هل أجبر الله المشركين على الكفر؟
السؤال: يقول تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. قريش هنا أثاروا مسألةً مهمةً: هي أنَّ كفرهم هو بإرادة الله ومشيئته، وأنَّ الله هو من قدَّر عليهم الكفر. ماذا كان جواب القرآن عليها؟ ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. هذه مسألةٌ مهمةُ وشائكةٌ، وهي الاحتجاج بمشيئة الله والقدر، وكيف يعذبنا الله وهو من شاء لنا الكفر، المفروض أنَّ القرآن أجاب عن هذه المسألة بشكل واضح ومفصل، لكن الجواب كان: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، هل هذا جواب؟!
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: 35].
القول إنَّ القرآن أجاب عن احتجاجهم بعبارة: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فقط، غير صحيح؛ لأنَّ الآية لم تنته عند هذه العبارة، بل جاء بعدها مباشرة: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، ثم جاء في الآية التالية: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: 36]
فالجواب القرآني يتكوّن من عدة حلقات مترابطة:
أوّلاً: أنَّ هذه الحجّة ليست اكتشافاً عقليّاً توصلت إليه قريش، بل هي عذرٌ قديمٌ كان المكذّبون يرددونه للتهرّب من مسؤوليّة أفعالهم؛ ولذلك قال: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، أي كذلك احتجّ السابقون بالقدر لتبرير شركهم، لا أنَّ الله هو الذي أجبرهم على الشرك. فالآية تصف تشابه سلوك المكذّبين، ولا تقرّ بصحّة استدلالهم.
وثانياً: أنَّ الله أرسل الرسل بالبلاغ المبين، فقال: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. ومعنى ذلك أنَّ الله لم يترك الناس بلا بيانٍ حتّى يُقال إنَّ الكفر فرض عليهم من غير حجّةٍ، بل أرسل إليهم مَن يبيّن لهم طريق الإيمان وطريق الضلال، فلو كانوا مجبورين على الشرك، فما معنى إرسال الرسل؟ وما معنى أمرهم بعبادة الله واجتناب الطاغوت؟
وثالثاً: أنَّ الآية التالية صريحة في أنَّ الدعوة الإلهيّة كانت عامة لكلّ الأمم: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. فكيف يزعمون أنَّ الله شاء منهم الشرك بمعنى أنَّه أمرهم به أو أجبرهم عليه، بينما الله أرسل الرسل لينهوهم عنه؟ إنَّ مَن يأمرهم بالتوحيد لا يكون قد أجبرهم في الوقت نفسه على نقيضه، وإلَّا صار التكليف عبثاً والعقاب ظلماً، وتعالى الله عن ذلك.
وقد نقل القرآن الاحتجاج نفسه في موضع آخر، وأجاب عنه بصورة أكثر صراحة، فقال: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: 148ـ149].
وهنا يكشف القرآن أنَّ هذا الاحتجاج لم يكن بحثاً صادقاً عن الحقيقة، وإنَّما كان امتداداً لمنهج المكذبين من الأمم السابقة: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾، كما يبيّن أنَّ دعواهم لا تستند إلى علمٍ أو برهانٍ، وإنَّما تقوم على الظنّ والتخمين والخرص: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾. ومن ثمّ فليس لهم حجّة على الله، بل الحجّة البالغة لله عليهم: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾.
أمّا قوله: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، فمعناه: أنَّ الله لو شاء أن يسلب الناس الاختيار ويجبرهم على الإيمان لفعل، ولكنّه لم يشأ أن يكون الإيمان قهريّاً؛ لأنَّ الإيمان القهريّ لا قيمة أخلاقيّة حقيقيّة له ولا يستحقّ صاحبه ثواباً. وقد أكَّد القرآن ذلك في قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99]. فالله قادر على أن يجعل الجميع مؤمنين بالإكراه، لكنّه شاء أن يكون الإنسان مختاراً، ثمّ يحاسبه على اختياره.
وهنا ينبغي التمييز بين معنيين لمشيئة الله، فقد يقال: إنَّ كل ما يقع في الكون لا يقع خارج سلطان الله وقدرته، وهذا صحيح؛ فلا يستطيع الإنسان أنْ يفعل شيئاً إذا سلبه الله القدرة والحياة والاختيار. لكن هذا لا يعني أنَّ الله أجبره على كلّ فعل فعله، أو أنَّه رضي بذلك الفعل وأمر به، فالله منح الإنسان القدرة، وترك له مساحة الاختيار، ثم نهاه عن الكفر والمعصية.
ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: 3]، وقال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10]، وقال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]. وهذه الآيات لا معنى لها إذا كان الإنسان مجبوراً لا اختيار له.
كما أنَّ القرآن ينفي بوضوح أن يكون الله راضياً بالكفر، فقال: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: 7]. فكيف يصحّ أن يُقال: إنَّ الله فرض عليهم الكفر، مع أنَّه يعلن أنَّه لا يرضاه لهم؟
وقال تعالى رداً على من نسب الفاحشة إلى أمر الله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 28]. وهذا هو جوهر احتجاج المشركين نفسه: يرتكبون الباطل، ثمّ ينسبونه إلى الله ليتهربوا من المسؤوليّة. فجاء الردّ واضحاً: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
ولو كان مجرّد وقوع الفعل دليلاً على أنَّ الله أمر به ورضي عنه، لكان كلُّ ظلمٍ وقتلٍ وكذبٍ وفاحشةٍ محبوباً لله؛ لأنَّها وقعت في ملكه؛ وهذا باطلٌ بالضرورة؛ ففرقٌ كبيرٌ بين أن يسمح الله للإنسان بأن يختار الشر في عالم الامتحان، وبين أنْ يأمره بالشرّ أو يجبره عليه.
فالمشركون كانوا يستعملون القدر ستاراً لتبرير ما ورثوه عن آبائهم. والدليل أنَّهم لم يكونوا يقبلون بهذا المنطق عندما تقع عليهم جريمةٌ أو يُسلب منهم مال، فلم يكن أحدهم يقول للسارق: لا حرج عليك، فلو شاء الله ما سرقتني! وإنَّما كانوا يستعملون مشيئة الله عندما يريدون حماية شركهم فقط.
وفي المحصّلة، الجواب القرآني واضحٌ ومتكاملٌ: الله لم يجبرهم على الكفر، بل منحهم القدرة، وأرسل إليهم الرسل، وبيَّن لهم الطريق، وأمرهم بالتوحيد، ونهاهم عن الشرك، وأقام عليهم الحجّة، ثمّ اختاروا التكذيب، فجاءوا بعد ذلك يحتجّون بالمشيئة لتبرير اختيارهم. ولذلك لم يقبل القرآن احتجاجهم، بل وصفه بأنَّه ظنّ وخرص، وبيَّن أنَّ الحجّة لله عليهم لا لهم على الله.
اترك تعليق