هل وعد القرآن بصاعقة لم تنزل على قريش؟
السؤال: محمدٌ في أول دعوته توعّد قريشاً صراحةً بصاعقةٍ من الله تصيبهم إنْ هم كذّبوا به: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فلم تؤمن قريش ولم تنزل الصاعقة؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الاعتراض قائمٌ على قراءةٍ سطحيّة للآية الكريمة؛ إذ تخيّل صاحبه أنَّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) توعّد قريشاً بصاعقةٍ كهربائيّةٍ فوريّةٍ، ثم لمّا لم يرَ البرق أعلن فشل الوعيد، مع أنَّ القرآن لم يحدد نوع العذاب ولا زمنه، وإنما أنذرهم من مصير يشبه مصير عاد وثمود إذا أصرّوا على التكذيب والاستكبار. بل إن القرآن نفسه يوضح أن «الصاعقة» لا تعني بالضرورة ضربة برق، فقد قال عن عاد: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: 16]، وقال عن ثمود: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ [فصلت: 17]، فالصاعقة هنا اسمٌ للعذاب الساحق الذي يهلك الأمة ويقضي على قوّتها، لا شرارة جويّة ينتظرها المعترِض في نشرة الطقس.
فالآية تقول لقريش: إنْ أصررتم على الإعراض والاستكبار، فأنتم معرَّضون لعاقبة الأمم المكذّبة. ولا تقول: إنْ لم تؤمنوا في هذه الساعة فسينزل عليكم العذاب في الساعة التالية.
ومجرّد تأخّر العقوبة لا يعني سقوط الإنذار، وإلَّا كان كُّل تحذيرٍ من المستقبل كاذباً ما دام أثره لم يقع في اللحظة نفسها، فإذا حذّر الطبيب إنساناً من أن استمراره في التدخين سيقوده إلى الهلاك، ثمّ عاش الرجل بعد التحذير سنوات، فهل يقال: إنَّ الطبيب كذب لأن المريض لم يمت في اليوم التالي؟ هذه ليست حجّة، بل سوء فهم لمعنى التحذير.
والقرآن يقرّر صراحةً إنَّ الله يمهل المكذّبين ولا يعاجلهم بالعقوبة، فقال: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾ [آل عمران: 178]، وقال: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ﴾ [الكهف: 58]. فالإمهال جزءٌ من السنّة الإلهيّة، وليس دليلاً على بطلان الوعيد. ولو كان الله يعاقب كلَّ مكذّبٍ فور صدور التكذيب منه، لما بقيت فرصة للتوبة، ولا كان للدعوة والاختيار والامتحان أيُّ معنى.
ثم إن قريشاً لم تبقَ كلها على كفرها حتّى تُستأصَل بعذابٍ عامّ؛ فقد آمن كثيرٌ من أهل مكّة بعد ذلك، بل دخلت قبائل وقادة وأبناء المكذّبين في الإسلام، فلو نزل عذاب الاستئصال فوراً؛ لهلك مَن كان سيؤمن لاحقاً.
والإنذار في القرآن ليس رغبةً في الإبادة، وإنّما فتحٌ لباب الرجوع قبل حلول العاقبة، ولذلك يقترن دائماً بالدعوة إلى الإيمان والتوبة.
كما بيّن القرآن سبباً آخر لعدم نزول العذاب العامّ على أهل مكّة، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33]. فوجود الرسول بينهم كان أماناً من عذاب الاستئصال الذي نزل بالأمم السابقة، وهذا لا يعني أنَّهم لن يعاقبوا مطلقاً، وإنَّما يعني أنَّ الله لم يعاملهم بالطريقة نفسها التي عامل بها عاداً وثمود، ما دام النبيّ والمؤمنون بينهم وباب التوبة مفتوحاً.
ومع ذلك، لم تمر قريش بلا عواقب دنيويّة، فقد هُزم جمعها، وقُتل عددٌ من أكابر المكذّبين الذين قادوا الحرب على النبيّ، وانهارت سيادتها الوثنيّة، ودخل المسلمون مكّة، وتحطمت الأصنام التي خاضت قريش حروبها دفاعاً عنها.
وقد أخبر القرآن وهم في قمّة قوتهم: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: 45]، ثمّ وقع ما أخبر به، فمن ظنَّ أنَّ العذاب لا يكون إلّا ناراً تنزل من السماء تجاهل أنَّ سقوط قوة الظالم وهزيمته ومقتل قادته وانهيار مشروعه من صور العقوبة أيضاً.
والأهمّ من ذلك أنّ الوعيد الإلهيّ لا ينحصر في الدنيا؛ فالقرآن لا يقول إنّ كلّ مكذّب يجب أن يستوفي عقوبته كاملةً قبل موته، بل يجعل الجزاء النهائيّ في الآخرة: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: 40]. فمَن أفلت من عذاب الاستئصال في الدنيا لم يفلت من الحساب، ومَن مات على كفره واستكباره لم يصبح بريئاً لأنّ السماء لم ترسل عليه صاعقة يراها الناس.
وفي المحصّلة، لو أن الآية قالت: «ستنزل على قريش صاعقة في اليوم الفلاني»، ثمّ مضى ذلك اليوم ولم يقع شيء، لكان للاعتراض وجه.
أمّا الآية فقد أنذرتهم من مصيرٍ شبيهٍ بمصير المكذّبين، من غير تحديدٍ لنوع العذاب ولا لوقته ولا كونه حتميّاً، ومع ذلك بيّن القرآن أنَّ الله يمهل، وأنَّ وجود النبيّ يمنع عذاب الاستئصال، وأنَّ باب التوبة مفتوحٌ، وأنَّ العقوبة قد تكون في الدنيا أو الآخرة.
وبعد كل ذلك يأتي المعترض فيحذف هذه المعاني كلها، ويحوّل الإنذار إلى نشرة طقس، ثمّ يسأل: أين الصاعقة؟
اترك تعليق