هل كانت رؤيا بدر خداعاً للمؤمنين؟

السؤال: ما الردُّ على من يقول إنَّ الرسول محمدًا (صلى الله عليه وآله) استخدم الطريقة التحايليّة في التهرب من نبوءاته ووعوده: هو مثلاً ادّعى أنَّه رأى رؤيا قبيل غزوة بدر مفادها أنَّ المؤمنين سيواجهون عدداً قليلاً من جنود المشركين (وكان في البداية يتوقع مواجهة قافلة قليلة الحراسة)، ثم لما تغيرت الظروف وصارت المواجهة مع الجيش المكيّ كثير العدد، جاء القرآن مبرراً المسألة بشكلٍ عجيبٍ جداً: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾. أي إنَّ الله خدع نبيَّه والمؤمنين بهذا الحلم، وأراهم الأعداء قليلين عمداً حتى لا يجبنوا عن القتال!

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

هذا الاعتراض مبنيٌّ على خلطٍ متعمدٍ بين واقعتين مختلفتين، ثمّ اختراع نبوءةٍ لم يذكرها القرآن أصلاً؛ فالقرآن لم يقل: إنَّ النبيَّ رأى في منامه أنَّه سيواجه قافلةً قليلة الحراسة، ولم يقل إنّه أخبر المسلمين بأنّ عدد المشركين قليل على سبيل التنبؤ العدديّ ثمّ فوجئ بكثرة الجيش. كلُّ ما تقوله الآية هو: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ [الأنفال: 43]. فأين النبوءة العدديّة التي أخطأت؟ وأين الوعد بأنّ المسلمين لن يواجهوا إلّا عدداً قليلاً؟ لا وجود لشيء من ذلك إلّا في صياغة المعترض نفسه.

نعم، كان المسلمون في بداية خروجهم يتمنّون الظفر بالقافلة، وقد صرّح القرآن بذلك من غير أي محاولةٍ لإخفائه: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: 7]. فالقرآن يميّز بوضوحٍ بين رغبة المسلمين في مواجهة القافلة غير المسلّحة، وبين المواجهة التي وقعت مع القوّة العسكريّة لقريش، لكن المعترض خلط بين رغبة المسلمين في مواجهة القافلة، وبين الرؤيا التي تعلقت بجيش قريش، فصوّر الأمر كأنّ النبيَّ رأى في منامه أنَّ القوة التي سيواجهها قليلةٌ؛ لأنَّها مجرّد حرّاس للقافلة، مع أنَّ القرآن لم يربط الرؤيا بالقافلة أصلاً.

كما أنَّ الرؤيا لم تكن تقريراً استخباريّاً عن العدد الحقيقيّ للجيش حتّى تُوصَف بالكذب أو الخطأ، وإنّما كانت رؤيا تثبيت وتطمين، وقد صرّح القرآن بوظيفتها بوضوحٍ: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾. فالمقصود كان منع الهزيمة النفسية والخلاف قبل بدء القتال، لا إخبار المسلمين بأنَّ عدد جيش قريشٍ قليلٌ في الواقع، والرؤيا لا يلزم أنْ تنقل الأشياء كما تنقلها الصورة الفوتوغرافيّة، بل قد تعرض حقيقتها ومعناها ومآلها؛ فقد ظهر جيش قريشٍ قليل الأثر أمام التأييد الإلهيّ، وانتهت كثرته العدديّة إلى الهزيمة.

والقرآن لا يتستّر على إخفاقٍ مزعومٍ، بل يصرّح منذ البداية بأنَّ التقليل في الرؤيا كان لغرض التثبيت ومنع الفشل والتنازع، فلو كانت هناك نبوءة عدديّة أخطأت وأراد النصّ الهروب منها، لَمَا أعلن صراحة أنَّ الرؤيا لم تكن وصفاً للعدد الخارجيّ، وإنّما تدبيراً نفسيّاً لإزالة الخوف.

ومن العجيب أنْ يتحوّل هذا التصريح الواضح بوظيفة الرؤيا إلى دليلٍ على التحايل، مع أنَّه ينقض دعوى التحايل من أصلها.

ثم إنَّ المسلمين عرفوا قبل بدء القتال أنَّهم سيواجهون جيش قريش، ولذلك ذكر القرآن تردّد بعضهم وجدالهم بعد أنْ اتّضحت لهم حقيقة الموقف: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: 6]. فقوله: ﴿بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ يدلّ على أنَّ طبيعة المواجهة أصبحت معلومة لهم، ولم يدخلوا المعركة وهم يظنون أنَّهم أمام قافلةٍ قليلة الحراسة، ومن ثمّ لم يُبنَ قرار القتال على معلومة مزيّفة، ولم تُستخدم الرؤيا لإخفاء حقيقة الجيش عنهم، وإنّما كانت لتثبيتهم بعد أنْ عرفوا طبيعة الخطر الذي يواجهونه.

وتبيّن الآية التالية أنَّ التقليل لم يختصّ برؤيا النبيِّ، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: 44]. فقد رأى المسلمون المشركين قليلاً، ورأى المشركون المسلمين قليلاً أيضاً، وكان ذلك جزءاً من التدبير الذي أفضى إلى وقوع المعركة وقضاء الأمر الذي أراده الله. ولم يكن التقليل وعداً بأنَّ العدد الحقيقيّ قليلٌ، بل متعلّقاً بالصورة النفسيّة والانطباع الذي تكوّن عند الطرفين في ساحة المواجهة.

أمّا وصف ذلك بأنَّ الله «خدع نبيّه والمؤمنين»، فهو مجرّد اتّهامٍ انفعاليٍّ أضافه المعترض من عنده؛ لأنَّ الخداع يكون بتقديم معلومةٍ كاذبةٍ لإيقاع الإنسان في الضرر، بينما عرف المسلمون أنَّهم أمام جيش قريش، وكانت الرؤيا لتقوية عزائمهم ومنعهم من الخوف والتنازع، لا لدفعهم إلى خطرٍ يجهلونه، وانتهت المعركة بنجاتهم وانتصارهم، لا بوقوعهم في الفخّ الذي يتخيّله المعترض.

وفي المحصّلة، لم تكن الرؤيا نبوءةً عن عدد المشركين حتّى يُقال: إنّها أخطأت، ولم يقل القرآن: إنَّها كانت عن القافلة، ولم يخفِ عن المسلمين حقيقة الجيش، ولم يدفعهم إلى القتال بناءً على معلومات مزيّفة، وإنّما كانت رؤيا تثبيتيّةً أظهر الله فيها قوّة العدو قليلة الأثر، ثمّ عرف المسلمون حقيقة المواجهة ودخلوا المعركة بعد اتّضاحها لهم وانتصروا.

وعليه، فإنَّ صاحب الادّعاء لم يكشف حيلةً قرآنيَّةً، وإنّما هو الذي مارس الحيلة: اخترع نبوءةً عدديّةً لا وجود لها، وربط الرؤيا بالقافلة بلا دليل، وحوّل التثبيت النفسيّ إلى تقريرٍ عسكريٍّ، ثم اتّهم القرآن بالتراجع عن وعدٍ لم يصدر منه أصلاً.