هل ذم أهل البيت (ع) أهل مصر؟

السؤال: روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) ـ وبالسند المعتبر عند الطائفة ـ أنَّه قال: (لا تأكلوا من الأواني المصريَّة المصنوعة من الخزف، ولا تغسلوا رؤوسكم فيها؛ لأنَّ طين مصر يُذهب بالغيرة، ويورث الدياثة)! إنَّ هذه الشواهد وأمثالها تؤكِّد بما لا مزيد عليه على أنَّ هذه الشخصيات المذكورة هي كائناتٌ تاريخيَّةٌ عاشت لحظتها، ولا يُمكن بحال من الأحوال أنْ نمدّ صلاحيتها لأكثر من لحظتها على الإطلاق؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

يُشير السائل إلى ما رواه جماعةٌ من أعلامنا الإماميَّة بإسنادهم إلى إمامنا عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) عن جدِّه (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال عن بلاد مصر: «لا تغسلوا رؤوسكم بطينها، ولا تأكلوا في فخارها، فإنه يورث الذلَّة، ويذهب الغيرة. قلنا له: قد قال ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فقال: نعم» [قرب الإسناد ص376، تفسير العيَّاشيّ ج1 ص304]. وفي الكافي: «فإنه يذهب بالغيرة، ويورث الدياثة» [الكافي ج6 ص386].

وبالجملة: فقد ورد في تراثنا الحديثيّ جملةٌ من الأخبار الدالَّة على ذمِّ غسل الرأس بطين أرض مصر، أو الأكل في فخارها، أو ذمِّ ماء النيل، وأنَّه يميت القلوب، وأنَّ الله تعالى عندما غضب على بني إسرائيل أدخلهم في أرضها، وما أخرجهم منها إلَّا أنْ رضي عنهم، وغير ذلك مما يدلُّ على ذمِّها بشكل واضح.

إذا بان هذا، فلنا بعض التعليقات، نذكرها ضمن أمور:

الأمر الأوَّل: إنَّ ما ورد في ذمّ أرض مصر أو مائها أو طينها وغير ذلك ليس مختصَّاً بروايات أهل البيت (عليهم السلام)، وإنّما هو واردٌ في تراث العامة بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ؛ ولذلك تُعدُّ هذه المسألة من المسائل المشتركة عند جميع المسلمين، نكتفي بحديثٍ واحدٍ، ونشير إلى الباقي بذكر المصدر فقط.

روى ابن عساكر بسنده المتصل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «ذكرتُ مصر عند رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلَّم) فقال: السوداء تربتها، المنتنة أرضها، الحلفاء نباتها، القبط أهلها، من دخل فيها وسكن فيها وأكل في آنيتها وغسل رأسه بطينها ألبسه الله الذلَّ والهوان، وأذهب عنه الغيرة، وإنْ كان ولابد من السكنى فيها فعليكم بجبل يقال له المقطَّم، فإنه مقدَّس، أو بقرية يُقال لها الإسكندرية، فإنها إحدى العروسين يوم القيامة» [تاريخ دمشق ج54 ص116].

وللمزيد عن ذلك [يُنظر: كتاب البلدان لابن الفقيه ص128، ربيع الأبرار ج1 ص305، المواعظ والاعتبار ج1 ص129، البحر المحيط ج6 ص262، ديوان الصبابة ص35، بدائع الزهور ج1 ص47، رحلة الشتاء والصيف ص62، المسالك والممالك ج1 ص493، وغيرها].

الأمر الثاني: هناك فرقٌ بين ذمِّ البلاد وذمِّ أهلها، فأهل البلاد غير البلاد؛ ولذا ينبغي الالتفات إلى الفرق بين ذلك وعدم خلط أحدهما بالآخر، والملاحظ في هذه الروايات أنها تذمُّ البلاد فقط، مع السكوت عن حال أهلها.

فقد ذمَّت الطين أنْ يُغسل به، وذمَّت الفخار أنْ يُؤكل فيه، كما ورد ذمُّ ماء النيل والأرض بشكلٍ عام، وعليه فهي ساكتةٌ عن أحوال أهل مصر؛ ولذلك فلا يصح القول بأنَّ أخبار أهل البيت (عليهم السلام) تذمُّ أهل مصر، وذلك للفرق بين البلاد وسكَّانها، كما هو واضحٌ وبَيِّن.

الأمر الثالث: أنَّ هذه الأخبار المذكورة تُشير إلى جملةٍ من الآثار التكوينيَّة لهذه الأرض؛ ولذلك فهي تحذِّر المسلمين من فعل تلك الأمور المشار إليها، سواء كان مصريَّاً أم غير مصريّ، فإنَّ الأثر الكونيَّ فيها مؤثرٌ بعد مشيئة الله تعالى.

وبعبارة أُخرى: الظاهر من بعض الآيات والروايات أنَّ هناك أراضين مباركةً وطيبةً، وأُخرى بعكس ذلك، وثالثةً محايدةً، وهكذا الآثار التكوينيَّة لهذه الأراضي، فقد تكون جيدةً ونافعةً، وقد تكون مضرَّةً وغير جيدة، وقد تكون حياديةً.

ولذلك، فما دلَّ الدليل على نفعه فينبغي الاستفادة منه، وما دلَّ على ضرره فينبغي الاجتناب عنه، خوفاً من آثاره السلبيَّة المذكورة. ومن ذلك أرض مصر، حيث دلَّت هذه الأخبار على وجود بعض الآثار السيئة فيها، فينبغي الاجتناب عنها. وهذا من حسنات وفوائد هذه الأخبار الشريفة.

الأمر الرابع: لو تنازلنا عن كلِّ ذلك وقلنا بأنَّ الأخبار واردةٌ في ذمِّ الناس أيضاً، فيُحتمل أنَّها من قبيل القضايا الخارجيَّة التي تنطبق على أصحابها المقصودين بالكلام، وليس من قبيل القضايا الحقيقيَّة التي تصدق على من كان موجوداً بالفعل ومَن سوف يوجد، والله تعالى هو العالم بحقائق الأمور.

بقي شيءٌ:

وهو ما ورد في كلام السائل من قوله في حقِّ الإمام الرضا (عليه السلام): (إنَّ هذه الشواهد وأمثالها تؤكِّد بما لا مزيد عليه على أنَّ هذه الشخصيات المذكورة هي كائناتٌ تاريخيَّةٌ عاشت لحظتها، ولا يُمكن بحال من الأحوال أنْ نمدّ صلاحيتها لأكثر من لحظتها على الإطلاق)! فإنه غلطٌ وغير صحيح، فإنَّ أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) أناسٌ معصومون ومنصَّبون من عند الله تعالى، فهم حُجةٌ على جميع العباد وكلِّ البلاد، وفي سائر الأزمان والأوقات.

وقد دلَّ على إمامتهم، وكذلك عصمتهم، وحُجيَّة ما يصدر عنهم، العديد من الأدلَّة القرآنيَّة والروائيَّة، وقد بيَّنا أكثر ذلك في أجوبةٍ سابقةٍ بشيءٍ من التفصيل؛ ولذا فلا حاجة إلى التكرار المؤدِّي إلى التطويل الممل، والله الهادي.

والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك: أنَّ الظاهر من هذه الأخبار هو الذمُّ للأرض نفسها، وما يتعلَّق بها، مع السكوت عن الناس والسكَّان فيها. كما أنَّها تُشير إلى وجود جملةٍ من الآثار التكوينيَّة المرتبطة بهذه الأرض؛ ولذلك ينبغي الحذر منها والاحتياط فيها، والله تعالى العالم.. والحمد لله ربِّ العالمين.