هل يعلم أهل البيت (ع) العلوم البشرية؟
السؤال: هل رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمَّة (عليهم السلام) يمتلكون المهارات العمليَّة والحياتيَّة التي نتعلَّمها نحن الأفراد العاديين ولا تولد معنا، كالرياضات أو الفنون المباحة، وغيرها؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
بداية، لا بأس أنْ يُعلم بأنَّ المهارات العلميَّة أو العمليَّة التي يكتسبها الإنسان في مسيرة حياته إنَّما تحصل بتعلُّم أصولها أوَّلاً، ثمَّ بممارستها وتكرارها حتَّى يكتسب الخبرة والإتقان فيها؛ فالماهر في بعض الصناعات أو العلوم، إنما تعلَّم أوَّليات تلك الصناعات أو العلوم، ثمَّ مارسها حتَّى صار بارعاً فيها، وهكذا الحال في سائر القضايا، كما هو مشاهدٌ بالعيان ومدركٌ بالوجدان.
إذا تبيَّن هذا، فنقول:
إذا كان هذا ممكناً لسائر الناس العاديين فهو ممكنٌ لأهل البيت (عليهم السلام) من بابٍ أولى، لكونهم أفضل الناس وأكملهم، بل هو ثابتٌ لهم على نحو الجزم واليقين؛ وذلك لسعة علومهم ومعارفهم التي حصلوا عليها من طريق السماء، وقد دلَّت على ذلك جملةٌ من الروايات.
1ـ روى الشيخ محمَّد بن الحسن الصفَّار بسنده إلى أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سئل عليٌّ (عليه السلام) عن علم النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقال: علم النبيّ علم جميع النبيين، وعلم ما كان وعلم ما هو كائنٌ إلى قيام الساعة. ثمَّ قال: والذي نفسي بيده، إنّي لأعلم علم النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وعلم ما كان، وما هو كائنٌ فيما بيني وبين قيام الساعة» [بصائر الدرجات ص١٤٧].
2ـ وروى أيضاً بسنده إلى عبد الأعلى بن أعين قال: «سمعتُ أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنّي لأعلم ما في السماء، وأعلم ما في الأرض، وأعلم ما في الجنَّة، وأعلم ما في النار، وأعلم ما كان، وأعلم ما يكون، علمتُ ذلك من كتاب الله، إنَّ الله تعالى يقول: ﴿فِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ﴾» [بصائر الدرجات ص١٤٧].
3ـ وروى أيضاً بسنده إلى جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إنَّ اسم الله الأعظم على ثلاثةٍ وسبعين حرفاً، وإنما كان عند آصف منها حرفٌ واحدٌ، فتكلَّم به فخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس، ثمَّ تناول السرير بيده، ثمَّ عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة عين. وعندنا نحن من الاسم اثنان وسبعون حرفاً، وحرفٌ عند الله، استأثر به في علم الغيب عنده، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العليّ العظيم» [بصائر الدرجات ص٢٢٨].
4ـ وروى الشيخ الكلينيّ بسنده إلى أبي بصير قال: «دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقلت له: جعلت فداك، إني أسألك عن مسألة، ههنا أحد يسمع كلامي؟ قال: فرفع أبو عبد الله (عليه السلام) ستراً بينه وبين بيت آخر فاطَّلع فيه ثمَّ قال: يا أبا محمَّد، سل عمَّا بدا لك، قال: قلت: جعلت فداك، إنَّ شيعتك يتحدَّثون: أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) علَّم علياً (عليه السلام) باباً، يُفتح له منه ألف باب؟ قال: فقال: يا أبا محمَّد، علَّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً ألف باب، يفتح من كلِّ باب ألف باب...» [الكافي ج1 ص٢٣٩].
5ـ وروى أيضاً بسنده إلى عبد العزيز بن مسلم قال: «كنا مع الرضا (عليه السلام) بمرو فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة في بدء مقدمنا، فأداروا أمر الإمامة، وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها، فدخلتُ على سيدي (عليه السلام) فأعلمته خوض الناس فيه، فتبسَّم (عليه السلام) ثمَّ قال: يا عبد العزيز، جهل القوم وخدعوا عن آرائهم... إلى قوله (عليه السلام): إنَّ الأنبياء والأئمَّة (صلوات الله عليهم) يوفِّقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم، فيكون علمهم فوق علم أهل الزمان» [أصول الكافي ج1 ص198ـ202].
6ـ وروى قطب الدين الراونديّ عن أبان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «العلم سبعة وعشرون جزءاً، فجميع ما جاءت به الرسل جزأن، فلم يعرف الناس حتَّى اليوم غير الجزأين، فإذا قام القائم أخرج الخمسة والعشرين جزءاً، فبثها في الناس، وضمَّ إليها الجزأين، حتَّى يبثَّها سبعة وعشرين جزءاً» [الخرائج والجرائح ج2 ص841]. إلى غيرها من الأخبار الكثيرة.
ونتيجة هذه الأخبار المتقدِّمة: أنَّ أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) يعلمون كلَّ ذلك بتعليمٍ من الله تعالى، كما صار واضحاً.
شبهاتٌ وردود:
1ـ إذا كان أهل البيت (عليهم السلام) يعلمون العلوم البشريَّة، كالرياضيات والطب والهندسة وما شاكلها من العلوم والحِرَف، فلماذا لم ينعكس ذلك على حياتهم العمليَّة بصورةٍ واضحة؟
أنَّ الوظيفة الأساسيَّة للإمام (عليه السلام) هي هداية البشريَّة، وتزكية النفوس، وحفظ الدين، وبناء العقيدة الصحيحة؛ ولذلك كان هذا الجانب هو الغالب على تراثهم وسيرتهم، على أنَّ بعض العلوم البشريَّة، كالرياضيات والطب وغيرها، قد ورد في كلماتهم أيضاً، وذلك عند الحاجة إلى بيانها، أو في مقام إقامة الحجة وإثبات الإمامة، أو لغير ذلك من الموارد التي تقتضي بيانها، كما تشهد بذلك سيرتهم وأخبارهم.
2ـ إذا كان الأئمَّة (عليهم السلام) عالمين بكلِّ ذلك كما قلتم، فلماذا نراهم يرجعون إلى أهل الاختصاص في بعض الحالات، كما في طلب أمير المؤمنين (عليه السلام) الطبيب عندما جُرح في مسجد الكوفة؟
أنَّ الغرض من ذلك هو تعليم الناس بضرورة الرجوع لأهل الاختصاص في جميع المجالات ومنها الطب، وليس معناه عدم معرفة الإمام (عليه السلام) بأمور الطب أو غيره من الاختصاصات العلميَّة، كما هو واضح.
3ـ إنَّ كلامكم المذكور ينافي ما قاله أعلام المذهب المحقّ، فقد حُكي عن السيد المرتضى في بعض كلماته خلاف ذلك.
قال الشيخ محمَّد جواد مغنية: (قال الشريف المرتضى في الشافي: لا يجب أنْ يعلم الإمام بالحِرف والمِهن والصناعات، وما إلى ذاك مما لا تعلُّق له بالشريعة. إنَّ هذه يُرجع فيها إلى أربابها، وإنَّ الإمام يجب أنْ يعلم الأحكام، ويستقلُّ بعلمه بها، ولا يحتاج إلى غيره في معرفتها، لأنه وليُّ إقامتها، وتنفيذها) [الشيعة في الميزان ص ٤٢، وينظر: الشافي ج3 ص164].
إنَّ كلام السيد المرتضى في نفي وجوب علم المعصوم بتلك العلوم، لا نفي علمه بها واقعاً، وعدم الوجوب شيءٌ ونفي العلم بها شيءٌ آخر. فلو كان الطبيب عالماً ببعض الحِرف والمهن ـ كالخياطة أو النجارة ـ فهل يجب عليه ذلك كي يصبح طبيبًا يُعالج المرضى؟ كلَّا بالتأكيد. وهل عدم وجوب ذلك عليه يعني نفي علمه بهذه الحِرف المذكورة؟ كلَّا بالتأكيد، لعدم الملازمة بين علمه بشيءٍ ووجوبه عليه. وهكذا الحال في الإمام المعصوم (عليه السلام)، فإنه وإنْ كان عالماً بتلك العلوم البشريَّة، ولكنها غير واجبة عليه كإمام منصوب من الله تعالى لهداية الناس وبيان العقيدة والأحكام الشرعية وما شابه ذلك.
والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك: أنَّ أهل البيت (عليهم السلام) يعلمون كلَّ ذلك بتعليمٍ من الله تعالى، لكونهم أفضل الخلق وأكمله، وإنما يكون بيان تلك العلوم البشريَّة وإظهارها للناس فيما لو كانت هناك مصلحة في ذلك.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق