوه للإمارة خليقاً، وإنَّه لخليق بها. وكان في جيش أسامة: أبو بكر، وعمر، ووجوه من المهاجرين والأنصار» [أنساب الأشراف ج1 ص٤٧٤].
3ـ وروى ابن أبي شيبة بسنده عن هشام بن عروة، عن أبيه: «أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) كان قطع بعثاً قبل موتة وأمَّـر عليهم أسامة بن زيد، وفي ذلك البعث أبو بكر وعمر قال: فكان أناسٌ من الناس طعنوا في ذلك، لتأمير رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) أسامة عليهم، فقام رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) فخطب الناس فقال: إنَّ أناساً منكم قد طعنوا عليَّ في تأمير أسامة، وإنَّما طعنوا في تأمير أسامة كما طعنوا في تأمير أبيه، وأيمُ الله إنْ كان لخليقاً للإمارة» [المصنَّف ج18 ص134].
4ـ وروى أبو بكر البزَّار بسنده عن نافع، عن ابن عمر: «أنَّ النبي (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) استعمل أسامة بن زيد على جيشٍ، فيهم أبو بكر وعمر. فطعن الناس في عمله، فخطب النبي (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) فقال: قد بلغني أنَّكم طعنتم في عمل أسامة وفي عمل أبيه من قبله، وإنَّ أباه كان خليقاً للإمارة وإنَّه لخليق للإمارة» [مسند البزَّار ج12 ص155، تاريخ دمشق ج8 ص60، وغيرها].
5ـ وروى الجوهريّ بالإسناد عن عبد الله بن عبد الرحمن: «أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في مرض موته أمَّـر أسامة بن زيد بن حارثة على جيشٍ فيه جلَّة المهاجرين والأنصار، منهم أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجرَّاح، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير. وأمره أنْ يغير على مؤتة حيث قتل أبوه زيد» [السقيفة وفدك ص٧٦، شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص51].
وروى أيضاً: «فجعل يقول: انفذوا بعث أسامة، لعن الله من تخلَّف عنه، وكرَّر ذلك. فخرج أسامة واللواء على رأسه، والصحابة بين يديه حتَّى إذا كان بالجرف نزل ومعه أبو بكر وعمر وأكثر المهاجرين» [السقيفة وفدك ص77، شرح نهج البلاغة ج6 ص51].
6ـ وروى الطبريّ بسنده إلى الحسن بن أبي الحسن البصريّ قال: «ضرب رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) قبل وفاته بعثاً على أهل المدينة ومن حولهم، وفيهم عمر بن الخطَّاب، وأمَّـر عليهم أسامة بن زيد» [تاريخ الطبري ج3 ص226].
7ـ وقال شمس الدين الذهبيّ: «ذكرنا في المغازي: أنَّ النبي (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) أمَّـر أسامة على جيشٍ، فيهم أبو بكر، وعمر. وله ثمان عشرة سنة» [تاريخ الإسلام ج2 ص475].
8ـ وقال الصفديّ: «بعث رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) أسامة في جيشٍ، فيهم أبو بكر وعمر... فطعن الناس فيه، لأنَّه كان ابن مولى، ولم يبلغ عشرين سنة» [الوافي بالوفيات ج8 ص242].
9ـ وقال ابن الملقِّن: «وأمَّا أسامة: فهو أبو زيد أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبيّ المدنيّ... إلى قوله: أمَّـره رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) على جيشٍ، فيهم أبو بكر، وعمر. وعمره عشرون فأقل، فلم ينفذ حتَّى مات» [التوضيح لشرح الجامع الصحيح ج4 ص62].
10ـ وقال ابن حجر: «كان تجهيز أسامة يوم السبت قبل موت النبي (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) بيومين، وكان ابتداء ذلك قبل مرض النبي (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) فندب الناس لغزو الروم في آخر صفر، ودعا أسامة فقال: سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد ولِّيتك هذا الجيش... فعقد لأسامة لواءً بيده فأخذه أسامة فدفعه إلى بريدة وعسكر بالجرف. وكان ممَّن انتدب مع أسامة كبار المهاجرين والأنصار، منهم أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة، وسعد، وسعيد، وقتادة بن النعمان، وسلمة بن أسلم» [فتح الباري ج8 ص152].
إلى غيرها من المصادر الكثيرة الناصَّة على ذلك، كما لا يخفى على المراجع، ومنه يتَّضح استفاضة القصَّة في تراث أهل العامَّة.
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك: أنَّ أمر النبي الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) للمهاجرين والأنصار شاملٌ لأبي بكر وعمر جزماً، وهو ما فهمه العلماء كما بيَّنَّا مفصَّلاً.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق